تسجيل الدخولأمعنت ماسة النظر أمامها بتوتر، لتتفاجأ بقصي يظهر من بين الظلال وهو يلهث بقوة، كأنه ركض خلفها لمسافة طويلة.
اقترب منها بخطوات سريعة، وما إن وصل إليها حتى أمسك بذراعها قائلاً بغضب واضح: — هل جننتِ؟! لم يكن عليكِ المغادرة وحدكِ بهذا الوقت. اتسعت عينا ماسة بذهول. كيف يجرؤ على التحدث معها بهذه الطريقة؟ سحبت ذراعها من قبضته بعنف، ثم أشارت بيديها بانفعال لكنها توقفت فجأة. قصي لا يفهم الإشارة زفرت بعمق واستدارت مبتعدة عنه، إلا أنه لحق بها فورًا. هذه المرة أمسك يدها بلطف أكبر وقال بنبرة نادمة: — آسف… لم أقصد الصراخ عليكِ. ثم أشار نحو سيارة قديمة متوقفة غير بعيد وأضاف بهدوء: — دعيني أوصلكِ على الأقل. ترددت ماسة للحظة وهي تنظر نحوه بتفكير. ثم، دون كلمة، مشت باتجاه السيارة. تبِعها وابتسامة صغيرة مرتاحة ترتسم فوق شفتيه. أدار المحرك ثم قال وهو ينظر للطريق: — كنت عائدًا من العمل… وفجأة رأيت أولئك الحمقى يضايقونكِ. التفت إليها بابتسامة جانبية متباهية قليلًا: — من حسن حظكِ أنني مررت من هناك. عبست ماسة فورًا وهي تركز على حركة شفتيه فتحت حقيبتها الصغيرة وأخرجت دفتر الملاحظات الذي تحمله دائمًا، ثم كتبت بسرعة بخط واضح: — “أستطيع الدفاع عن نفسي جيدًا… لم يكن عليك التدخل.” قرأ قصي الكلمات سريعًا، ثم رفع حاجبيه بتمثيل مصدوم: — واو… كل هذا الجحود؟ ألا يفترض أن تشكريني أولًا؟ ضيقت عينيها نحوه، قبل أن تدرك أخيرًا أنه يمزح فقط. تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغمًا عنها، ثم ضمت كفيها معًا بحركة ساخرة تدل على الشكر. ضحك قصي بخفة وقال بانتصار: — على الرحب والسعة. ساد الصمت ، بينما كانت ماسة تراقبه من طرف عينها. قصي كان شقيق ميرنا الأكبر … الشاب الهادئ الذي تراه من بعيد.، كان وسيما الا انه لم يكن بوسامة قاسم . زفرت مشيحة بوجهها بعيدا عنه . وصلت السيارة أخيرًا إلى القصر. ظهر لطيف عند الباب بوجه متجهم وقلق واضح. — يا إلهي، كم أقلقتِني ، لماذا لم تطلبي من ميرنا الاتصال بي كالعادة . قال قصي بابتسامة مطمئنة: — لا داعي للقلق… لحقت بها في الوقت المناسب. انعقد حاجبا لطيف فورًا. — ماذا حدث؟ هل واجهت مشكلة؟ فتح قصي فمه ليجيب، لكن ماسة اندفعت نحوه بسرعة وأمسكت ذراعه تمنعه من الكلام. أشارت بيديها بتوتر: — لا تقل شيئًا! ثم تذكرت مجددًا أنه لن يفهم إشاراتها كلها، فأخرجت دفترها بعجلة وكتبت بسرعة: — “لا تخبر أحدًا بما حدث… وإلا سيمنعونني من الخروج وحدي تمامًا. مفهوم؟” قرأ قصي الكلمات، ثم ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة عابثة. رفع يده وأشار بإصبعه نحو فمه، ثم قام بحركة إغلاق وهمية وكأنه يرمي السر داخل بئر عميقة. ضحكت ماسة أخيرًا براحة. دفعت صدره بخفة نحو السيارة، وأشارت له أن يرحل، قبل أن تضيف إشارة شكر أخيرة أكثر لطفًا هذه المرة. أما قصي… فكان سعيدًا بشكل سخيف. استدارت ماسة نحو لطيف وأشارت بيدها: — هل تتناول الطعام معي ؟! أومأ لطيف برأسه رافضاً ثم قال متذمرًا: — ما زلت أقول إنك بحاجة لهاتف محمول… مواقف كهذه ليست مزحة. هزت