Share

الفصل السادس

Author: Samra
last update publish date: 2026-05-19 18:19:41

أمعنت ماسة النظر في الطريق المظلم، وأنفاسها ما تزال مضطربة بعد أن فرّ الرجال هاربين كأنهم رأوا شبحًا. لم تستطع تمييز ملامح الرجل الغامض الذي أنقذها، فقد اختفى بين الظلال بنفس السرعة التي ظهر بها.

وقبل أن تستوعب ما حدث، خرج قصي من العتمة وهو يلهث بقوة، كأنه ركض خلفها لمسافة طويلة.

اقترب منها بخطوات سريعة، وما إن وصل حتى أمسك بذراعها، وقال بانفعال لم يستطع إخفاءه:

— هل فقدتِ عقلك؟ كيف تخرجين وحدك في هذا الوقت؟

اتسعت عينا ماسة بذهول.

كيف يجرؤ على مخاطبتها بهذه الطريقة؟

نزعت ذراعها بعنف، ورفعت يديها لتوبخه بإشارات سريعة، لكنها توقفت في منتصف الحركة.

تذكرت ...

قصي لا يفهم لغة الإشارة.

زفرت بضيق، وأدارت ظهرها له متجهة نحو الطريق، لكنه لحق بها فورًا.

هذه المرة لم يمسكها بعنف، بل اكتفى بالإمساك بيدها برفق وقال بصوت أكثر هدوءًا:

— آسف... لم أقصد أن أصرخ عليكِ، لكنني خفت عليك.

ثم أشار إلى سيارة قديمة كانت متوقفة غير بعيد.

— اسمحي لي أن أوصلك إلى المنزل على الأقل.

ترددت للحظات وهي تحدق فيه، قبل أن تهز رأسها موافقة وتتجه نحو السيارة دون كلمة.

ارتسمت ابتسامة ارتياح صغيرة على وجهه، ولحق بها بسرعة.

ما إن انطلقت السيارة حتى قال وهو يثبت نظره على الطريق:

— كنت عائدًا من العمل، ورأيت أولئك الأوغاد يحيطون بك.

ثم التفت إليها مبتسمًا بثقة أزعجتها قليلًا.

— من حسن حظك أنني مررت في الوقت المناسب.

عقدت حاجبيها وهي تراقب حركة شفتيه، ثم أخرجت دفترها الصغير وقلمها، وكتبت بخط سريع:

"كنت أستطيع الدفاع عن نفسي... لم يكن عليك التدخل."

قرأ قصي العبارة، ثم رفع حاجبيه بتمثيل مبالغ فيه.

— حقًا؟ كل هذا الجحود؟ أليس من المفترض أن تشكريني أولًا؟

حدقت فيه بامتعاض، لكن طريقته الساخرة كانت كافية لتبدد توترها.

تسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيها، ثم ضمت كفيها معًا بإشارة شكر ساخرة.

ضحك قصي وقال منتصرًا:

— هذا أفضل... العفو.

ساد بينهما صمت مريح.

اختلست ماسة النظر إليه.

قصي...

شقيق ميرنا الأكبر.

شاب هادئ، قليل الكلام، تراه دائمًا من بعيد منشغلًا بعمله. كان وسيمًا بلا شك... لكنها، دون أن تشعر، قارنت ملامحه بقاسم.

زفرت بضيق، وأدارت وجهها نحو النافذة.

توقفت السيارة أمام القصر.

كان لطيف يقف عند البوابة، وقد بدت على وجهه علامات القلق منذ لمح السيارة.

اقترب منهما بسرعة وقال:

— الحمد لله... أقلقتِني كثيرًا. لماذا لم تطلبي من ميرنا أن تتصل بي كما تفعلين دائمًا؟

ابتسم قصي ليطمئنه.

— لا تقلق، لحقت بها في الوقت المناسب.

تجهم وجه لطيف فورًا.

— ماذا تقصد؟ ماذا حدث؟

همّ قصي بالإجابة، لكن ماسة اندفعت نحوه بسرعة وأمسكت ذراعه تمنعه من الكلام.

