登入كان الليل قد انتصف...لكن الضوء داخل المكتب لم ينطفئ.وقف فؤاد أمام النافذة الزجاجية المطلة على المدينة.في السنوات الماضية...كان يحب هذا المنظر.كان يشعر أن كل تلك الأضواء...تقع تحت نفوذه.أما الليلة...فلم يرَ سوى ظلام كثيف.طرق الباب.ــ اتفضل.دخل أحد رجاله على استحياء.وقف منتظرًا الإذن بالكلام.دون أن يلتفت إليه، قال فؤاد:ــ اتكلم.ــ يا باشا...لسه محدش عرف يوصل لكامل باشاساد الصمت.استدار فؤاد ببطء.نظر إليه بعينين ثابتتين.ــ يعني إيه محدش عرف؟ارتبك الرجل.ــ التليفونات كلها مقفولة...والأماكن اللي كان بيروحها...مفيش فيها حد.اقترب فؤاد خطوة.ــ والسواق؟ــ مختفي.ــ الحرس؟ــ كل واحد بيقول كلام غير التاني.تجمد وجه فؤاد.ثم أشار للرجل بالخروج.خرج الرجل مسرعًا.وأغلق الباب خلفه.بقي فؤاد وحده.اقترب من مكتبه.فتح الدرج السفلي.وأخرج ملفًا صغيرًا.كان يحتفظ به منذ سنوات.ملف لا يعرف أحد بوجوده.قلب صفحاته ببطء.حتى توقف عند صورة قديمة.هو...وكامل...قبل أكثر من خمسة عشر عامًا.نظر إليها طويلًا.ثم قال بصوت بالكاد يُسمع:ــ معقول تعملها يا كامل؟رن الهاتف.نظر إلى الشاش
أغلق عمر باب السيارة بنفسه.ووضع الصندوق المعدني فوق المقعد الخلفي برفق...كأنه يخشى أن يهتز أكثر مما ينبغي.أدار المحرك.لكن السيارة لم تتحرك.ظل ينظر في المرآة الأمامية للحظات.ثم قال دون أن يلتفت:ــ بص حواليك كويس يا رامي...رفع رامي عينيه يتفحص الشارع.كان خاليًا.ورشة مهجورة...عدة محال مغلقة...ورجل عجوز يجلس أمام منزله يحتسي الشاي.لا شيء يثير الريبة.قال بهدوء:ــ مفيش حد.ظل عمر صامتًا.ثم تنهد.ــ يبقى نمشي.انطلقت السيارة ببطء.لم يتحدث أحد.كان كل منهما غارقًا في أفكاره.وبعد دقائق...كسر رامي الصمت.ــ تفتكر فيه إيه جوه الصندوق؟ابتسم عمر ابتسامة خفيفة دون أن يحول عينيه عن الطريق.ــ لو حسن كان عايز حد غير خديجة يشوفه...ما كانش خباه بالطريقة دي.هز رامي رأسه.ــ معاك حق.ثم عاد الصمت مرة أخرى.في البيت الآمن...كانت خديجة تقف أمام نافذة غرفتها.تنظر إلى الحديقة الصغيرة في الخارج.منذ خرج عمر وهي عاجزة عن التركيز في أي شيء.حاولت أن تعود إلى دفاتر والدها.لكن الكلمات بدت ضبابية.دخلت أمها تحمل كوبًا من النعناع.ابتسمت وهي تراها واقفة.ــ لسه مستنياهم؟أومأت خديجة.ــ حاس
لم يكن حسن يترك وراءه ورقة بلا معنى.هذه الحقيقة...كانت أول ما أدركته خديجة وهي تقلب صفحات الدفتر القديم للمرة العاشرة.أغلقت عينيها للحظة.ثم أعادت فتحهما وهي تحدق في الجملة التي كتبها والدها بخطه المعتاد:"لو الأرقام لخبطتك... ارجع لأول ميزان."همست لنفسها:ــ أول ميزان...مش أول دفتر...ولا أول حساب...لا...أول ميزان اتعمل بعد افتتاح الورشة.اتسعت عيناها فجأة.أمسكت هاتفها بسرعة واتصلت بعمر.كان عمر يجلس مع رامي والمستشار داخل غرفة صغيرة في البيت الآمن.أمامهم خريطة للتحركات الأخيرة التي رصدها رجال المراقبة.قال المستشار:ــ في حاجة بتحصل داخل الشبكة.بس لسه مش قادرين نحددها.رد رامي:ــ رجالة كامل بقوا يتحركوا أقل...وده مش مريحني.رن هاتف عمر.نظر إلى الشاشة.ابتسم ابتسامة خفيفة.ــ خديجة.رد فورًا.جاءه صوتها متحمسًا على غير عادتها:ــ عمر...أنا عرفت يقصد إيه.اعتدل في جلسته.ــ إيه اللي عرفتيه؟ــ بابا مش بيكلمني عن الدفاتر...بابا بيكلمني عن ميزان المحل.ساد الصمت.ثم أكملت:ــ فاكر ميزان الخشب القديم اللي كان في الورشة؟عقد عمر حاجبيه.كان يتذكره جيدًا.قطعة حديد ضخمة تعود
