Masukالفصل الخامس: وحشة الدار.. وزئير الإعصار
*** أَأُترَكُ وَحدي وَالمَخاوِفُ حَولي وَيَهتِكُ سِتري مَن ظَنَنتُ بِهِ خَيرا يَقُولُ "عَفافُكِ" قَد تَدَنَّسَ غَدرَةً وَيَنفُثُ في أُذُني الفَواحِشَ وَالنُّكرا أَأَرجو نَجاةً وَالعَدُوُّ بِمَنزِلي أَلا لَيتَ قَيساً يَقطَعُ المَوتَ نَحوَنا فَقَد ضاقَ بي صَدري وَلا أَملِكُ الصَّبرا ... في سكون الفجر الكاذب، حين يرحل الأمان وتستيقظ الشياطين من مخابئها لتنفث سمومها في الزوايا المظلمة، وجدت "نازلي" نفسها وحيدةً تماماً، تواجه قدراً لم تحسب له حساباً في أكثر كوابيسها قتامة. لم يكن الخوف هذه المرة من "قيس" وجنونه المعهود، بل من "زكريا" الذي كشف عن وجهٍه القبيح والممسوخ لم تره فيه من قبل؛ وجهٍ يرتدي قناع القرابة والوداعة ليخفي تحته وحشيةً غادرة و نفساً شيطانية دنيئة لا تعرف الرحمة ولا الحرمات. وبين صرخات مكتومة وجدرانٍ صامتة تشهد على انكسارها، كان الأمل الوحيد يتلخص في رجلٍ واحد، هو الداء والدواء، هو السجان الذي تخشاه والمنقذ الذي تستجدي وصوله. لم تنم نازلي طوال تلك الليلة الباردة الكئيبة؛ و ظل الأرق ينهش أعصابها ويقرض سكينتها كالفأر الذي يقرض خشب عتيق، رغم كل محاولاتها اليائسة للاستسلام للراحة. وحتى مع أنها قد استنجدت بأربع حبات من المنوّم، لكن كيمياء الدواء فشلت تماماً في إخماد نيران اضطرابها؛ فالعقل حين يشتعل بفتيل الخوف لا تطفئه العقاقير بل تزيد من هلوساته. كانت تدرك أن ما انفجر في الحفل لم يكن مجرد مشادة عابرة، بل هو فتيلٌ نار أشعلت فتنة لن تنطفئ، وأن قيس بجنونه المتأصل وتملكه الغاشم لن يترك تحديها العلني له يمر دون ثمنٍ باهظ يدفعه الجميع من دمائهم وأعصابهم مدّت يدها المرتجفة إلى هاتفها، كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحاً، والضوء الشاحب يتسلل عبر الستائر كأنه نذير شؤم. تأففت بانزعاج مرير، ثم صبت لعناتها الصامتة على قيس وزاكي معاً؛ فكلا البائسان الوغدان كانا وكأنهما ملكين موت سرقا منها لذة النوم وأمان الروح. نهضت بجسدٍ منهك، واغتسلت بماءٍ بارد كالثلج لعلّه يهدئ من روعها، رتّبت غرفتها بهوسٍ غريب كأنها تحاول فرض نظامٍ صوري على فوضى حياتها العارمة، ثم أدت صلاة الفجر بقلبٍ وجلٍ يبحث عن السكينة وسط إعصار مرتقب تشعر بلفحه في الأفق. لكن، ما إن وطئت قدماها درجات السلم نحو الطابق السفلي حتى شعرت بانقباضٍ مفاجئ في صدرها، وكأن جدران المنزل تضيق عليها لتطبق على أنفاسها المتهدجة. كان الصمت يسكن الزوايا بشكلٍ جنائزي مريب، وكأن هواء الدار قد استحال إلى ثقلٍ جاثم يمنع الحركة. تساءلت في سرها بذهول: "أين الجميع؟ هذا الهدوء موحش حد الفزع!" وفجأة، صفع الذاكرة خاطرٌ أليم؛ تذكرت كلمات والديها بالأمس التي مرت على مسمعها كطيفٍ عابر وسط انشغالها بقيس. لقد غادرا فجراً نحو مكة لأداء مناسك العمرة. تجمدت الدماء في عروقها وهي تستوعب الحقيقة المرة: "إذن أنا وحيدة تماماً هنا.. مسلوبة الحماية، مكشوفة الظهر تماماً أمام ذئاب البشر." توجهت إلى المطبخ بحثاً عن كوب ماء يبلل حلقها الذي جفّ من أثر الصدمة، ولم تنتبه إلى ذلك الظل الكاسر الذي انسل خلفها ببراعة القطط المفترسة، إلا عندما شعرت بيدٍ غليظة تلتف حول معصمها كالقيد الفولاذي الذي لا يرحم! شهقت بقوة كادت تقتلع قلبها من مكانه، ورفعت رأسها لتصدم بـ "زكريا" واقفاً أمامها بملامح متبلدة، وعينين تفيضان بشرٍ مستطير وشهوةٍ مريضة لم تعهدهما فيه قط. "لم أركِ سعيدة حين رحلتِ بالأمس، يا نازلي.. هل كان الوداع مراً؟" همس بصوتٍ خافت يقطر سماً، يحمل نبرة تملّكٍ مقززة جعلت فرائصها ترتعد وجسدها يقشعر من القرف. حاولت التحرر بكل ما أوتيت من قوة، لكنه أحكم الحصار وجذبها نحو صدره وهمس ببرودٍ قاتل: "لماذا تحاولين الهرب الآن؟ لا يوجد مخلوق في هذا المدى الفسيح ليسمع استغاثتك. عمي وعمتي قطعا نصف الطريق للبيت العتيق، وجواد غائب في مجونه.. لستِ وحدكِ يا جميلة، أنا هنا معكِ، وسأبقى حتى آخذ ما جئت لأجله، وما تنازلتِ عنه لغيري." كانت كلماته كخناجر مسمومة تمزق كبرياءها. اقترب منها أكثر، ومد يده ليلمس وجهها بأصابع باردة كالموت، فانتفضت كمن مسها تيار كهربائي، وفكت يدها بحركة فجائية وليدة ذعرٍ حقيقي، وركضت بجنون نحو غرفتها، والدرجات تحت قدميها تبدو وكأنها تمتد لآلاف الأميال. أغلقت الباب خلفها وارتجفت يداها وهي تبحث عن هاتفها، ضغطت على الرقم الذي يسكن في أعماق جروحها ويسيطر على نبضها.. رقم "قيس". في مستودعٍ قذر وبعيد، حيث يختنق الضوء قبل أن يلامس الأرض.. كان "قيس" يقف كإلهٍ للغضب الانتقامي، عيناه تشتعلان كجمرتين تحت ركامٍ من الرماد الذي يغطي بركاناً على وشك الانفجار. كانت أكمامه المرفوعة تكشف عن ساعدين مفتولين يقطران عرقاً وجهداً، وفي يده أداة معدنية ثقيلة تعكس قسوة روحه التي لا تلين أمام الخصوم. "هل تعرف ما يحدث للخونة يا ياسين؟ الصمت هنا مكلف جداً.." سأل بصوتٍ منخفض يسبق الزلزال المدمر. لكن قبل أن يُتمّ وعيده بتمزيق ضحيته، اهتز هاتفه في جيبه. نظر إلى الشاشة، وفي لمح البصر، تحجرت ملامحه واستحالت صخرية؛ نازلي تتصل في هذا الوقت المتأخر! فتح الخط بنبرة متهكمة حاول من خلالها ستر قلقه الجارف: "ماذا أرى؟ هل اشتقتِ لنيل العقاب بهذه السرعة؟ أم أن الحنين كسر كبرياءكِ؟" لكن الرد جاء صمتاً مشحوناً بالرعب الخالص، ثم انطلقت شهقة مخنوقة بالبكاء المرير مزقت ما تبقى من كبرياء قيس: "تعال.. أنقذني.. إنه هنا!" في تلك اللحظة، مات "قيس" المتكبر وولد "قيس" الإعصار الذي لا يبقي ولا يذر. تجمدت أنفاسه، وتحولت عيناه إلى نيرانٍ مستعرة تطلب الدم، واشتدت قبضته على الهاتف حتى كاد يحطمه بين أصابعه الفولاذية. لم يسأل عن السبب، ولم يطلب تفاصيل تافهة، ولم يستفسر عن هوية المعتدي.. ببساطة، ألقى الهاتف على الأرض، واستدار مغادراً المكان كريحٍ صرصرٍ عاتية لا تبقي خلفها شيئاً قائماً، تاركاً ضحيته والرجال في ذهولٍ تام من تحوله المفاجئ لوحشٍ هائج. كانت نازلي في غرفتها تصارع الموت خوفاً، وأنفاسها تخرج كالحمم المشتعلة. هاتفها اللعين يلفظ أنفاسه الأخيرة بوميض أحمر محتضر يصرخ بالنفاد. صرخت بقهر وهي تضرب السرير بيديها: "اللعنة على حظي العاثر! لماذا الآن؟ لماذا في هذه اللحظة بالذات؟!" كان زكريا بالخارج، يطرق الباب بعنفٍ يهدّ الأركان ويجعل إطارات الصور تهتز بعنف، وصوته يتردد بكلماتٍ مسمومة وقذرة هزت كيان أنوثتها وضربت في مقتل شرفها الذي صانته طويلاً: "هيا يا نازلي.. افتحي الباب بلطف ولا تضطري لكسره! لا داعي لتمثيل دور العفيفة الطاهرة أمام ابن عمتك، فبيننا لا توجد أسرار بعد الآن.. أنتِ لستِ عذراء، الجميع يعرف ذلك، ذاك الملعون قيس قد دنسكِ وجعلكِ بقايا امرأة لا تصلح لغيره، وبما أنكِ اعترفتِ بلسانكِ أمام الملأ أمس أنكِ ستتزوجينني، فما المانع من أخذ حقوقي الآن وقبل الأوان؟ ستصيرين امرأتي على أي حال، فلماذا الانتظار والتمثيل؟!" تلك الكلمات كانت الذبح الحقيقي لنازلي، ذبحٌ بلا سكين. شعرت بكرامتها تُسحق تحت أقدام كلماته المقززة التي تنهش طهارتها. ركضت نحو الحمام، أغلقت الباب بالمفتاح، وجرّت دولاباً خشبياً ثقيلاً بكل ما أوتيت من قوة يأس لتسده أمام الباب، لتصنع حصناً واهياً أمام الإعصار. تقوقعت على الرخام البارد، سدت أذنيها بيديها وهي تصرخ وسط شهقاتها المريرة: "ارحل يا سافل! ارحل أرجوك.. قيس سيقتلك، سيشرب من دمك، ارحل قبل أن تحل اللعنة على رأسك ورأس عائلتك!" بينما كان زكريا يواصل طرقاته الوحشية التي بدأت تخلخل مفاصل الباب الخشبي، وتجعل الخشب يئن تحت وطأة ضرباته، كانت هي تدرك أن هذا الحصن لن يصمد طويلاً أمام رجلٍ فقد عقله ومروءته. كانت أنفاسها تتلاحق في صدرها الضيق، وعيناها معلقتان بالسقف، تتخيل قيس وهو يقتحم الدار، تتخيل زئير محركه وهو يكسر حاجز الصمت لينهي هذا الكابوس. فجأة، سمعت صوت تحطم زجاج عنيف وصاعق في الطابق السفلي، يتبعه صمتٌ مريب لدقيقة.. فازداد شحوب وجهها واستحال إلى لون الموت.. هل كسر زاكي نافذة أخرى ليدخل منها؟ أم أن بركان قيس قد وصل ليحرق الأخضر واليابس وينقذ ما تبقى منها؟ انكمشت على نفسها أكثر، منتظرةً اللحظة التي ستحسم فيها حياتها بين وحشين لا يعرفان معنى الهزيمة كانت تراقب كيف أن قيس يبرح زكريا ضربا وكيف أن الأخير يتلوى من الوجع اثر ضرباته الخاطفة وقد رأت بعينيها الزرقاوين كيف استحال بياض عيني قيس إلى حمرة قانية كالجحيم المتأجج وهو يرى المشهد: زكريا واقفاً بهياج، الباب مخلوعاً، وصوت نشيج نازلي المذعور ينبعث من خلف باب الحمام. لم يمنحه قيس فرصة للتفكير أو التراجع؛ وبحركة خاطفة أسرع من الارتداد، أمسك بياقة زكريا بقوة خرافية كادت تخنقه، ورفعه عن الأرض تقريباً كأنه ريشة في مهب ريح غضبه. صوته خرج زئيراً لترتعد له جدران المنزل: "سأريك معنى التجرؤ على امرأتي.. أيها الحثالة!" وبدأ العقاب. كانت لكمات قيس تتوالى كعاصفة رعدية مدمرة، كل ضربة تحمل غضباً متراكماً لسنوات، وكل حركة فيها انتقام بلا رحمة لكرامة نازلي التي أُهينت. لم يجد زكريا أي فرصة للرد أو حتى للدفاع