أشارت إليه بانفعال، قبل أن تتذكر من جديد أنه لن يفهم إشاراتها.

أخرجت دفترها على عجل، وكتبت:

"لا تخبر أحدًا بما حدث... وإلا سيمنعونني من الخروج وحدي. مفهوم؟"

قرأ قصي الكلمات، ثم ابتسم بخبث.

رفع سبابته إلى شفتيه، وأدى حركة توحي بإغلاق فمه بالمفتاح ثم رمي المفتاح بعيدًا.

ضحكت ماسة أخيرًا براحة.

دفعت كتفه بخفة وهي تشير له أن يغادر، ثم لوحت له بإشارة شكر أكثر لطفًا هذه المرة.

أما قصي...

فغادر وهو يشعر بسعادة مبالغ فيها لا يعرف سببها.

التفتت ماسة إلى لطيف وأشارت مبتسمة:

"هل ستتناول العشاء معي؟"

ابتسم بحنان، ثم هز رأسه معتذرًا.

— ليس اليوم... لكن ما زلت مصرًا على أنك تحتاجين هاتفًا محمولًا. مواقف كهذه ليست مزحة.

اكتفت بهز كتفيها، ثم ركضت نحو المنزل بخفة.

كان لطيف، وسارة، وابنتهما بسنت، وحفيدتهما زهرة... العائلة التي شعرت معها دائمًا بالأمان.

بعد أن تناولت عشاءها، توجهت إلى غرفة خالتها لإلقاء التحية.

ما إن رأتها حتى قالت بلهجة جافة:

— لا أحب أن تعودي متأخرة ليلًا. لو علمت حنان بذلك فستغضب كثيرًا.

اقتربت ماسة، وكتبت على ورقة صغيرة:

"لم أشعر بمرور الوقت... أعدك ألا يتكرر ذلك."

تنهدت المرأة بضيق، ثم أشارت لها أن تنصرف.

عادت ماسة إلى غرفتها.

فتحت كتبها محاولة مراجعة دروسها، لكن ذهنها سرعان ما شرد بعيدًا.

تذكرت قاسم...

كيف كان يراجع معها دروسها

ابتسمت بحزن.

كم تمنت لو كان هنا الآن...

لكن الحقيقة كانت أقسى من أحلامها.

لقد رحل.

خطب امرأة أخرى.

وسيعيش معها بعيدًا...

في اليوم التالي، كان لطيف بانتظارها بعد انتهاء الدوام.

ودعت صديقاتها وصعدت إلى السيارة.

كانت غارقة في احلام اليقظة التي تعشقها، بينما يقود لطيف بصمت.

ففي احلامها

فقط يعود إليها.

هناك لا يرحل.

ولا يخلف وعده.

ولا يختار امرأة سواها.

ابتسمت بسخرية مريرة، قبل أن تنتبه فجأة إلى أن السيارة سلكت طريقًا مختلفًا.

اعتدلت في جلستها، وأشارت بسرعة:

"إلى أين نذهب؟"

تنحنح لطيف وقال متجنبًا النظر إليها:

— خالتك أوصتني بشراء بعض المستلزمات .

استسلمت، وأسندت رأسها إلى المقعد.

راقبها عبر المرآة، بينما كان قلبه يعتصر ألمًا.

قال بلطف:

— نامي قليلًا... سأوقظك عندما نصل.

أغمضت عينيها، ولم تمض دقائق حتى غرقت في نوم عميق.

استغل لطيف الفرصة، وأخرج هاتفه سريعًا.

— إنها نائمة يا سيد قاسم.

ساد صمت ثقيل، قبل أن يأتيه صوت قاسم مبحوحًا:

— أبي... توفي.

تجمد الدم في عروق لطيف.

ثم تابع قاسم بصعوبة:

— وأمي ما تزال في غرفة العمليات... لا نعلم إن كانت ستنجو.

ابتلع لطيف غصته.

— ماذا تريدني أن أفعل؟

— لا تدع ماسة تعود إلى المنزل الآن... خالتي منهارة، وإن رأت ماسة بهذه الحالة فقد تفرغ غضبها بها.

أغمض لطيف عينيه بألم.

— حاضر.

