Mag-log inمرّ شهر كامل منذ تلك الليلة على السطح، وبدأ سامر يشعر أن الأرض تحت قدميه أصبحت أكثر ثباتًا. كان قد سدد جزءًا بسيطًا من دينه لخالد، وواظب على جلسات الدعم، وأصبح لديه في المستودع سمعة الموظف الجاد الذي لا يتأخر ولا يتغيب. لكن الحياة، كما تعلّم مؤخرًا، نادرًا ما تسير في خط مستقيم.
في صباح أحد الأيام، وبينما كان في طريقه إلى العمل، توقفت أمامه سيارة فارهة سوداء عند إشارة المرور، ونزل منها رجل يعرفه جيدًا: "منذر"، الشخص الذي أدخله إلى عالم المقامرة منذ سنوات، والذي كان يملك أحد الأندية الليلية التي قضى فيها سامر أسوأ لياليه. "سامر! يا رجل، أين اختفيت؟" قال منذر بابتسامة عريضة، ممدًا يده للمصافحة. تردد سامر للحظة قبل أن يصافحه بفتور، وقال: "أحاول أن أرتب حياتي يا منذر." ضحك منذر ضحكة ساخرة خفيفة، وقال: "حياتك مرتبة أكثر حين تكون معنا. اسمع، لدينا طاولة خاصة الليلة، أشخاص جدد، فرص كبيرة. أعرف أنك تحتاج المال، خصوصًا مع دَينك لخالد." شعر سامر بقلبه يتسارع، ليس من الحماس هذه المرة، بل من الخوف. كانت هذه بالضبط اللحظة التي حذّره منها فراس في إحدى جلسات الدعم: "ستأتي لحظة يعود فيها الماضي ليطرق بابك بابتسامة ودودة، وهي أخطر اللحظات على الإطلاق." تنفّس بعمق، وقال بصوت أكثر ثباتًا مما شعر به فعلاً: "أقدّر عرضك، لكنني توقفت عن هذا تمامًا." نظر إليه منذر بدهشة ممزوجة بازدراء خفيف، وقال: "توقفت؟ أنت؟ حسنًا، إذا غيّرت رأيك، تعرف أين تجدني." ثم عاد إلى سيارته وانطلق، تاركًا سامر واقفًا في الشارع، يشعر وكأنه نجا للتو من انزلاقة كان يمكن أن تعيده إلى القاع من جديد. وصل إلى العمل متأخرًا بضع دقائق، ولا يزال قلبه يخفق بقوة. لاحظ فراس حالته فور دخوله، وسأله بهدوء: "هل حدث شيء؟" حكى له سامر ما جرى، فأومأ فراس برأسه بتفهم عميق وقال: "هذا بالضبط ما نسميه في المجموعة 'اختبار العتبة'. النجاة من إغراء واحد لا تعني أن المعركة انتهت، لكنها تعني أنك تتعلم كيف تفوز في كل مرة تُختبر فيها." لكن الاختبارات لم تنتهِ عند هذا الحد. في تلك الليلة، وأثناء عودته إلى المنزل، تلقى مكالمة من رقم غريب. حين ردّ، سمع صوت امرأة تبكي بشدة، وأدرك بعد لحظات أنها والدته، التي كانت لا تزال في المستشفى منذ إصابتها بمرضها قبل سنوات، لكن حالتها كانت قد ساءت فجأة. "سامر... أمك... يجب أن تأتي الآن." كان الصوت لممرضة كانت تعتني بها. اندفع سامر نحو المستشفى بقلب يخفق بعنف، خليط من الخوف وتأنيب الضمير يجتاحه. طوال الطريق، تذكر كل الزيارات التي أجّلها بحجة العمل أو التعب، وكل المكالمات التي لم يجرِها لأنه كان يخجل من صوته وهو في حالة سُكر. حين وصل، وجد الأطباء يخرجون من غرفتها بوجوه جادة. اقترب منهم بخوف، وسأل: "هل هي بخير؟" قال أحد الأطباء: "حالتها مستقرة الآن، لكنها مرّت بأزمة صعبة الليلة. من الجيد أنك أتيت." دخل سامر إلى الغرفة بهدوء، ورأى والدته مستلقية، شاحبة لكن عيناها مفتوحتان، تنظران إليه بحب لم يتغير رغم كل سنوات غيابه وابتعاده. جلس بجانبها، أمسك يدها بحذر، وقال بصوت مرتجف: "أمي... أنا آسف. آسف على كل شيء." ابتسمت بضعف، وقالت بصوت خافت: "أنت هنا الآن. هذا كل ما يهم." جلس بجانبها حتى ساعات الفجر الأولى، يراقب أنفاسها، ويستعيد في ذهنه كل كلمة كتبتها له في تلك الرسالة التي غيّرت مسار ليلته