كتفيها بلا مبالاة، راكضة نحو المنزل بخفة ، كان لطيف وسارة وابنتهم بسنت وحفيدتهم زهرة كعائلة ثانية لها ... كانت تحبهم كثيرا وتحترمهم . تناولت طعامها بسرعة، ذهبت لغرفة خالتها لتلقي عليها التحية : - لا احب ان تعودي متأخرة بالليل ... لو علمت حنان ستغضب كثيرا . اقتربت منها ماسة بهدوء وكتبت على ظهر الورقة : - لم انتبه لتأخر الوقت ... اعدك لن يتكرر مجددا . زفرت خالتها بحدة واشارت لها بالذهاب ، جلست ماسة في غرفتها لمراجعة دروسها قليلا ... سرحت بأفكارها الى قاسم حيث كان بالماضي يدرسها كل ما يصعب عليها فهمه ... تمنت وجوده بهذه اللحظة لمساعدتها ... ولكنها تذكرت بأنه لن يعود ابدا ... فهو خطب فتاة اخرى وسوف يتزوج بالخارج ولن يأبه لأمرها يوما . في اليوم التالي كان لطيف بانتظارها لاعادتها للمنزل ودعن صديقاتها وصعدت منطلقة الى البيت . كان لطيف يقود السيارة بهدوء، بينما كانت ماسة غارقة كعادتها داخل عالمها الخاص. منذ سفر قاسم للدراسة، أصبحت أحلام اليقظة ملاذها الوحيد. هناك فقط تستطيع أن تعيش كل ما حُرمت منه في الواقع. هناك كان قاسم يعود إليها دائمًا… لا يبتعد. لا يخون وعده. ولا يختار امرأة أخرى. ابتسمت بسخرية مريرة وهي تسند رأسها إلى النافذة. لكن ابتسامتها اختفت حين لاحظت السيارة تنعطف نحو طريق مختلف. عبست فورًا والتفتت إلى لطيف، ثم أشارت بيديها بسرعة: — إلى أين نذهب؟ لماذا غيرت الطريق؟ فهم لطيف إشارتها بسهولة، لكنه تهرب من النظر إليها عبر المرآة وقال بتوتر خفيف: — خالتك طلبت بعض الأغراض… وشددت ألا أعود من دونها. تنهدت ماسة بضيق. أخرجت دفترها الصغير وكتبت بسرعة: — “أوصلني إلى المنزل أولًا… أنا مرهقة جدًا.” قرأ لطيف الكلمات، ثم قبض على المقود بقوة قبل أن يجيب: — آسف يا صغيرة… لا أستطيع. لقد تجاوزنا نصف الطريق بالفعل . رمت ماسة رأسها للخلف باستسلام. أما لطيف… فكان يراقبها عبر المرآة وقلبه يعتصر ألمًا. رفع لطيف يده مشيرًا إليها بلطف: — نامي قليلًا… وحين نصل سأوقظك. هزت رأسها ببطء دون اعتراض. استلقت فوق المقعد، وأغمضت عينيها العسليتين لتغرق بالنوم خلال دقائق. أخرج هاتفه بسرعة واتصل بقاسم. جاءه الصوت من الطرف الآخر متعبًا وخشنًا: — نعم؟ خفض لطيف صوته: — إنها نائمة الآن يا سيد قاسم . تردد لثانية قبل أن يسأل بخوف: — كيف هما…؟ ساد الصمت لوهلة. ثم جاءه صوت قاسم مبحوحًا بشكل مؤلم: — أبي… توفي فورًا. تجمد لطيف مكانه. أما قاسم فتابع بصعوبة: — وأمي ما زالت في غرفة العمليات… لا نعرف إن كانت ستنجو أم لا. اختنق صوته للحظة، ثم أكمل بصرامة حاول التمسك بها: — لا تدع ماسة تعود إلى المنزل الآن. خالتي منهارة… وإن رأت ماسة بهذه الحالة ستصب غضبها عليها. أغمض لطيف عينيه بألم. — حاضر… لا تقلق. — وإن اضطررت… خذها إلى منزلك الليلة. أجهش لطيف بالبكاء رغمًا عنه. سالم لم يكن مجرد رب عمل. كان رجلًا نادرًا. سندًا للجميع. مسح دموعه بسرعة وقال: — ابنتي بسنت ستزورنا اليوم مع أطفالها… ستنشغل معهم، لا تقلق عليها. تنهد قاسم بتعب شديد. — اعتنِ بها جيدًا. — بعيني. أغلق الاتصال، ثم بقي