— وإن اضطررت... خذها إلى منزلك الليلة.

اختنق صوت لطيف بالبكاء.

مسح دموعه بصعوبة وقال:

— لا تقلق... بسنت موجودة مع أطفالها، وستبقى ماسة برفقتهم.

تنهد قاسم بإرهاق.

— اعتنِ بها.

حين استيقظت، وجدت السيارة متوقفة أمام منزل لطيف.

ابتسم لها قائلًا:

— السيارة تعطلت... سنبقى هنا لبعض الوقت.

لم تبدُ منزعجة، بل ازداد وجهها إشراقًا عندما أخبرها أن بسنت وزهرة في الداخل.

قضت يومها كله بين ضحكات الطفلة الصغيرة، دون أن تعلم أن عالمها... كان قد انهار في الجهة الأخرى من المدينة.

وفي اليوم التالي، أعادها لطيف إلى القصر.

كان المكان هادئًا على نحو غريب.

لا وجود لخالتها.

ولا لأي صوت.

دخلت غرفتها، وارتمت فوق السرير تحتضن دبدوبها القديم.

وسرعان ما غلبها النعاس.

رأت قاسم في حلمها.

لكن هذه المرة...

كان وجهه شاحبًا، وعيناه مثقلتين بحزن لم تعهده فيه.

وفجأة...

شعرت بيد تمسح العبوس عن جبينها برفق.

فتحت عينيها ببطء.

وتجمدت.

قاسم...

كان يجلس فعلًا إلى جوارها.

شهقت، وتراجعت إلى الخلف تسحب الغطاء حتى ذقنها، تحدق به وكأنها ترى طيفًا عاد من الموت.

أما هو، فاكتفى بمراقبتها طويلًا، قبل أن يبتسم ابتسامة باهتة ويقرص وجنتها برفق.

— اطمئني... لست شبحًا يا رصاصتي القاتلة.

أشرقت ملامحها بسعادة غامرة.

إذا كان قاسم هنا...

فلا بد أن حنان عادت أيضًا.

قفزت من السرير وركضت خارج الغرفة.

بحثت عنها في زاوية بالمنزل

لكنها لم تجد أحدًا.

توقفت في منتصف الممر، بينما كان قاسم يقف عند الباب يراقبها بصمت ثقيل.

وحين التقت عيناهما...

أدركت لأول مرة كم تغيّر.

ازداد طولًا وهيبة، واتسعت كتفاه، وأضفت لحيته الخفيفة على ملامحه صلابة جديدة.

أما نظراته...

فكانت أكثر ما أربكها.

كانت تتنقل عليها ببطء، حتى انتبهت فجأة إلى ملابسها.

بيجامة حمراء قصيرة بلا أكمام.

اشتعل وجهها خجلًا.

ورأت ابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه بعدما فهم سبب ارتباكها.

دفعته بقوة، ثم ركضت إلى غرفتها وأغلقت الباب بالمفتاح.

كانت تلهث، بينما قلبها يخفق بعنف لا تعرف سببه.

بعد لحظات، بدأ المصباح الأحمر المثبت خارج غرفتها يومض.

تجاهلته.

ثم رأت مقبض الباب يتحرك.

حدقت بتوتر.

وفجأة...

توقف كل شيء.

ساد صمت مطبق.

وبعد ثوانٍ، انزلقت ورقة صغيرة من تحت الباب.

ترددت ماسة قبل أن تلتقطها.

وما إن فتحتها...

حتى تجمدت ملامحها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • همسات محرمة    الفصل مئتان و خمسة و خمسون