على السطح. أدرك في تلك اللحظة أن رحلته من الرماد إلى النور لم تكن من أجله وحده، بل من أجل هذه المرأة التي لم تتوقف يومًا عن الإيمان به، حتى حين لم يكن هو نفسه يستحق ذلك الإيمان. قضى سامر الأيام التالية متنقلاً بين المستشفى والعمل، حريصًا ألا يتغيب عن أي منهما. لاحظ أبو ياسر إرهاقه فسمح له بترتيب دوامه ليتمكن من زيارة والدته كل مساء. كانت تلك الزيارات مختلفة تمامًا عن كل ما عرفه من قبل في علاقته بها؛ لم تعد لقاءات سريعة مليئة بالأعذار والشعور بالذنب، بل أصبحت جلسات حقيقية يتحدثان فيها، يضحكان أحيانًا، ويصمتان أحيانًا أخرى بارتياح لا يحتاج إلى كلمات. في إحدى الزيارات، وبينما كانت والدته تستريح، أخرج سامر دفتر رسمه من حقيبته، واستمر في العمل على اللوحة التي بدأها: اليد الممتدة نحو الضوء وسط الرماد. فتحت عينيها ببطء، ورأته منهمكًا في الرسم، فابتسمت وقالت: "لم أرَك ترسم منذ سنوات." رفع رأسه بمفاجأة، وقال: "وجدت الدفتر القديم قبل أسابيع. شعرت أن عليّ أن أكمله." مدّت يدها الضعيفة لتلمس حافة الدفتر، ونظرت إلى الرسم طويلاً، ثم قالت بصوت مليء بالتأثر: "هذا بالضبط ما كتبته لك في تلك الرسالة، أليس كذلك؟ اليد التي تمتد نحو النور." أومأ سامر برأسه، غير قادر على الكلام من شدة التأثر. لم يكن يتوقع أن يربط اللاوعي بداخله بين كلماتها ورسمه بهذا الشكل المباشر، لكنه أدرك أن كل ما مرّ به في الأسابيع الماضية كان يتراكم ببطء ليشكّل صورة أكبر، تمامًا كما تتشكل اللوحة خطًا بعد خط. في اليوم التالي، وأثناء عودته من المستشفى، اتصل به خالد. توتر سامر للحظة، متوقعًا مطالبة أخرى بالدين، لكن صوت خالد كان مختلفًا هذه المرة، أكثر هدوءًا وتحفظًا: "سمعت عن حالة والدتك. أنا آسف يا سامر." توقف قليلاً ثم أضاف: "لا تقلق بشأن الدين الآن. سدده متى استطعت، بدون ضغط. لديك ما هو أهم الآن." فوجئ سامر بهذا التحول، وقال بامتنان صادق: "شكرًا لك يا خالد. هذا يعني لي الكثير." بعد المكالمة، جلس سامر في سيارته لبضع دقائق، يتأمل كل ما حدث في الأسابيع الأخيرة: رفضه لإغراء منذر، تفهّم خالد غير المتوقع، تحسّن علاقته بوالدته، ودعم فراس وليان المستمر. شعر أن الحياة، رغم كل صعوباتها، بدأت تكافئ خطواته الصغيرة بطرق لم يتوقعها. لكنه كان يعرف أيضًا أن الطريق لم ينتهِ بعد. في تلك الليلة، وبعد أن عاد إلى منزله، جلس أمام دفتر رسمه، وأضاف اللمسات الأخيرة على اللوحة. نظر إليها طويلاً: يد تمتد من بين الرماد نحو ضوء بعيد، لم تصل إليه بعد، لكنها اقتربت أكثر من أي وقت مضى. أغلق الدفتر، وهمس لنفسه بصوت خافت: "خطوة أخرى يا سامر، خطوة أخرى فقط." "**كان الفصل الثالث قد وضع أمامه أول اختبار حقيقي لقوته الجديدة، اختبار نجح فيه، لكنه أدرك أن اختبارات أكبر وأصعب لا تزال تنتظره في الطريق نحو النور الكامل الذي بدأ يلوح أخيرًا في الأفق**"مرّ عام كامل على رحيل سامر، وتجمعت العائلة الممتدة بأكملها في ذكراه الأولى، لا بحزن ثقيل، بل بنوع من الاحتفاء الهادئ الذي بناه هو نفسه عبر كل تلك السنوات الأخيرة من حياته. اجتمعوا في الحديقة التي زرعها بيديه، تحت الشجرة التي كبرت أكثر، وجلسوا على نفس البساط الذي جلسوا عليه آلاف المرات. جلست ليان وسطهم، أكبر سنًا الآن لكن عينيها لا تزالان تحملان نفس البريق الهادئ. قالت وهي تنظر إلى الجميع: "أعتقد أن سامر لم يرد منا أن نحزن في هذا اليوم، بل أن نفعل ما كنا نفعله دائمًا: أن نرسم معًا." فرشت ورقة كبيرة على الأرض، نفس الطقس الذي اعتادوه، وبدأ كل واحد يضيف خطه الخاص. رسم فراس، الذي صار شيخًا هادئًا يقضي أيامه بين طاولته المعتادة في المقهى وزياراته المنتظمة لليان، خطًا ثابتًا كعادته. رسم عمر، الذي أصبح الآن قائدًا معترفًا به عالميًا في مجاله، خطًا واثقًا يمتد بعيدًا. رسمت هند دوائر متشابكة. رسمت سارة أشعة ذهبية. رسم الحفيد، الذي كبر الآن وصار مراهقًا يحمل موهبة فنية واضحة، شجرة كبيرة بجذور عميقة. وحين جاء دور نور، توقفت للحظة، ثم رسمت شيئًا مختلفًا: يدًا واحدة، لا تمتد نحو شيء محدد، بل م
استيقظت ليان في الصباح التالي على ضوء شمس هادئ يتسلل من النافذة. مدت يدها، كما تفعل كل صباح، لتلمس يد سامر بجانبها. كانت باردة قليلاً، ويداها الصغيرة لم تشعر فورًا بالفرق، فقد اعتادت أن تجده أحيانًا نائمًا بعمق حتى وقت متأخر في تلك الأشهر الأخيرة. نادته بصوت هادئ: "سامر." لم يرد. اقتربت منه، لمست وجهه بحنان، ثم أدركت، بهدوء غريب يشبه هدوء ذلك اليوم الذي سبقه، أنه رحل وهو نائم، بلا ألم ولا صراع، كما لو كان قد اختار بنفسه أن يغادر في لحظة امتلاء كاملة، بعد يوم قضاه محاطًا بكل من يحب. لم تصرخ ليان ولم تنهار. جلست بجانبه لوقت طويل، تمسك يده الباردة بين يديها الدافئتين، تنظر إلى وجهه الهادئ الذي بدا كأنه نائم في حلم سعيد. قالت بصوت خافت، كأنها تكمل حديث الليلة الماضية: "كان يومًا جميلًا جدًا، يا سامر. وأنت رحلت في أجمل لحظة ممكنة." اتصلت بنور أولًا، بصوت هادئ لم يحمل صراخًا ولا انهيارًا، بل حزنًا عميقًا مشبعًا بالقبول. وصلت نور خلال دقائق من غرفتها القريبة، وحين رأت والدها، لم تبكِ فورًا، بل جلست بجانب أمها، تمسك يد والدها الأخرى، وبقيتا معًا في صمت طويل، يودّعانه بحضور كامل كما عاش ه
جاء يونيو بحرارته الأولى، وبدأ سامر يقضي وقتًا أطول داخل المنزل مع بداية النهار، مكتفيًا بجلسات قصيرة في الحديقة في ساعات الصباح الباكر أو المساء، حين يكون الجو أكثر لطفًا. لم يشتكِ من هذا التغيير، بل تقبّله كجزء طبيعي من إيقاعه الجديد، وصار يستمتع بجلساته الداخلية بنفس القدر من العمق الذي كان يستمتع به في الخارج. في أحد الأيام، طلب من ليان أن تحضر له جهاز تسجيل صغير، وقال لها: "أريد أن أسجل بعض الأفكار المتناثرة التي تأتيني، قبل أن أنساها." بدأ يتحدث بصوت هادئ عن ذكريات صغيرة، أفكار عابرة، حتى أحلام بسيطة راودته في الليل. لم تكن هذه التسجيلات منظمة أو موجهة لأحد بعينه، بل كانت أقرب إلى حوار داخلي يسجله بصوت مسموع، كأنه يريد أن يترك أثرًا لكل فكرة تمر به مهما بدت صغيرة. في تلك الفترة، بدأت نور تخطط لنقل جزء من عملها ليكون أقرب إلى المنزل، بعد أن شعرت برغبة عميقة في قضاء وقت أطول مع والدها. تحدثت مع جامعتها عن إمكانية العمل عن بعد لبضعة أشهر، ووافقوا بسهولة نظرًا لمكانتها المرموقة في مجالها. جاءت لتخبر والدها بهذا القرار، وقالت: "أردت أن أكون قريبة أكثر في هذه الفترة." أمسك يدها بحنا