عن نفسه؛ كان يتلقى الضربات واحدة تلو الأخرى ككيس ملاكمة خامد، حتى بدأت الدماء تسيل بغزارة من فمه وأنفه، وتصبغ وجهه بلون الهزيمة العار. فيما كانت نازلي لا تزال متقوقعة في الحمام، فتحت الباب مواربة حين سمعت صوت قيس، وحدّقت بالمشهد بصدمة شلّت أطرافها. رأت وحشية قيس التي لطالما أرعبتها، لكنها الآن كانت درعها الوحيد. وقبل أن تستوعب عقولهم ما يحدث، دوى صوت رصاصة صاعقة فجّر صمت المكان! شهقت نازلي بعنف، وانسحب الدم من وجهها بالكامل ليصبح كلوح ثلج. ورأت كيف أن قيس قد قضى بضربة واحدة على زكريا بضربة واحدة ؟ على كل حال لم تملك وقتاً للتحليل الخائف؛ تحركت غريزياً نحو قيس، مضحية بأمانها، وهي تهتف بصوت مذعور يملؤه الخوف عليه: "قيس! قيس، هل أنت بخير؟! أجبني أرجوك!" كان قلبها يخفق بجنون، وجسدها كله ينتفض، لكن عينيها لم تفارقاه للحظة، تبحثان عن أي أثر للدماء عليه. في تلك اللحظة، لم يكن هناك زكريا، لم يكن هناك ماضٍ أو مستقبل، فقط رجل واحد أرعبها بجبروته طوال حياتها، لكنه كان الملجأ الوحيد والحقيقة الوحيدة لها الآن. رفع قيس عينيه إليها، ورغم حمم الغضب التي لا تزال تتأجج في عروقه، كان هناك شيء آخر في نظرتها إليه... شيء عميق، مكسور، ومليح بالرجاء، شيء لم تستطع تفسيره في خضم الفوضى. لكنه، ودون أن ينطق بكلمة، مدّ يده القوية، وسحبها نحوه بعنفٍ تملكي، وألصقها بصدره العريض، كما لو كان يريد أن يدمج جسدها بجسده، ليتأكد أنها لا تزال هنا، آمنة، وأنها لم تهرب منه بعد كل هذا الجنون. لكن ما لم يعرفه كلاهما في تلك اللحظة المشحونة، هو أن هذه الليلة العاصفة لم تنتهِ بعد... بل كانت مجرد البداية لجحيمٍ أكبر. تراجعت نازلي بخوف بعد لحظات من الاحتضان الخانق، أرادت النظر إلى زكريا الملقى أرضاً لترى إن كان حياً أم ميتاً، لكن قيس لم يسمح لعينها بالانحراف. أمسك بوجهها بقوة، وأجبرها على النظر في عينيه الحمراوين وهو يصرخ بحدة قطعت أنفاسها: "لا تنظري! اللعنة ، لا تنظري إليه أبداً!" شعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري من نبرة صوته الآمرة، لكن قبل أن تستوعب شيئاً، تابع بصرامة لا تقبل النقاش: "هيا، ارتدي ملابسك فوراً. ستأتين معي!" توسعت عيناها بصدمة، وزحف برود قاتل عبر عقلها. كيف لها أن تذهب معه الآن وبهذه البساطة؟ كيف تترك "جواد"، شقيقها الصغير، وحيداً في هذا المنزل المستباح؟ كيف تغادر هكذا دون تفسير لوالديها؟ هتفت بصوت متردد، يحمل ارتباكها وخوفها الطاغي: "لا يمكنني الذهاب معك يا قيس... مستحيل! جواد سيكون وحيداً، وأخشى أن يتأذى أو يصيبه مكروه، ثم إن أبي ليس هنا ليتصرف..." قهقه قيس بسخرية لاذعة، ناظراً إليها بعينين تضيقان بمكرٍ خبيث، ثم بدأ يقترب منها ببطء، نظرة غامضة وشريرة تلوح في عينيه، ونبرة صوته انخفضت لتصبح فحيحاً مرعباً: "أباك ليس هنا إذن؟ وحيدة تماماً في هذا المنزل الموحش..." اقترب أكثر حتى شعرت بأنفاسه الحارة، "وأنـا... رجل مافياوي، خسيس، نذل، ولستُ أفضل من زكريا هذا بـأي حال، أليس هذا ما كنتِ تقولينه لي دوماً؟" ازدادت دقات قلبها حد الانفجار؛ لم تفهم إن كان يهددها أم يسخر من كلماتها القديمة، لكن الغموض في صوته جعل الذعر يتسلل إلى كل خلية في جسدها. أرادت التراجع، الهروب، لكنه فجأة انفجر ضاحكاً بقهقهة عالية، ثم أمسك بها من معصمها بقوة، ساحباً إياها نحوه بعنف: "أنتِ غبية حقاً، نازو. لا أفكر بإيذائكِ الآن، لكن عليكِ بجدية أن تفكري في الذهاب معي، لأنكِ لو بقيتِ وحدكِ هنا، فلن أضمن مجيئي في المرة القادمة لإنقاذكِ من وحش آخر!" نظرت إليه بعينين مليئتين بالشك والريبة، وكأن عقلها لا يستوعب إن كان يقول الحقيقة خجلاً، أم أنه فقط يلعب بعصابها كعادته. عضت شفتيها بتردد قاتل، ثم تمتمت بصوت مرتجف: "أتظن أني لا أرغب بالذهاب معك لولا الظروف؟ لكن... جواد، أين سأتركه؟ أخبرني، ماذا سأفعل به؟" تجمد قيس لوهلة، وزفر بنفاد صبر وتوتر، وكأنه لم يكن مستعداً لإقحام الصغير في جحيمه، لكنه سرعان ما رفع حاجبه بسخرية باردة وقال: "سنجد حلاً لجواد... لكن الآن، عليكِ أن تثقي بي فإما أن تأتي معي الآن، أو تبقي هنا وتنتظري أن يطرق بابك وحش آخر ألعن من زاكي... هذا قراركِ، واختاري بسرعة." ارتجفت نازلي بعنف وهي تسمع فجأة أصوات صافرات الشرطة تدوي في المكان، تقترب بسرعة جنونية، وكأنها إعلان عن نهاية أسطورة قيس. شعرت بالخوف الحقيقي يتسلل إلى أوصالها عليه، نظرت إليه بقلق شديد، وهمست باضطراب: "قيس.. الشرطة! عليك أن تهرب.. اهرب حالاً من الباب الخلفي!" لكن على عكس ما توقعت تماماً، لم يتحرك قيس قيد أنملة، لم يظهر عليه حتى أثر القلق، بل وقف ساكناً، هادئاً تماماً، وكأن الوضع لا يعنيه بتاتاً. أمسك بيدها المرتجفة بإحكام، موقفاً رعشتها المفاجئة، وحدق في عينيها نظرة ثابتة وواثقة وهو يقول بصوتٍ هادئ حد النرفزة: "اهدئي، لن يحدث شيء... ثم، هل أنتِ خائفة علي حقاً؟" كانت على وشك الرد وتأكيد خوفها، لكن الوقت لم يسعفها. قبل أن تفتح شفتيها، فُتح الباب الرئيسي المخلوع بعنف أكبر، واقتحم ضباط الشرطة الغرفة بأسلحتهم المشرعة، مما جعلها تنتفض في مكانها وترتجف، ضانةً أن هذه هي النهاية الحتمية، وأن قيس قد وقع أخيراً في قبضة العدالة بسببهـا. دون تفكير، تشبثت بيده بقوة عمياء، كأنها تحاول التمسك به قبل أن يُنتزع منها إلى الأبد ويزج به في السجن. تسارعت أنفاسها، وارتعشت أصابعها بين يديه القويتين، منتظرة صراخ الضباط وقيود الكلبشات. لكن ما حدث بعدها جعلها تُصدم حد الذهول المطلق، وتتساءل إن كانت لا تزال تحلم. لم يوجه الشرطي المسلم مسدسه نحو قيس، لم يأمره برفع يديه، لم يصرخ عليه بالشتائم كما كانت تتوقع... بل على العكس تماماً، وقف الضابط في وضعية انضباطية صارمة أمام قيس، ورفع يده بتحية عسكرية رسمية، ثم قال بصوتٍ ملوه الاحترام والتبجيل: "سيدي الجنرال.. جميع الأمور تحت السيطرة تماماً." اتسعت عيناها بذهول صاعق، شحب وجهها حتى استحال بياضاً، وتراجع فمها مفتوحاً من هول الصدمة. هل سمعت بشكل صحيح؟ هل ناداه للتو بـ"سيدي الجنرال"؟ التفتت ببطء نحو قيس، فوجدته ينظر إليها ويبتسم تلك الابتسامة الساخرة المستفزة التي تثير جنونها دائماً، ثم انحنى قليلاً نحو أذنها وهمس بمكرٍ وانتصار: "مفاجأة، نازو... هل كنتِ تعتقدين حقاً أن الشرطة هنا لاعتقالي؟" وقف قيس متجهماً وهو يراقب رجال الشرطة يحملون زاكي الغارق في دمائه، ثم أشار بيده إلى أحدهم وأمره بصرامة آمرة: "خذ هذا الحثالة وأبعده عن وجهي تماماً." أومأ الشرطي برأسه باحترام مطلق، ثم تقدم مع رجاله لحمل زاكي، لكن قبل أن يغادروا الغرفة، أشار لهم قيس بحركة سريعة من يده بأن يغطوا وجهه وجسده المدمى تماماً، حتى لا ترى نازلي الدماء وتذعر أكثر مما هي عليه. ما إن خرج الشرطي ورجاله من المكان، وجروا جثة زكريا خلفهم، حتى ابتعدت نازلي عن قيس مسافة قصيرة، تنظر إليه بنظرات ممزوجة بعدم التصديق، الرعب، والذهول، قبل أن تهتف بانفعال وصوت متهدج: "أنا لا أفهم شيئاً مما يحدث! قيس.. من أنت حقاً؟ كيف لهذا الشرطي أن ينحني لك ويهابك وكأنك... شيء كبير جداً ومسؤول في الدولة؟!" انفجر قيس ضاحكاً بسخرية مجلجلة، وعيناه تتألقان بمكرٍ أسود وانتصار ساحق، قبل أن يقترب منها ببطء، ويحاصرها بنظراته الواثقة ويهمس بتكبر: "لستُ شيئاً كبيراً فحسب يا نازو... بل أنا الملك هنا، والجميع يخافني إلا واحد وأكمل في نفسه : وهي التي أحبها من كل قلبي ولا أريدها أن تخاف أبدا مني "الفصل الخمسون بعد المئة: مَقَابِرُ الزُّجَاجْ.. وَلِقَاءُ العَمَالِقَةِ فَوْقَ المَاءْ *** فَوْقَ المِيَاهِ تَمُوتُ كُلُّ رَجَاءِ ... وَتَسِيلُ غَصَّاتٌ بِغَيْرِ شِفَاءِ عَيْنَانِ زَرْقَاوَانِ فَوْقَ عَرِيفِهَا ... تَسْتَنْجِدَانِ بِآخِرِ الأَنْوَاءِ وَالآخَرُ المَسْجُونُ خَلْفَ سَوَادِهِ ... يَبْكِي الحَيَاةَ بِدَمْعَةٍ خَرْسَاءِ حَانَ الصِّدَامُ فَمَا لِخَوْفٍ مَهْرَبٌ ... فِينِيسْيَا أَمْسَتْ مَسْرَحَ الشُّهَدَاءِ ... حين تلتقي أقدار الطغاة فوق أرض عائمة بُنيت على الأسرار والمؤامرات، تذوب الفوارق بين النصر والهزيمة لتصبح الحياة والموت مجرد ورقتين في لعبة قمار مافيوية لا ترحم. فبين جنون التملك الذي يقود سيارة "سامويل" ببطء سادي قاتل مستمتعاً بسجن فراشته خلف سواد الحرير، وبين رعب الفقد الذي يعصف بكيان "التمساح" وهو يشق عباب شوارع فينيسيا بلمح البصر متخطياً حواجز المستحيل، تتقاطع المسارات عند عتبة قصر عتيق يطفو فوق مياه إيطاليا الباردة الغامضة. هنا.. خلف الأبواب الحجرية الصماء، لم يعد الصراع صراع نفوذ أو ثأر قادم من أزقة وهران، بل تحول إلى مواجهة عارية لحبس الأنفاس، وتعرية الوج
الفصل التاسع والأربعون بعد المئة: مَتَاهَةُ الخِدَاعْ.. وَصَدْمَةُ العَاصِفَةِ الإِيطَالِيَّةْ ** يَسْتَيْقِظُ الأَسْرُ فِي عَيْنَيْكِ أَغْلَالَا ... كَأَنَّ حُلْمَكِ ضَاعَ اليَوْمَ أَوْ زَالَا تَصْحُو الصَّهْبَاءُ وَالأَقْدَارُ تَعْصِفُ بِهَا ... لِتَلْقَى جَلَّادَهَا المَجْنُونَ مَازَالَا ظَنَّتْ دِيَارَ الأَمَانِ اسْتَقْبَلَتْ دَمَهَا ... فإذا بفينيسيا تُغَرِّقُ الحلم أهوالا ... حين تتداخل خيوط اللعبة المافيوية، يصبح الاستيقاظ من سكرات الموت مجرد تذكرة عبور إلى جحيم جديد صُمم بعناية؛ فبين غفوة دافئة فرضتها العقاقير المهدئة وصحوة مريرة على واقع مشحون بالخديعة، تتلاشى الوعود وتتبدل الخرائط تحت وطأة التحكم المطلق. لم تكن الطائرة المصفحة مجرد وسيلة هرب من صخب نيويورك، بل كانت جسراً سرياً عبره "التمساح" ليحكم قفصه الحديدي حول فراشته المتمردة، وينقل الصراع من أزقة روما المنتظرة إلى معقل جديد يفيض بالتاريخ والدم والمؤامرات؛ حيث تصبح الأنفاس معدودة، واللعنات عاجزة أمام طغيان العناد المتبادل. فتحت نازلي جفنيها ببطء شديد، تشعر بثقل جبل يربض فوق وعيها المستعاد، بينما رائحة الجلد
الفصل الثامن والأربعون بعد المئة: أَثْوَابُ العُزْلَةْ.. وَإِعْلَانُ الرَّحِيلِ الـمُبَاغِتْ * ** تَمُدُّ إِلَى الصُّنْدُوقِ كَفَّاً رَعُوشَةً ... لِتَلْقَى رِدَاءً كَالفِنَاءِ مُفَصَّلَا طَوِيلٌ وَمَسْتُورٌ يَغُصُّ بِهِ الـمَدَى ... كَأَنَّ السَّوَادَ العَتْمَ فِيهِ تَكَلَّلَا يَقُولُ طَغَاةُ الـمَكْرِ حَانَ رَحِيلُنَا ... وَإِنَّ سَمَاءَ الأَسْرِ لَنْ تَتَبَدَّلَا ... حين تتحول الثياب في قاموس الهوس إلى زنازين متنقلة تصنعها أصابع الجلاد بعناية، يفقد النسيج الفاخر بريقه ليصبح غلافاً يخنق ما تبقى من كبرياء الفريسة خلف الأبواب الصامتة. فبين جدران قصر "دواكيلا" الموحش، تكتشف الفراشة المحاصرة "كاثيا" أن قيدها الجديد لم يكن حريرياً فحسب، بل كان ثوباً من عتمة واحتشام مبالغ فيه، صُمم خصيصاً ليطمس ملامح وجودها ويحجبها عن أعين العالم الذي يغار منه سامويل. لكن الأنفاس لا تكاد تستوعب صدمة الشروط العارية، حتى تدق طبول المغادرة المباغتة في ليل نيويورك العاصف، معلنةً انقشاع العاصفة الطبية وجاهزية الطائرات المصفحة لرحيل يعود بالجميع نحو الديار التي شهدت بداية الكابوس ونهايته. في القصر، و
الفصل السابع والأربعون بعد المئة: عُرِيُّ الـحَقَائِقْ.. وَمَخَاضُ الشُّرُوطِ الأَخِيرَةْ***خَرَجَتْ تَسِيرُ إِلَى الـهَلَاكِ بِعِزَّةٍ ... كَالمَهْرِ يُسَاقُ لِلذَّبْحِ وَالمُدْيَا تُرَى تَبْغِي الخَلَاصَ مِنَ العُيُونِ وَمَكْرِهَا ... وَالـمَكْرُ خَلْفَ فِرَاشِ السَّادَةِ دُبِّرَا وَفِي الـمَشَافِي تَرْنِيمَةٌ قُدْسِيَّةٌ ... فِيهَا الأُخُوَّةُ بَعْدَ الـمَوْتِ تُبْتَكَر...حين تنقشع مساحيق الخداع النفسي وتتحطم الدروع الواهية خلف الحصون الصامتة، يجد المرء نفسه عارياً تماماً أمام شروطه المصيرية التي لا تقبل القسمة على اثنين. فبين جدران القصر المعتم بظلال الهوس، بلغت حرب الأعصاب ذروتها الخانقة؛ حيث لم يعد أمام الفراشة المحاصرة "كاثيا" سوى التخلي عن مهلتها الأخيرة، والتقدم بخطى مرتجفة لتواجه جلادها المتربص ببرود فوق فراش السيطرة المطلقة. وفي ذات الوقت، تشهد أروقة الجناح الطبي بنيويورك مخاضاً من نوع آخر، حيث تذوب قسوة "التمساح" أمام دفء الأخوة المستجدة، لتتحول المحاكمة الشرسة إلى عهد أمان يربط بين دماء الجزائر بلد المليون شهيد وبين أرض الزيتون والتين الجريحة، إيذاناً ببدء فصول جديدة