    — العشاء جاهز.التفت الجميع إليها.ابتسم قاسم بلباقة وقال:— تفضلوا.جلس على رأس الطاولة، إلى يساره رائد وزوجته، وإلى يمينه ماسة، ثم مريم والتوأم محمد ومحمود اللذان لم يتوقفا لحظة عن المشاغبة.ما إن استقرت ماسة في مقعدها حتى شعرت بنظرات قاسم تستقر عليها.لم ترفع عينيها.انشغلت بسكب الطعام وتوزيعه على ضيوفها بود وعفوية، حتى إذا وصل الدور إليه...، تصلبت أصابعها للحظة قبل أن تضع الطعام في طبقه.كانت نظراته تضايقها، لذلك أبقت عينيها منشغلتين بالطعام.وحين انتهت، جلست وتناولت طعامها بهدوء.بدأ الحديث بصورة طبيعية، وتطرق قاسم إلى عقد الشراكة الذي جمعه برائد. ومن حديثهما فهمت ماسة أن الاتفاق يخص علاج موظفي شركة قاسم في مستشفى رائد، بحيث يحصلون على الرعاية الطبية دون أن يتحملوا التكاليف مباشرة.استمعت ماسة بصمت، تبتسم حين يوجه إليها أحدهم الحديث، وتجيب بأدب حين تُسأل.لكن أصابعها ظلت تكشف توترها؛ كانت تمسك الشوكة بقوة أكبر مما ينبغي.انتبه قاسم لذلك.مد يده بهدوء إلى طبقها، ووضع فيه بعض الطعام.رفعت عينيها إليه للحظة.التقت نظراتهما.كانت هي أول من أشاح بوجهه.قالت ليلى، زوجة رائد، وهي تنظر إ

  • همسات محرمة    الفصل مئتان و اربعة وخمسون

    مع حلول المساء، كانت ماسة تتحرك في المطبخ بين الأطباق والحلويات التي أعدتها بعناية. لم يخبرها قاسم بالكثير، اكتفى بالقول إن بعض الضيوف سيأتون لتناول العشاء، لكنها أعدت طعامًا يكفي لسبعة أشخاص، ورتبت المائدة بعناية، ثم أضافت أطباقًا صغيرة من الحلوى التي أمضت جزءًا من نهارها في إعدادها. ألقت نظرة أخيرة على كل شيء، ثم مسحت يديها بطرف مئزرها. في تلك اللحظة، وصلها صوت السيارات أمام المنزل. لقد وصلوا. ابتسمت دون أن تشعر، ثم خرجت من المطبخ لاستقبالهم. وقبل أن تغادر، ألقت نظرة سريعة على مظهرها وتأكدت أن كل شيء على ما يرام. وصلتها أصوات الضيوف من غرفة الجلوس. تنفست بعمق، واستجمعت شجاعتها، ثم خرجت وهي ترسم ابتسامة واسعة على شفتيها. لكن خطواتها توقفت فجأة. ما إن وقعت عيناها على الدكتور رائد حتى تجمدت في مكانها. كان يقف إلى جوار قاسم ويتحدث إليه براحة، بل ويبتسم وكأنه يعرفه منذ سنوات. عبست ماسة. منذ متى يعرف زوجها أستاذها السابق في الجامعة؟ ثم راحت عيناها تتنقلان بين أفراد عائلته. كانت برفقته امرأة شقراء جميلة، تبدو في بداية الأربعينيات، وإلى جوارها فتاة شقراء في مثل ع

  • همسات محرمة    الفصل مئتان وثلاثة وخمسون

    مع مرور الأيام، بدأت ماسة تساعد قاسم في بعض الأمور البسيطة.ترتب الملفات.تراجع المواعيد.تجهز له قهوته بالطريقة التي يحبها.وأحيانًا تجلس إلى جواره أثناء عمله، تقرأ بصمت بينما يعمل هو أمامها.وفي إحدى المرات، دخل قاسم مكتبه فوجدها جالسة خلف مكتبه، تقرأ أحد المستندات بتركيز شديد.توقف عند الباب.— ماذا تفعلين؟رفعت رأسها.— أساعدك.نظر إلى الورقة بين يديها، ثم إلى الكرسي الذي تجلس عليه.— ومن سمح لك باستخدام مكتبي؟ابتسمت بثقة مصطنعة.— أنت.— لا أذكر أنني فعلت.أشارت إلى الكرسي.— عندما قلت لي: اعتبري المكتب مكتبك.فكر للحظة، ثم قال بجدية زائفة:— يبدو أنني ارتكبت خطأً كبيرًا.ضحكت.— يمكنك طردي.اقترب منها، وأخذ الملف من يدها ووضعه جانبًا.— مستحيل.ثم نظر إلى الأوراق أمامها.— لا أريد أن أرهق عقلك الصغير بأمور الشركة المعقدة.خفضت عينيها.— أحاول أن أكون نافعة فقط... لا أريد أن أشعر أنني عبء عليك.تغيرت ملامحه فورًا.انحنى حتى أصبح في مستوى عينيها.— أنتِ لستِ عبئًا.سكت لحظة، ثم قال بهدوء:— أنا أفعل كل هذا من أجلك، لكنني لا أريدك أن تعيشي وكأن حياتك توقفت بسبب ما حدث.رفعت عينيها

