Mag-log inالفصل الثاني: رماد الملكية!!
*** تَماديتَ في ظُلمي وكُنتَ مُلَكاً فأصبحتَ وحشاً يشتهي القتلَ والذما صَفعتُكَ كَي يصحو غُرورُكَ لحظةً فما زادَكَ الإقدامُ إلا تَجهُّما ... كانت أنصال الغيرة تنهش أحشاء "نازلي" كجمرٍ مستعر لا يهدأ، وهي تراقب تلك "الغجرية" التي كانت تتشبث بذراع "قيس" بكل وقاحة، تهمس له بحميمية مبالغ فيها أمام الملأ، وكأنها تتعمد إحراق ما تبقى من ثبات نازلي وهدوئها المصطنع. لم تكن هذه المشاهد لتمر مرور الكرام على قلبٍ ذاق لوعة الفقد؛ فقد شعرت نازلي بإهانة لاذعة مست أنوثتها وكرامتها في الصميم، وكأن حضورها الطاغي في القاعة قد تبخر وتلاشى في لحظة أمام تلك المرأة التي وصفتها في سرها بـ "المقرفة". تساؤلات حارقة انفجرت في عقلها كالقنابل الموقوتة: "كيف عرفها؟ وأين التقى بها؟ ومن هي تلك التي تجرأت بكل بساطة على احتلال مكانها الذي كان يوماً مقدساً؟" كان لزاماً عليها أن تفك شفرة هذه العلاقة التي أشعلت في صدرها نيراناً لا تخبو، فضولها كان يقتلها بقدر ما كانت الغيرة تمزقها. لم تحتمل نازلي البقاء في بؤرة الضوء وهي تراقب هذا الاستعراض المستفز لأعصابها الثائرة شعرت بأن جدران القاعة تضيق على أنفاسها، فانسحبت بخطوات مهزوزة، تحاول جاهدة مواراة ارتعاش يدها خلف قناع من البرود الزائف الذي كاد يسقط. اتجهت نحو الطاولات البعيدة في زوايا القاعة الهادئة، باحثة عن ركن مظلم يستر اضطرابها. هناك، وجدت "نزار"، شقيق صديقتها، الذي لمح بذكائه الحاد ذلك الانكسار الدفين خلف قناع القوة؛ فجلس بجانبها بهدوء محاولاً تشتيت انتباهها بحديثه الرزين. كان وجود نزار بالنسبة لها مجرد "ستار" تحتمي به، وسيلة لتظهر أمام قيس وكأنها غير مكترثة بوجوده، وكأنها هي الأخرى قد طوت الصفحة المحترقة من ماضيها ووجدت من يرمم حطام قلبها المحطم رفعت نازلي كأس عصيرها ببطء، رشفت منه القليل وهي تشعر بمرارة في حلقها تفوق طعم الفاكهة، ثم أعادت تركيزها على نزار الذي كان يتابع المشهد بصمت، وملامحه تحمل مزيجاً من التسلية والاهتمام المريب. "أتودين الرحيل؟" سألها نزار بصوت منخفض، وكأنه يقرأ في عينيها رغبة عارمة في الهروب، ثم أكمل بعرضٍ مغرٍ: "بوسعي إيصالك الآن إن رغبتِ بذلك." لكنها هزت رأسها ببطء، وارتسمت على ثغرها ابتسامة باردة كالثلج لا تعكس سوى ثباتاً مزيفاً: "ولما أرحل؟ أنا مستمتعة جدًا بالحفل، والأجواء هنا مثيرة تماماً كما أفضلها ." وطبعا هذا كان كذب فهي تكره الحفلات والمناسبات الاجتماعية وبالأخص تلك المتعلقة بحفل الزفاف! كان نزار على وشك التعليق، لكن صوتاً رخِيماً مألوفاً، يحمل نبرة السلطة والغموض، قاطع حديثهما وجعل الدماء تتجمد في عروقها: "هذا مثير للاهتمام حقاً." تجمدت نازلي في مكانها، وشعرت بقشعريرة تجتاح جسدها قبل أن ترفع عينيها ببطء نحو صاحب الصوت... لتجده واقفاً أمامها بكل جبروته الطاغي. كان قيس، بطوله الفارع وشموخه الذي لم تكسره السنين، بملامحه الحادة التي لم تتغير، لكن سكنها شيء جديد.. شيء قاتم، معتم، ويوحي بخطر وشيك. لقد ترك تلك المرأة ذات الشعر الأحمر في مكانها، وأتى مباشرة إليها، وكأن رؤيتها مع رجل آخر كانت القشة التي قصمت ظهر بروده المفتعل. وقف قريباً منها لدرجة أن الهواء بينهما كاد يشتعل من فرط التوتر الكامن. نظر أولاً إلى نزار بنظرة تقييمية باردة، كأنه يزن قدره بلمحة واحدة ويحكم عليه بالعدم، ثم عاد إليها، ونبرته تحمل تهكماً لاذعاً حين قال بسخرية تقطر سماً: "إذن، نازلي.. أنتِ مستمتعة؟!" لم ترد فوراً، بل رفعت حاجبها ببطء في تحدٍ صامت وكبريائها يصرخ، ثم ابتسمت مجدداً ابتسامة حادة كالخنجر لم تصل لعينيه، وقالت بصوت ناعم ومستفز: "جداً.. وفوق ما تتخيل." لمعت عينا قيس ببريق مخيف، ومال قليلاً نحوها حتى كاد صوته يلامس صوان أذنها، هامساً بنبرة خافتة مشبعة بالتحذير الذي يسري كالقشعريرة: "حسنًا، فلنرَ إلى أي مدى سيصمد هذا الاستمتاع.. زوجتي الحبيبة." استدارت له مصدومة، وصرخت بنبرة منخفضة لكنها حادة كالمشرط: "أنسيت أننا مطلقان أم أن الغرور أعماك عن رؤية الحقيقة؟!" ضحك قيس بمرارة شديدة هزت أعماقها، وقال بصوت رجولي خشن: "بالطبع لم أنسَ، ومن ينسى طعنة كهذه؟ لكني أحببت أن أذكركِ فقط.. أنكِ ملكي، بزواج أو بغيره، بالورق أو بالقدر المحتوم الذي لا مفر منه." ارتجت قبضاها تحت الطاولة، وتمنت لو تنقض على وجهه لتمزق ذلك البرود المستفز، لكنها تماسكت بكبرياء قائلة: "قيس.. احترم نفسك واذهب لزوجتك تلك، وبالمناسبة أهنئك على حسن ذوقك، تبدو جميلة جدّاً إلى حد يثير الغثيان! أتصدق؟ لقد ثارت معدتي من رؤيتكما بهذه الحميمية المزيفة." - "مزيفة؟" رد قيس رافعاً حاجبه، وقد بدا مستمتعاً بهذا الغضب العارم الذي يفضح غيرتها بوضوح مهما حاولت مداراتها. في تلك اللحظة، تجمع ألف شيطان في عقل نازلي لترد عليه بحرقة، مستنجدة بنزار الذي كان يراقب المشهد: "نعم! هذا ما يبدو للجميع، أم أني مخطئة؟ أليس كذلك يا نزار؟!" علم قيس، وأدرك نزار أيضاً، أنها تغار بجنون وتستخدم نزار كدرع، لكن نزار لم يرد إحراجها أمام خصمها اللدود، فقال ضاحكاً ليغيظ قيس ويزيد النار اشتعالاً: "بالطبع نازلي، تلك التي معه تبدو كفزاعة طيور مقارنة بكِ، أنتِ الأصل.. وأنتِ الأجمل والأكثر أنوثة بلا منازع." عندها استدار قيس لنزار وعيناه تشتعلان بحدة مخيفة لم يرها أحد من قبل لم يغضب من تدخله لكنه غضب من وصفه لنازلي بالجمال والأنوثة: "وأنت.. ما علاقتك بهذا الحديث؟!" شحب وجه نزار فجأة؛ فقد تذكر ما سمعه من والده الشرطي عن أعمال قيس المشبوهة وخطورة التقاطع مع طريقه الوعر، ومع ذلك لم يرد أن يحط من قدر نفسه أو يظهر بمظهر الجبان، فحاول الكلام: "قيس.. ولكن.." لكن نازلي تدخلت بسرعة حاميةً لنزار من بطش قيس، مدافعة عنه بحدة: "قيس أرجوك كفى! اذهب من هنا.. ابتعد عن طاولتي، ودعني بسلام أريد أن استمتع بكل هذا." ثم أدارت عينيها حول المكان مصطنعة الفرحة والبهجة وهي تبالغ في حركاتها، موجهة حديثها لنزار: "هل نرقص هيا..؟" وما كادت أن تمسك يده حتى أطبق قيس على يدها بقبضة حديدية، لتستدير له بذعر، ويا ليتها ما فعلت! فقد كانت ملامحه الحارقة المشتعلة تجسيداً للشيطان الغاضب في أوج ثورته. فإن كانت نازلي لم ترَ غضباً شديداً كغضب قيس من قبل، فهي الآن تدرك أنها لا تعرف معنى الغضب حقاً إلا في هذه اللحظة. "ترقصين ماذا يا حبيبة قلبي ؟! لم أسمع جيداً ما قلتِ! أعيدي" قالها بنبرة مخيفة. شحب وجه نازلي تماماً حتى مال بياضها للون الأموات، وتألمت بشدة من قبضة يده الصلبة التي كادت تكسر معصمها، ومع ذلك لم يسعها التراجع أمام جبروته، فقالت مدعية البرود وهي تحاول نفض يده عنها بضعف: "نعم سأرقص.. هل لك مانع؟!" ارتفع غضب قيس لأقصاه، وتشنجت رقبته وبرزت عروقه كحبال مشدودة ليقول بفحيح مرعب: "بالطبع أمانع، وأمانع بشدة! أنتِ لن ترقصي أمام أحد يا نازلي ولن تهزي خصرك حتى .. طبعاً إن لم ترغبي بتحويل فرح صديقتكِ هذا إلى مأتم عزاء!" ابتسم نزار برعشة وقد أدرك بطبيعة الحال توتر الجو وكارثية الموقف: "هذا مثير فعلاً. لكن، ألا ترى يا سيد قيس أنك تبالغ؟ كيف تجرؤ على تهديدنا؟ بل ألا ترى أن وقوفك هنا بهذه الطريقة غير لائق أبداً؟" تحولت نظرة قيس إليه ببرود قاتل يجعل الأنفاس تتوقف في الصدور: "وأنا أعتقد أن نازلي لديها التزامات أخرى.. معي أنا فقط." فجأة، امتدت يده بحركة مباغتة وسريعة، وأبعد الكأس من أمامها بحزم كسر هدوء الطاولة، وكأنما يزيح نزار وكل ما حولها من طريقه ليؤكد سيطرته المطلقة. لم تنحنِ نازلي، بل أسندت ذقنها إلى كفها ناظرةً إليه بجمود وتحدٍ يائس: "وهل تتوقع حقاً أن أترك مكاني وأتبعك كخادمة مطيعة؟" لمعت عيناه بخطر حقيقي، وتراجع خطوة واحدة ليقول بصوت خفيض ومرعب يهز الأبدان: "أوه، نازلي.. ستتبعينني، ليس لأنني أمرتك بذلك، بل لأنكِ ببساطة لا تملكين خياراً آخر في هذا العالم." وفي جزء من الثانية، تحرك. لم يمنحها حتى فرصة للتفكير أو الهروب، قبض على معصمها بإحكام أوجع عظامها