لم يكن المحاسب قد نام منذ يومين.كلما أغلق عينيه...رأى وجهين.وجه فؤاد...ووجه سليم.أحدهما يبتسم في هدوء.والآخر يراقب في صمت.وكان يعلم...أن الخطأ مع أيٍ منهما...يعني الموت.في الصباح...دخل مبنى الشركة الواجهة كعادته.صافح الموظفين.جلس خلف مكتبه.فتح جهاز الحاسب.وحاول أن يبدو طبيعيًا.لكن يده المرتجفة فضحته.رن هاتفه.نظر إلى الشاشة.رقم مجهول.تردد للحظة...ثم رد.جاءه صوت هادئ يعرفه جيدًا.ــ صباح الخير.ابتلع ريقه.ــ سليم...رد الأخير بنفس الهدوء:ــ قلتلك هترجع شغلك عادي.إيه اللي مخوفك؟همس المحاسب:ــ لو عرفوا...قاطعـه سليم:ــ متخافش من اللي هيعرف...خاف من اللي هيشك.وبعدين...أنا طلبت منك حاجة واحدة.تنهد المحاسب.ــ لسه...مفيش جديد.ــ هيبقى فيه.ولما يبقى...هتبلغني.أغلق سليم الخط.وبقي المحاسب ينظر إلى الهاتف طويلًا...قبل أن يعيده إلى درج مكتبه.في البيت الآمن...كانت خديجة قد حولت غرفة المكتب إلى خلية عمل حقيقية.علقت أوراقًا على السبورة.وربطت بينها بخطوط ملونة.دخل كريم، فتوقف أمامها مذهولًا.ــ هو إحنا في شركة ولا في قسم مباحث؟ابتسمت لأول مرة منذ أيام.ــ
لم يكن الانفجار الذي استهدف البيت الآمن أخطر ما حدث في تلك الليلة...بل ما تلاه.فمنذ اللحظة التي تأكد فيها عمر أن الجميع بخير، تغير شيء داخله.لم يعد يفكر في كيفية حماية خديجة فقط...بل في إنهاء هذه الحرب بأسرع وقت.وقف في غرفة الاجتماعات المؤقتة داخل البيت الآمن.أمامه المستشار، ورامي، وعدد محدود من ضباط الفريق.قال المستشار وهو يقلب بعض الأوراق:ــ الانفجار كان رسالة واضحة.رد عمر بهدوء:ــ لا...كان اعترافًا بالهزيمة.نظر الجميع إليه.فأكمل:ــ طول ما الشبكة كانت واثقة من نفسها، كانت بتشتغل في هدوء.دلوقتي بقوا يضربوا بعشوائية.وده معناه إنهم بقوا خايفين.قال رامي:ــ بس الخوف هيخليهم أخطر.ابتسم عمر ابتسامة خفيفة.ــ وأنا مستني الغلطة اللي هيعملوها وهم خايفين.في الطابق العلوي...كانت خديجة تقف أمام نافذة غرفتها.تنظر إلى الحديقة التي امتلأت برجال الحراسة بعد الانفجار.دخلت أمها بهدوء.وضعت يدها على كتفها.ــ مالك يا بنتي؟ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة.ــ تعبت يا ماما...مش من الخوف.من الفراغ.جلست على المقعد القريب.وأكملت بصوت منخفض:ــ كل يوم بصحى...أبص من الشباك...وأستنى.أس
لم يكن الرجل الذي تركه عمر يهرب يعلم...أنه لم يعد يهرب من الشرطة وحدها.كان يركض داخل شارع ضيق، يلتفت خلفه كل عدة خطوات، وأنفاسه تتقطع، بينما يضغط الهاتف في يده المرتعشة.لم يتجرأ على الاتصال بفؤاد.اتصل برقم واحد فقط.رد الصوت سريعًا:ــ أيوه.قال الرجل وهو يلهث:ــ وقعنا... الشرطة كانت مستنيانا.ساد صمت قصير.ثم صدم بصوت فؤاد باردًا بصورة أرعبته أكثر من الصراخ.ــ امسح تليفونك.اكسره.وامشي على النقطة التانية.ولو حسيت إن حد وراك...ما تروحش.أغلق الخط.على بعد مائتي متر...كانت سيارة رامي تسير ببطء شديد.عين على الطريق...وعين على شاشة صغيرة تتبع إشارة جهاز التتبع الذي نجح في تثبيته أسفل سيارة رجال فؤاد أثناء الفوضى.ابتسم رامي.ــ لسه قدامنا.نظر عمر إلى الشاشة.ــ متقربش.سيبه يحس إنه نجا.قال رامي:ــ ولو ضاع؟ابتسم عمر.ــ المجرم أول ما يحس بالأمان...بيغلط.في الوقت نفسه...كان شخص آخر يتابع الرجل نفسه.لكن من فوق أسطح المنازل.قفز بخفة بين سطح وآخر.كأنه يحفظ المكان عن ظهر قلب.توقف للحظة.رفع منظارًا صغيرًا.ثم ابتسم ابتسامة باردة.سليم.همس لنفسه:ــ اجري على فؤاد...وأنا