للحظات يحدق بالطريق بصمت ثقيل. بعد وقت قصير، أوقف السيارة أمام منزله. فتحت عينيها بنعاس. ابتسم لطيف بتوتر وهو يقول: — السيارة تعطلت… ولن نستطيع إكمال الطريق اليوم، لذا سنبقى هنا قليلًا. نظرت حولها باستغراب، ثم هزت كتفيها بلا اهتمام. بصراحة… فكرة الابتعاد ليلة إضافية عن خالتها لم تكن سيئة أبدًا. لكن ما إن أخبرها لطيف بأن بسنت موجودة بالداخل مع طفليها، حتى أضاء وجهها بالكامل. داخل المنزل، اندمجت ماسة مع العائلة وكأنها واحدة منهم. بسنت استقبلتها بعناق حار، بينما كانت زوجة لطيف، سارة، تعاملها بحنان اعتادت عليه منذ طفولتها. أما الصغيرة زهرة… فأحبتها ماسة فورًا. كانت طفلة بالكاد تنطق كلمات مفهومة، لذا شعرت ماسة براحة غريبة معها. لا حاجة للكلام. اللعب وحده كان كافيًا. جلست زهرة في حضنها تضحك، بينما كانت ماسة تدغدغها بحب. ابتسمت بسنت وهي تراقبهما: — يبدو أنها أحبتك أكثر منا جميعًا. أشارت ماسة نحو الطفلة: — “لأنها تشبهني.” في المساء، جلسوا جميعًا حول مائدة كبيرة أعدتها سارة خصيصًا لها. ضحكت بسنت وهي تشير إلى الأطباق: — أمي طبخت نصف المطبخ من أجلك. ضحكت ماسة بصمت، ثم أشارت بمبالغة: — “إذن سأقيم هنا للأبد.” ضحك الجميع… حتى لطيف. رغم أن قلبه كان ينزف بصمت. لاحقًا، أخبرها لطيف أن خالتها تعرف بأمر بقائها هنا ولم تعترض. رفعت ماسة كتفيها ببرود. طبعًا لن تعترض. خالتها بالكاد تحتمل وجودها أصلًا. عادت للعب مع زهرة، في اليوم التالي، أعادها لطيف إلى المنزل بعد الظهر. كان القصر هادئًا بشكل غريب. ولا أثر لخالتها. ارتمت فوق سريرها تحتضن دبدوبها القديم المشوه. وخلال دقائق… غرقت بالنوم. رأت قاسم في حلمها. كالعادة. لكن هذه المرة كان مختلفًا. وجهه شاحب… عيناه غارقتان بالإرهاق… وحزنه واضح بشكل موجع. شعرت فجأة بيد تمسح العبوس عن جبينها برفق. تجمدت. اللمسة… حقيقية. اتسعت عيناها تدريجيًا قبل أن تنتفض من مكانها بصدمة. قاسم كان يجلس فعلًا بجانبها فوق السرير. شهقت بقوة وتراجعت للخلف تسحب الغطاء حتى ذقنها، تحدق به وكأنها ترى شبحًا. أما هو… فبقي يراقبها بصمت طويل. أنفاسها المرتجفة. أصابعها المرتبكة. ونظرتها الضائعة. ابتسم أخيرًا بسخرية خافتة، ثم قرص وجنتها بخفة: — اطمئني… لست شبحًا يا رصاصتي القاتلة. اشتعل وجهها فرحًا فورًا. إذا كان قاسم هنا… فهذا يعني أن حنان عادت أيضًا! قفزت من السرير بسرعة مرعبة واندفعت خارج الغرفة. — ماسة! انتبهي! لحق بها فورًا وهي تركض عبر الدرج بجنون. فتحت غرفة حنان بعجلة. فارغة. الحمام… فارغ. لا حقائب. لا أصوات. لا حتى رائحتها. بدأ القلق يتسلل إلى قلبها ببطء. استدارت فجأة لتجد قاسم مستندًا إلى الباب يراقبها بصمت ثقيل. التقت عيناهما. ولثوانٍ… نسيت كل شيء. كان مختلفًا تمامًا. أطول. أقسى. وأكثر وسامة بشكل أزعجها. كتفاه العريضان ملآ القميص الأسود الضيق، ولحيته الخفيفة جعلت ملامحه أكثر رجولة. لكن نظراته… كانت الأخطر. كان يتأملها ببطء شديد. من شعرها… حتى قدميها. اتسعت عيناها فجأة وهي تدرك ملابسها. بيجامة حمراء قصيرة بلا أكمام. وصدر مفتوح يكشف جزءًا من