عادت العائلة من رحلة الريف وقد ملأها هدوء خاص، واستمر سامر في إيقاعه البطيء لكن المليء. في أحد أيام مايو، طلب من ليان أن تساعده في ترتيب غرفته الخاصة، لا تنظيفًا عابرًا، بل إعادة ترتيب واعية لكل شيء فيها: كتبه، لوحاته، أوراقه، كأنه يريد أن يجد لكل شيء مكانه الأخير والمريح. في أثناء هذا الترتيب، وجدا صندوقًا صغيرًا لم يفتحه سامر منذ سنوات طويلة، فيه أول قلم رصاص استخدمه في طفولته، أهداه إياه أستاذ حسام. أمسكه سامر بحذر، يتأمله طويلاً، ثم قال: "ما زلت أتذكر ثقل هذا القلم في يدي الصغيرة." وضعه بعناية على طاولته، بجانب أحدث أقلامه، ليجلس القديم والجديد معًا، يرمزان لمسافة عمر كامل. في تلك الفترة، بدأت زيارات غير متوقعة تتوالى من أشخاص لم يرهم سامر منذ سنوات طويلة: زملاء قدامى من المستودع، معلمون من مدرسته الثانوية، حتى بعض من عرفهم في أصعب لحظات شبابه قبل أن يبدأ طريق التعافي. كل واحد منهم جاء ليجلس معه قليلاً، يستعيد ذكرى، يشكره على شيء لم يكن يعرف سامر نفسه أنه أثّر به. في أحد الأيام، جاء رجل مسن لم يتذكره سامر في البداية، قدّم نفسه على أنه زميل قديم من أيام المدرسة الثانوية، قبل أن
مع اقتراب شهر أبريل، بدأت الحديقة تزدهر بألوان الربيع الكاملة، وبدا سامر أكثر نشاطًا من الأسابيع السابقة، كأن دفء الفصل الجديد أيقظ فيه طاقة أخف وأكثر مرحًا. صار يخرج كل صباح ليراقب الأزهار الجديدة، يسمي كل نوع منها لحفيده الذي يرافقه أحيانًا في هذه الجولات الصباحية القصيرة. في أحد الأيام، جاءت سارة لزيارة غير معتادة، تحمل معها دفترًا جديدًا تمامًا من الورشة التي تديرها، مليئًا برسومات أطفال من مختلف الأعمار. جلست مع سامر تقلّب الصفحات معه، وتروي له قصة كل طفل باختصار. توقف عند رسمة لطفل صغير رسم بيتًا بسيطًا وشمسًا كبيرة، وقال: "هذا يذكرني بأول رسمة رأيتها لك." ابتسمت سارة، وقالت: "ربما كل بداية تشبه بداية أخرى، بطريقتها الخاصة." في تلك الفترة، طلب سامر من عمر أن يحضر له تحديثًا كاملاً عن برنامج "البداية الثانية" في كل الدول التي وصل إليها، لا لأنه يريد أن يتدخل، بل لأنه يريد أن يعرف، بتفاصيل كاملة، أين وصلت هذه البذرة التي ساعد في زرعها. جلس عمر يشرح له بحماس، يستخدم خرائط وصورًا، وسامر يستمع بانتباه كامل، يطرح أسئلة دقيقة كأنه لا يزال يملك نفس الحس الإداري الذي ميّزه في شبابه. ف
في الأيام التي تلت تلك الزيارة إلى السطح، بدا سامر هادئًا بطريقة مختلفة، كأن شيئًا ما استقر تمامًا في داخله. استمر في جلساته مع حفيده، لكنه بدأ يميل أكثر للصمت المشترك بدلًا من الحديث الطويل، وكأن الكلمات لم تعد ضرورية بقدر الحضور نفسه. في أحد الأيام، طلب من ليان أن تجلس معه وتقرأ له رسالة والدته الأولى، تلك التي بدأت كل شيء قبل عقود طويلة. أخرجتها من مكانها الخاص في خزانة قديمة، ورقة اصفرّت حوافها لكن الحبر لا يزال واضحًا. قرأتها ببطء، وسامر يستمع بعينين مغمضتين، يتذكر كل كلمة رغم كل السنوات. حين انتهت، فتح عينيه وقال: "لا أزال أسمع صوتها وهي تكتب هذا." في تلك الفترة، بدأ وليد بزيارات منتظمة، يحضر ابنته الصغيرة معه، التي صارت تعتبر زيارة "جدو سامر" جزءًا من روتينها الأسبوعي المحبب. في إحدى هذه الزيارات، جلست الطفلة الصغيرة بجانبه، ترسم بثقة متزايدة، وسألته: "هل أنت متعب يا جدو؟" نظر إليها بحنان، وقال: "قليلاً، لكن النظر إليك ترسمين يجعلني أنسى التعب تمامًا." في أحد أيام مارس، وبينما كانت الحديقة تبدأ باستعادة خضرتها بعد الشتاء، جلس سامر تحت الشجرة لوقت أطول من المعتاد، يراقب ال