الرقيقة، وجرها نحوه بقوة غاشمة جعلت جسدها يرتطم بصدره الصلب كالجدار، وهمس في أذنها بسلطة مطلقة تخنق الأنفاس: "أنتِ لا تفهمين يا نازلي.. لا تفهمين شيئاً على الإطلاق! فأنا لا أستعرض قوتي أمامكِ، أنا فقط أعيد تذكيركِ بمن تكونين حقاً.. ومن تتبعين." صرخت بغضب وهي تحاول يائسة تخليص يدها: "اتركني أيها الثور الهمجي! ليس لك أي حق في هذا التصرف البربري!" لكنه أكمل ببطء قاتل، وكأن كل كلمة تخرج من بين شفتيه هي حقيقة كونية لا تقبل الجدل: "لم أكن أنوي البحث عنكِ، صدقيني.. فعملي "ذلك العمل" الذي تخشينه وتعرفينه جيداً أجبرني على البقاء بعيداً لسنوات في الظلال العميقة.. ولكن الآن، انتهى زمن الاختباء، ولا شيء سيمنعني من استرداد ما هو لي.. وحقي الذي لن أتركه لغيري أبداً. والآن.. هيا رافقيني." حاولت نتر يدها بكل ما أوتيت من قوة لكنها كانت كالعصفور في قبضة صياد، بل وقالت متوسلة بنبرة كسرها الخوف: "قيس أرجوك.. لا تثر فضيحة هنا، أرجوك دعني أبقى.. ولن أرقص إن شئت، فقط دعني أبقى بسلام." بدا قيس عازماً على أخذها بالقوة إلى الخارج، إلا أنه تراجع قليلاً ما إن سمع نبرة توسلها الصادقة، فترك يدها ببطء لكن عينيه لم تتركا عينيها وقال: "حسناً إذن.. ما دمتِ لن ترقصي، فلا مانع من بقائكِ.. فقط إن أجدتِ التصرف ولم تثيري جنوني أكثر." كادت نازلي أن تلعنه بشتى اللغات، فما الذي يقوله هذا الحقير الوغد؟ أما زال يظن حقاً أنه يمتلكني؟ اللعنة عليه، ألف لعنة! لكنها عرفت في قرارة نفسها أن كل سبابها وشتائمها وحتى لعناتها ستبقى طي صدرها المشتعل؛ فإن قامت بتصرف آخر لا يعجبه، قد يجبرها فعلاً على الرحيل أمام الجميع، وهي لا تريد المغادرة الآن.. ليس حباً بالاحتفال، بل فضولاً قاتلاً ينهش روحها لتعرف هوية تلك "الحقيرة" التي كانت ترافقه فحتما هذا ما لن تفوته حتى لو ماتت وما هي مكانتها في حياته الجديدة التي عاد منها كالشيطان يا ترى!!الفصل الخمسون بعد المئة: مَقَابِرُ الزُّجَاجْ.. وَلِقَاءُ العَمَالِقَةِ فَوْقَ المَاءْ *** فَوْقَ المِيَاهِ تَمُوتُ كُلُّ رَجَاءِ ... وَتَسِيلُ غَصَّاتٌ بِغَيْرِ شِفَاءِ عَيْنَانِ زَرْقَاوَانِ فَوْقَ عَرِيفِهَا ... تَسْتَنْجِدَانِ بِآخِرِ الأَنْوَاءِ وَالآخَرُ المَسْجُونُ خَلْفَ سَوَادِهِ ... يَبْكِي الحَيَاةَ بِدَمْعَةٍ خَرْسَاءِ حَانَ الصِّدَامُ فَمَا لِخَوْفٍ مَهْرَبٌ ... فِينِيسْيَا أَمْسَتْ مَسْرَحَ الشُّهَدَاءِ ... حين تلتقي أقدار الطغاة فوق أرض عائمة بُنيت على الأسرار والمؤامرات، تذوب الفوارق بين النصر والهزيمة لتصبح الحياة والموت مجرد ورقتين في لعبة قمار مافيوية لا ترحم. فبين جنون التملك