عنقها. تجمدت مكانها برعب. أما هو… فابتسم بخبث واضح بعدما فهم سبب ارتباكها. اشتعل وجهها غضبًا فورًا. دفعت صدره بقوة وركضت نحو غرفتها، أغلقت الباب بالمفتاح واستندت إليه تلهث بعنف. يا إلهي… ما خطب قلبها؟! فجأة، أضاء الضوء الأحمر داخل غرفتها بشكل متكرر. قاسم يطلب الإذن للدخول. تجاهلته. لكن بعد ثوانٍ بدأ مقبض الباب يتحرك للأسفل. اتسعت عيناها بغضب. تشبثت بالباب أكثر وهي تحدق بالمقبض بتوتر. ثم… توقف الضوء. واختفت الحركة. ساد الصمت تمامًا. وبعد لحظات، انزلقت ورقة صغيرة من تحت الباب. ترددت ماسة قليلًا… ثم انحنت والتقطتها ببطء. وحين فتحتها… تجمدت ملامحها.ليست كل السجون جدرانًا من حجر...بعضها يُشيَّد من الحرير والرخام والحدائق المزهرة.وبعض الأقفاص تكون أبوابها مفتوحة على مصراعيها، ومع ذلك يعجز السجين عن الهرب.فحين يصبح مصيرك ملكًا لغيرك، لا يهم إن كان السوط في يده...أو كانت الوردة.كلاهما قادر على سلب حريتك بالطريقة ذاتها.⭐⭐⭐عادت ماسة بذاكرتها إلى أرض الواقع وهي تتأمل ليان، وشعرت بغصة من الفخر وهي تتأكد من صحة قرارها؛ فعلى الأقل استطاعت أن تنتشلها من ذلك الجحيم. لكن قلبها همس بمرارة:«ولكنكِ أدخلتها جحيمًا آخر».انقبض صدرها، وتمنت بكل ما تملك أن تكون مخطئة. وفي تلك اللحظة، فُتح باب الجناح؛ فدخل البارون بخطوات هادئة واثقة، تحيطه سلطة صارخة تُعلن أن المكان كله ينتمي إليه.رفعت ليان رأسها نحوه، وما إن وقع بصرها عليه حتى تراجعت خطوة إلى الخلف، وانعقد الخوف داخل عينيها الصغيرتين.قال بصوته العميق:صباح الخير."Good morning."انحنت ماسة نحو ليان وأشارت إليها بلطف:اذهبي إلى الحديقة، سألحق بكِ بعد قليل.لم تنتظر ليان أكثر من ذلك، بل قفزت من مكانها وانطلقت نحو الباب بفرح واضح. وظلت ماسة تراقبها حتى اختفت عن الأنظار، وعندها فقط التفتت إلى
أحيانًا يكون الجحيم مزخرفًا بالذهب والحرير... لكنه يظل جحيمًا.منذ أن خطت "ماسة" خطواتها الأولى داخل هذه الفيلا، وهي مبهورة بكل ما تراه. حتى هذه اللحظة، لم تستوعب أنها هنا لليوم الخامس على التوالي دون تعذيب، أو ترهيب، أو إذلال.كانت تعلم يقينًا بأن "البارون" ليس ذلك الرجل الطيب الذي يدعيه، وكانت تنتظر بفارغ الصبر أن يكشر عن أنيابه؛ لذا لم تثق به ثقة عمياء، ولم تأخذ راحتها ولو للحظة واحدة.كانت تأكل بتردد وحذر، بالكاد تتكلم مع أحد أو ترى أحدًا؛ فكل من كانت تراهم حولها ليسوا سوى خدمٍ من شتى الأجناس والأعراق، وهي بينهم كأميرة داخل قصر ممتلئ بالجواري.لم تكن تخرج من غرفتها، ولكنها كانت تحسب الأيام والليالي بانتظار اللحظة التي تتعافى فيها تمامًا وتسترد قوتها، وحينها ستعود لمقاومة جحيمها الجديد...ذلك الجحيم الذي لم يكن هدوؤه يبشر بخير إطلاقًا، بل كان أشبه بالسكون الذي يسبق الزوبعة.اندفعت "ليان" داخل غرفتها بابتسامة خلابة، ملابسها نظيفة فاخرة، وشعرها الأسود الحريري ينساب بنعومة على ظهرها.كانت ليان قد بدأت في التعافي والتأقلم مع المكان أكثر من ماسة، وكأن الروح قد رُدَّت إليها بعد رحلة طوي