  • همسات محرمة    الفصل مئتان واثنان وخمسون

    مرت الأيام التالية بهدوء لم تعتده ماسة.لم يكن هدوءًا كاملًا، فالقضية لم تنتهِ بعد، وقاسم كان يغادر المنزل لساعات طويلة، يتنقل بين اجتماعاته مع المحامي، ويتابع الشهادات والملفات، ويبحث مع فريقه عن الأدلة التي يمكن أن تُسقط النفوذ الذي احتمى به العميد خليل لسنوات.في البداية، حاولت ماسة ألا تتأثر بغيابه.كانت تقرأ قليلًا، تتصفح هاتفها، ترتب بعض الأشياء في المنزل، ثم تحاول النوم.لكنها، في كل مرة، كانت تجد نفسها تنظر إلى الساعة أكثر مما ينبغي.وفي أحد الأيام، عاد قاسم متأخرًا.وجدها جالسة على الأريكة، والكتاب مفتوح فوق حجرها، بينما غلبها النعاس .توقف أمامها للحظات.ثم اقترب بهدوء، وأخذ الكتاب من يدها ووضعه جانبًا.تحركت جفناها ببطء، قبل أن تفتح عينيها.— عدت؟ابتسم.— نعم.نظرت إلى الساعة، ثم إليه.— تأخرت.— آسف.اعتدلت في جلستها بسرعة.— لا تعتذر... لم أكن أنتظرك.رفع حاجبه وهو ينظر إلى الكتاب الذي يحمله.— بالطبع.عبست.— كنت أقرأ.رفع الكتاب أمامها قليلًا.— واضح.ضحكت رغمًا عنها، ثم سكتت.جلس إلى جوارها، وتأمل وجهها للحظات قبل أن يسأل:— هل مللتِ؟ترددت قليلًا، ثم اعترفت:— كثيرًا

  • همسات محرمة    الفصل مئتان وواحد وخمسون

    حينما وصلا إلى المنزل، لم يوقظها قاسم.حملها بين ذراعيه بهدوء، وصعد بها الدرج حتى غرفة النوم، ثم وضعها على الفراش برفق وسحب الغطاء فوقها.بقي واقفًا للحظات يتأمل وجهها.بدت ملامحها أكثر هدوءًا الآن، لكن الشحوب لم يغادرها تمامًا.انحنى وقبّل جبينها، ثم خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.كان يعرف أنها بحاجة إلى الراحة... والغذاء.لذلك اتجه إلى المطبخ، شمر عن ساعديه، وبدأ بإعداد وجبة سريعة بنفسه.لم يكن من عادته أن يقف طويلًا في المطبخ، لكنه لم يكن يهتم.كل ما كان يشغله الآن أن تستعيد ماسة قوتها.وفي مكان آخر، كان الدكتور رائد يحاول الالتزام بوعده لقاسم.لم يتدخل أمام ماسة، ولم يحاول الاقتراب منها قبل أن يسمح له قاسم بذلك.لكن ابتعاده عن الصورة لم يكن يعني أنه وقف مكتوف اليدين.كان رائد قد دلّ قاسم على أول الخيوط، وترك له مهمة تتبعها بنفسه.أوصله ببعض الطالبات اللواتي سبق أن تقدمن بشكاوى ضد العميد خليل، ومحامي قاسم اقنعهن بالتحدث من جديد.لم تكن المشكلة في غياب الشكاوى.بل في أنها كانت تختفي قبل أن تصل إلى المكان الذي يمكن أن تُسمع فيه.نفوذ العميد كان كافيًا لإيقافها، وإجبار أصحابها على التراج

  • همسات محرمة    الفصل مئتان و خمسون

    — السيدة ماسة... إفراج.رفعت ماسة رأسها ونظرت إلى الحارس. هل نادى اسمها حقًا، أم أن خيالاتها هي التي أوهمتها بذلك؟ظل يحدق بها بحزم، بينما بقيت مكانها للحظات، كأن عقلها لم يستوعب الكلمة بعد.نظرت حولها، محاولة التأكد من أنها سمعت جيدًا.كانت جميع العيون قد اتجهت إليها.بدأت الهمسات تتعالى من هنا وهناك.— لديها نفوذ قوي.— ألم تري ذلك الرجل الذي أتى لزيارتها؟ردت أخرى:— سمعت أنه زوجها.اعترضت ثالثة:— مستحيل... ربما عشيقها.احمر وجه ماسة حتى أذنيها، وخفضت عينيها بخجل.قال الحارس بنفاد صبر:— تحركي للخارج.اتجهت نحو الباب بخطوات مترددة.وحين أُغلق باب الحجز خلفها، توقفت.استنشقت الهواء بعمق.لا قضبان.لا جدران باردة.لا أبواب تُغلق خلفها.كانت حرة.لأول مرة منذ ساعات، شعرت أن صدرها يستطيع التنفس من جديد.— ماسة...التفتت.كان قاسم قادمًا نحوها بخطوات واسعة وسريعة.لم يكن في ملامحه شيء من هدوئه المعتاد.كان وجهه شاحبًا من القلق، وعيناه معلقتين بها وكأنه يريد أن يتأكد بنفسه أنها أمامه فعلًا.وما إن التقت عيناه بعينيها حتى انكسر ذلك التماسك الذي حاول الحفاظ عليه.لهفة واضحة.اشتياق.وخوف

  • همسات محرمة    الفصل الخامس

    منذ سفر حنان وسالم لحضور خطوبة قاسم، تحوّل المنزل إلى ساحة حرب صامتة. كانت هناء تراقب ماسة وكأنها دخيلة على العائلة، لا ابنة تربّت بينهم منذ طفولتها. ومع ذلك… لم ترد ماسة يومًا. كل كلمة جارحة كانت تستقبلها بابتسامتها الهادئة نفسها، وكأنها ترفض النزول إلى مستوى خالتها مهما استفزتها. وفي مساء

  • همسات محرمة    الفصل الرابع

    كان وجود زوج ك سالم مصدر فخر لها بقوته وهيبته و حكمته وعدله، لم يخيب ظنها يوما لطالما ساندها ووقف الى جانبها في اسوأ الاوقات . تنهدت حنان وهي تشكر حظها للمرة الألف لحصولها على زوج مثله . عادت بنظراتها الى ماسة النائمة في حضنها و كأنها غنيمتها من احدى غزواتها التي قامت بها . كانت ماسة تتميز بجمال

  • همسات محرمة    الفصل الثالت

    كان يصعب على حنان ترك ماسة والرحيل الا انها اضطرت لذلك بعد ان وعدتها بأن تعود لتأخذها لاحقا الى المدرسة . انتزعت حنان نفسها من أفكارها على صوت باب غرفة يفتح، نهضت لتجد ماسة امام غرفتها تقف كالتائهة، رق قلب حنان لاجلها فبسبب اعاقتها لا تفهم حاجتها كي تلبيها لها . تقدمت منها برفق تسألها: - هل

  • همسات محرمة    الفصل الثاني

    كان إخفاء الحقيقة عن قاسم أصعب بكثير مما توقعه والداه. رغم انتقالهم إلى السعودية تنفيذًا لنصيحة الطبيب، ورغم محاولات حنان المستمرة لإبعاده عن كل ما يذكره بميس، لم ينسها يومًا. كانت حاضرة في كل تفاصيل يومه، وفي نهاية كل نشاط أو رحلة كان يعود بالسؤال ذاته: متى ستعود ميس؟ وكانا يكذبان عليه كل مرة.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status