الذي يقود سيارة "سامويل" ببطء سادي قاتل مستمتعاً بسجن فراشته خلف سواد الحرير، وبين رعب الفقد الذي يعصف بكيان "التمساح" وهو يشق عباب شوارع فينيسيا بلمح البصر متخطياً حواجز المستحيل، تتقاطع المسارات عند عتبة قصر عتيق يطفو فوق مياه إيطاليا الباردة الغامضة. هنا.. خلف الأبواب الحجرية الصماء، لم يعد الصراع صراع نفوذ أو ثأر قادم من أزقة وهران، بل تحول إلى مواجهة عارية لحبس الأنفاس، وتعرية الوج
الفصل التاسع والأربعون بعد المئة: مَتَاهَةُ الخِدَاعْ.. وَصَدْمَةُ العَاصِفَةِ الإِيطَالِيَّةْ ** يَسْتَيْقِظُ الأَسْرُ فِي عَيْنَيْكِ أَغْلَالَا ... كَأَنَّ حُلْمَكِ ضَاعَ اليَوْمَ أَوْ زَالَا تَصْحُو الصَّهْبَاءُ وَالأَقْدَارُ تَعْصِفُ بِهَا ... لِتَلْقَى جَلَّادَهَا المَجْنُونَ مَازَالَا ظَنَّتْ دِيَارَ الأَمَانِ اسْتَقْبَلَتْ دَمَهَا ... فإذا بفينيسيا تُغَرِّقُ الحلم أهوالا ... حين تتداخل خيوط اللعبة المافيوية، يصبح الاستيقاظ من سكرات الموت مجرد تذكرة عبور إلى جحيم جديد صُمم بعناية؛ فبين غفوة دافئة فرضتها العقاقير المهدئة وصحوة مريرة على واقع مشحون بالخديعة، تتلاشى الوعود وتتبدل الخرائط تحت وطأة التحكم المطلق. لم تكن الطائرة المصفحة مجرد وسيلة هرب من صخب نيويورك، بل كانت جسراً سرياً عبره "التمساح" ليحكم قفصه الحديدي حول فراشته المتمردة، وينقل الصراع من أزقة روما المنتظرة إلى معقل جديد يفيض بالتاريخ والدم والمؤامرات؛ حيث تصبح الأنفاس معدودة، واللعنات عاجزة أمام طغيان العناد المتبادل. فتحت نازلي جفنيها ببطء شديد، تشعر بثقل جبل يربض فوق وعيها المستعاد، بينما رائحة الجلد
الفصل الثامن والأربعون بعد المئة: أَثْوَابُ العُزْلَةْ.. وَإِعْلَانُ الرَّحِيلِ الـمُبَاغِتْ * ** تَمُدُّ إِلَى الصُّنْدُوقِ كَفَّاً رَعُوشَةً ... لِتَلْقَى رِدَاءً كَالفِنَاءِ مُفَصَّلَا طَوِيلٌ وَمَسْتُورٌ يَغُصُّ بِهِ الـمَدَى ... كَأَنَّ السَّوَادَ العَتْمَ فِيهِ تَكَلَّلَا يَقُولُ طَغَاةُ الـمَكْرِ حَانَ رَحِيلُنَا ... وَإِنَّ سَمَاءَ الأَسْرِ لَنْ تَتَبَدَّلَا ... حين تتحول الثياب في قاموس الهوس إلى زنازين متنقلة تصنعها أصابع الجلاد بعناية، يفقد النسيج الفاخر بريقه ليصبح غلافاً يخنق ما تبقى من كبرياء الفريسة خلف الأبواب الصامتة. فبين جدران قصر "دواكيلا" الموحش، تكتشف الفراشة المحاصرة "كاثيا" أن قيدها الجديد لم يكن حريرياً فحسب، بل كان ثوباً من عتمة واحتشام مبالغ فيه، صُمم خصيصاً ليطمس ملامح وجودها ويحجبها عن أعين العالم الذي يغار منه سامويل. لكن الأنفاس لا تكاد تستوعب صدمة الشروط العارية، حتى تدق طبول المغادرة المباغتة في ليل نيويورك العاصف، معلنةً انقشاع العاصفة الطبية وجاهزية الطائرات المصفحة لرحيل يعود بالجميع نحو الديار التي شهدت بداية الكابوس ونهايته. في القصر، و