بحلول نهاية الأسبوع الثاني، كان الرشيد قد أصبح أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى. جلس ذات مساء في جناحه الفاخر بالفندق، مسترخياً فوق الأريكة الجلدية، وأمامه زجاجة ويسكي باهظة الثمن شارفت على الانتهاء. بدا تأثير الكحول واضحاً على ملامحه، فخفّت حذريته المعتادة وبدأ يتحدث بصراحة أكبر. قال وهو يدور الكأس بين أصابعه: — أنا أتعامل مع السيد مباشرة. هو الذي يستلم الفتيات بنفسه، وهو الذي يقرر مصير كل واحدة منهن. لديه شبكة واسعة جداً... بعض الفتيات يأتين من دول مجاورة، وبعضهن محليات يبحثن عن فرصة أو يهربن من ظروف قاسية. لكل واحدة استخدام مختلف... بعضهن للخدمة المنزلية، وبعضهن للمرافقة والترفيه... وبعضهن لأمور أكثر خصوصية. توقف قليلاً، ثم رفع عينيه نحو قاسم وحدق فيه بنظرة فاحصة. — تبدو رجلاً جاداً يا خالد. إن كان لديك طلب محدد، أستطيع ترتيب زيارة لك. لكن السيد لا يثق بالغرباء بسهولة. هو يثق بي ثقة عمياء لأنني أعرفه منذ سنوات طويلة. ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتي قاسم بينما أخفى اضطرابه الداخلي ببراعة. قال بلامبالاة متعمدة: — إذا كان ما تقوله صحيحاً... فطلبي بسيط جداً. مال الرشيد نحوه
أما في الجهة الأخرى، فقد كانت خيوط اللعبة تتشابك بسرعة أكبر مما توقع الجميع. بينما كان الرشيد يظن أنه يقترب أخيراً من كشف حقيقة الرجل الغامض الذي ظهر في حياته باسم "خالد الزين"، كان شخص آخر يراقب المشهد بأكمله من خلف الستار. معتز. ذلك الشبح الإلكتروني الذي اعتاد التسلل إلى أكثر الأنظمة تحصيناً دون أن يترك أثراً. منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الرشيد رحلة البحث عن هوية قاسم، كان معتز يتابع خطواته بصمت، يجمع المعلومات ويربط الخيوط المتناثرة. ولم يكتفِ بالمراقبة فقط، بل تمكن خلال الأيام الماضية من اختراق هاتف الرشيد والوصول إلى مكالماته ورسائله وتحركاته كافة. لذلك، عندما التقط قاسم هاتفه ودعا الرشيد إلى العشاء في الفندق، لم يكن ذلك الخبر قد وصل إلى الرشيد وحده. كان معتز قد سمع المكالمة كاملة. جلس أمام شاشاته المضيئة في غرفة العمليات السرية، وعيناه مثبتتان على البيانات المتدفقة أمامه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. لقد بدأت القطع تتحرك أخيراً نحو أماكنها الصحيحة. ارتدى قاسم بدلة أنيقة بلون رمادي داكن، واعتلت وجهه ابتسامة هادئة صُنعت بدقة لتخفي توتره الداخلي العاصف. في ا
صدحت الأصوات في الخارج فجأة.لم تكن أصوات حديثٍ عادي ، بل صرخات حادة ممزقة، ترتفع ثم تنقطع، قبل أن تعود أشد وأقرب، كأن الجدران الخرسانية تعجز عن حبس الرعب الذي يدور خلفها.انتفضت ماسة من مكانها.لكن جسدها المنهك لم يطاوعها .بقيت جالسة على الأرض الباردة لثوانٍ طويلة، تلتقط أنفاسها بصعوبة بينما كانت تلك الصرخات تتردد في أذنيها كالسياط.لم تعرف ماذا يحدث في الخارج.لكن شيئاً واحداً فقط قفز إلى ذهنها.ليان.تلك الطفلة الصغيرة.وجهها البريء.يدها الصغيرة التي تشبثت بها يوم وعدتها أنها لن تتركها.انقبض قلبها بعنف ماذا فعلوا بها؟هل كانت تناديها لتنقذها؟هل صدقت أنها ستعود من أجلها؟