الفصل السابع والأربعون بعد المئة: عُرِيُّ الـحَقَائِقْ.. وَمَخَاضُ الشُّرُوطِ الأَخِيرَةْ***خَرَجَتْ تَسِيرُ إِلَى الـهَلَاكِ بِعِزَّةٍ ... كَالمَهْرِ يُسَاقُ لِلذَّبْحِ وَالمُدْيَا تُرَى تَبْغِي الخَلَاصَ مِنَ العُيُونِ وَمَكْرِهَا ... وَالـمَكْرُ خَلْفَ فِرَاشِ السَّادَةِ دُبِّرَا وَفِي الـمَشَافِي تَرْنِيمَةٌ قُدْسِيَّةٌ ... فِيهَا الأُخُوَّةُ بَعْدَ الـمَوْتِ تُبْتَكَر...حين تنقشع مساحيق الخداع النفسي وتتحطم الدروع الواهية خلف الحصون الصامتة، يجد المرء نفسه عارياً تماماً أمام شروطه المصيرية التي لا تقبل القسمة على اثنين. فبين جدران القصر المعتم بظلال الهوس، بلغت حرب الأعصاب ذروتها الخانقة؛ حيث لم يعد أمام الفراشة المحاصرة "كاثيا" سوى التخلي عن مهلتها الأخيرة، والتقدم بخطى مرتجفة لتواجه جلادها المتربص ببرود فوق فراش السيطرة المطلقة. وفي ذات الوقت، تشهد أروقة الجناح الطبي بنيويورك مخاضاً من نوع آخر، حيث تذوب قسوة "التمساح" أمام دفء الأخوة المستجدة، لتتحول المحاكمة الشرسة إلى عهد أمان يربط بين دماء الجزائر بلد المليون شهيد وبين أرض الزيتون والتين الجريحة، إيذاناً ببدء فصول جديدة
الفصل السادس والأربعون بعد المئة: مَوَازِينُ النُّفُوسْ.. وَانْكِسَارُ المَرَايَا المَصْقُولَةْ***طَبِيبٌ بَكَى فِي مَهْدِهِ الأَصْلَ حَسْرَةً ... وَظَنَّ عُيُونَ الصَّهْبِ تَرْمِيهِ بِالعَمَى وَمَا عَلِمَ المِسْكِينُ أَنَّ دُمُوعَهَا ... عَقِيدَةُ شَوْقٍ قَدْ جَرَتْ فِي الشَّرَايِنَا وَفِي القَصْرِ خَلْفَ الرَّخَامِ صَبِيَّةٌ ... تَسِيرُ لِفَرَّاشِ الغَرِيمِ تَحَسُّرَا تَظُنُّ حِبَالَ القَزِّ نَجَاةَ أَسِيرِهَا ... وَمَا القَزُّ إِلَّا المَوْتُ يَبْدُو مُزَيَّنَا...تتحرك خيوط الأقدار في ليل نيويورك العاصف بآلية بالغة التعقيد، تضع النفوس أمام مراياها الحقيقية لتعري الأوهام التي سكنت الصدور طويلاً. فبين جدران الجناح الطبي المعقم، حيث يتشابك ذهول الهوية المشتركة مع انكسار المهاجر الذي أخطأ قراءة صمت المبادئ، تنبض المعجزة بالانتماء الذي يذيب جليد الغربة، ويحول الشراسة اللفظية إلى دموع أخوة تتدفق في عقر دار الخصوم. وعلى الجانب الآخر من الولاية المظلمة، خلف الأبواب الصماء لقصر "سامويل دواكيلا"، تسير كاثيا المذعورة بخطوات متهالكة فوق الأرضية الرخامية، لتخرج من سكون بخارها الساخن نحو ع
الفصل الخامس والأربعون بعد المئة: تَرْجَمَةُ التَّمَرُّدْ.. وَسُؤَالُ العَقِيدَةِ الـمَحْظُورْ***شَفَتَاكِ صَاعِقَةٌ وَلَفْظُكِ مِقْصَلَةْ ... وَعَلَى ضِفَافِ الـمَوْتِ تَبْدَأُ مَسْأَلَةْ تَسْتَنْطِقِينَ الحَقَّ فِي مَهْدِ العِدَا ... وَالبَحْرُ فِي عَيْنَيْكِ يَحْمِلُ قُنْبُلَةْ مَا هَمَّهَا طِبُّ النَّصَارَى وَالعَجَمْ ... إِنْ لَمْ يَكُنْ حُرَّاً بَدَا كَالمَزْبَلَةْ...حين يمتزج كبرياء العقيدة والوطن بدماء متمردة لا تعرف الانحناء، تصبح الغرف الطبية المعقمة ساحات حرب فكرية لا تنفع معها تكنولوجيا الغرب ولا بروفيسورات الرفاهية. خلف أبواب الجناح الطبي الفاخر في نيويورك، لم تكن معجزة عودة الأنفاس لجسد نازلي النحيل هي الحدث الأبرز، بل كانت تلك "الثورة اللفظية" المباغتة التي أيقظت شياطين المكان، وجعلت من لسانها السليط شفرة حلاقة تمزق هدوء الطاقم الأمريكي وجبروته العلمي المعتاد.وقف البروفيسور "أندريس" متصلباً كتمثال ملحي عند عتبة الباب، وعيناه تتسعان خلف نظارته الطبية بوجل حقيقي وذهول مطلق، وهو يرى المريضة التي كانت قبل ساعات تصارع الموت الإكلينيكي وتعيش على المعجزات الرقمية للشاشات،
الفصل السادس: طغيانُ "الملك".. وتمرّدُ الياسمين *** أَيَظُنُّ أَنَّ العَرشَ يُبنى في دَمي أَم خَالَ أَنَّ الحُسنَ يَهوى مَن طَغى؟ يَأتي كَإِعصارٍ يُمَزِّقُ مُهجَتي وَيَرى عِنادي في المَحَبَّةِ قَد بَغى قُل لِلمَلِيكِ إِذا اسْتَبَاحَ مَخادِعي : قَلبي عَصِيٌّ.. لَن يَنالَ الرِّضى سُدى اتسع
الفصل الخامس: وحشة الدار.. وزئير الإعصار *** أَأُترَكُ وَحدي وَالمَخاوِفُ حَولي وَيَهتِكُ سِتري مَن ظَنَنتُ بِهِ خَيرا يَقُولُ "عَفافُكِ" قَد تَدَنَّسَ غَدرَةً وَيَنفُثُ في أُذُني الفَواحِشَ وَالنُّكرا أَأَرجو نَجاةً وَالعَدُوُّ بِمَنزِلي أَلا لَيتَ قَيساً يَقطَعُ المَوتَ نَحوَنا فَقَد ضاقَ
الفصل الرابع: قيد من نار.. وصفعة القدر *** أَأَرجو الوَصلَ وَالأَقدارُ ضِدّي وَأَطلُبُ طِيبَ مَن أَسقاني سُمّا؟ صَفَعتُ بِكَفّيَ المَقهورِ وَجهاً وَكانَ القَلبُ مَن يَتَلَقَّى لَطْما تَمَلَّكَني بِبُطشٍ خِلتُ فيهِ بِأَنَّ الحُبَّ صارَ لَدَيهِ جُرما * ** بين جدران الصمت الخانقة،
الفصل الثالث: صخب الذاكرة.. ونذير الدم!! *** نَسيتُ لِحينٍ مَن رَماني بِسَهمِهِ وَطِبتُ لِذِكرىٰ مَن أَراحَ وَقَرَّبا فَجاءَ غُرابُ البَينِ يَنفُثُ سُمَّهُ وَيَحسِبُ أَنَّ القَلبَ ما زالَ مُتْعَبا أَيا لَيتَ شِعري كَيفَ يُخفي جُنونَهُ وَفي نَظرَةِ العَينَينِ شَوقٌ تَغَرَّبا ...
![مُقَيَّدة بزعيم المافيا [ الكتاب الأول من سلسلة«Entangled»]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)