أغمضت عينيها بقوة.لا تريد التفكير.لكن الأفكار كانت تتسلل إلى رأسها كالسكاكين.منذ دخولها هذا المكان لم ترَ بشراًأو نوراً .لم تعرف إن كان الوقت صباحاً أم مساءً.كل ما عرفته هو الظلام.في البداية حاولت حساب الساعات.تقدير عدد المرات التي وُضع فيها الطعام عند الباب.لكنها فقدت الإحساس بكل شيء سريعاً.أصبحت الأيام والساعات متشابهة.كانت تشعر أحياناً أن الجدران تضيق عليها فتستيقظ مفزوعة لعدم تأكدها إن كانت
انزلقت عجلات الطائرة على المدرج بصوت حادّ، وتلألأت الأضواء المتناثرة خارج النوافذ وسط ظلام المساء الدامس.جلس قاسم في مقعده بهدوء ظاهر، بينما كان عقله يغلي. عليه أن يوقع الرشيد في الفخ. فلن تتكرر هذه الفرصة. إن أضاعها، ضاع معها كل شيء: كل كلمة قالها، كل نظرة تبادلها، كل حركة حسبها بدقة متناهية.وحين فُتحت أبواب الطائرة أخيرًا، بدأ الركاب بالنزول. وقف قاسم أولاً، عدّل أكمام بدلته السوداء بهدوء، ثم حمل حقيبته الجلدية وسار نحو المخرج بخطوات واثقة دون أن يلتفت خلفه. كان يعلم أن عيني الرشيد تتابعانه بيقظة شديدة.★★★داخل صالة الوصول المزدحمة، وقف قاسم قرب أحد الأعمدة الرخامية الضخمة. أخرج هاتفه ونظر إلى الساعة. مرت خمس دقائق، ثم عشر، ولم يظهر السائق الذي كان من المفترض أن ينتظره.تظاهر بالضيق والغضب الواضح، مدركًا تمامًا أن الرشيد يراقبه من الجانب الآخر بفضول ظاهر.تجاهله قاسم تمامًا، وكأن لا وجود له. أمسك هاتفه وأجرى اتصالاً بمعتز، وحالما سمع صوته من الطرف الآخر، صاح بحنق بلغة تركية طليقة:— ماذا؟! تعطلت السيارة ؟! اللعنة ... لا يهم ابق مكانك ... سأتدبر أمري .ضغط على أسنانه في انزعاج
امتدت يد قاسم ليطرق بأصابعه الطويلة الغليظة بجانب طبقها، فرفعت رأسها ورمقته بتساؤل انعكس في عينيها الواسعتين. ارتجف قلبه للحظة، ثم تنحنح ليجلو صوته سائلاً: - "ماذا حدث لملابسك؟ أليس لديكِ شيء آخر لترتديه؟" عبست ماسة. لديها الكثير، لكن لا شيء منها يناسب الوقوف أمامه. هزت رأسها بنفي وابتسامة بريئة،
منذ سفر حنان وسالم لحضور خطوبة قاسم، تحوّل المنزل إلى ساحة حرب صامتة. كانت هناء تراقب ماسة وكأنها دخيلة على العائلة، لا ابنة تربّت بينهم منذ طفولتها. ومع ذلك… لم ترد ماسة يومًا. كل كلمة جارحة كانت تستقبلها بابتسامتها الهادئة نفسها، وكأنها ترفض النزول إلى مستوى خالتها مهما استفزتها. وفي مساء
كان وجود زوج ك سالم مصدر فخر لها بقوته وهيبته و حكمته وعدله، لم يخيب ظنها يوما لطالما ساندها ووقف الى جانبها في اسوأ الاوقات . تنهدت حنان وهي تشكر حظها للمرة الألف لحصولها على زوج مثله . عادت بنظراتها الى ماسة النائمة في حضنها و كأنها غنيمتها من احدى غزواتها التي قامت بها . كانت ماسة تتميز بجمال
كان يصعب على حنان ترك ماسة والرحيل الا انها اضطرت لذلك بعد ان وعدتها بأن تعود لتأخذها لاحقا الى المدرسة . انتزعت حنان نفسها من أفكارها على صوت باب غرفة يفتح، نهضت لتجد ماسة امام غرفتها تقف كالتائهة، رق قلب حنان لاجلها فبسبب اعاقتها لا تفهم حاجتها كي تلبيها لها . تقدمت منها برفق تسألها: - هل