الفصل السادس والأربعون بعد المئة: مَوَازِينُ النُّفُوسْ.. وَانْكِسَارُ المَرَايَا المَصْقُولَةْ***طَبِيبٌ بَكَى فِي مَهْدِهِ الأَصْلَ حَسْرَةً ... وَظَنَّ عُيُونَ الصَّهْبِ تَرْمِيهِ بِالعَمَى وَمَا عَلِمَ المِسْكِينُ أَنَّ دُمُوعَهَا ... عَقِيدَةُ شَوْقٍ قَدْ جَرَتْ فِي الشَّرَايِنَا وَفِي القَصْرِ خَلْفَ الرَّخَامِ صَبِيَّةٌ ... تَسِيرُ لِفَرَّاشِ الغَرِيمِ تَحَسُّرَا تَظُنُّ حِبَالَ القَزِّ نَجَاةَ أَسِيرِهَا ... وَمَا القَزُّ إِلَّا المَوْتُ يَبْدُو مُزَيَّنَا...تتحرك خيوط الأقدار في ليل نيويورك العاصف بآلية بالغة التعقيد، تضع النفوس أمام مراياها الحقيقية لتعري الأوهام التي سكنت الصدور طويلاً. فبين جدران الجناح الطبي المعقم، حيث يتشابك ذهول الهوية المشتركة مع انكسار المهاجر الذي أخطأ قراءة صمت المبادئ، تنبض المعجزة بالانتماء الذي يذيب جليد الغربة، ويحول الشراسة اللفظية إلى دموع أخوة تتدفق في عقر دار الخصوم. وعلى الجانب الآخر من الولاية المظلمة، خلف الأبواب الصماء لقصر "سامويل دواكيلا"، تسير كاثيا المذعورة بخطوات متهالكة فوق الأرضية الرخامية، لتخرج من سكون بخارها الساخن نحو ع
الفصل الخامس والأربعون بعد المئة: تَرْجَمَةُ التَّمَرُّدْ.. وَسُؤَالُ العَقِيدَةِ الـمَحْظُورْ***شَفَتَاكِ صَاعِقَةٌ وَلَفْظُكِ مِقْصَلَةْ ... وَعَلَى ضِفَافِ الـمَوْتِ تَبْدَأُ مَسْأَلَةْ تَسْتَنْطِقِينَ الحَقَّ فِي مَهْدِ العِدَا ... وَالبَحْرُ فِي عَيْنَيْكِ يَحْمِلُ قُنْبُلَةْ مَا هَمَّهَا طِبُّ النَّصَارَى وَالعَجَمْ ... إِنْ لَمْ يَكُنْ حُرَّاً بَدَا كَالمَزْبَلَةْ...حين يمتزج كبرياء العقيدة والوطن بدماء متمردة لا تعرف الانحناء، تصبح الغرف الطبية المعقمة ساحات حرب فكرية لا تنفع معها تكنولوجيا الغرب ولا بروفيسورات الرفاهية. خلف أبواب الجناح الطبي الفاخر في نيويورك، لم تكن معجزة عودة الأنفاس لجسد نازلي النحيل هي الحدث الأبرز، بل كانت تلك "الثورة اللفظية" المباغتة التي أيقظت شياطين المكان، وجعلت من لسانها السليط شفرة حلاقة تمزق هدوء الطاقم الأمريكي وجبروته العلمي المعتاد.وقف البروفيسور "أندريس" متصلباً كتمثال ملحي عند عتبة الباب، وعيناه تتسعان خلف نظارته الطبية بوجل حقيقي وذهول مطلق، وهو يرى المريضة التي كانت قبل ساعات تصارع الموت الإكلينيكي وتعيش على المعجزات الرقمية للشاشات،
الفصل الرابع: قيد من نار.. وصفعة القدر *** أَأَرجو الوَصلَ وَالأَقدارُ ضِدّي وَأَطلُبُ طِيبَ مَن أَسقاني سُمّا؟ صَفَعتُ بِكَفّيَ المَقهورِ وَجهاً وَكانَ القَلبُ مَن يَتَلَقَّى لَطْما تَمَلَّكَني بِبُطشٍ خِلتُ فيهِ بِأَنَّ الحُبَّ صارَ لَدَيهِ جُرما * ** بين جدران الصمت الخانقة،
الفصل الثامن: فخُّ الحرير.. ورحيلٌ نحو المجهول *** أَتَظُنُّ أَنَّ مَقادِيرِي بِكَ انْعَقَدَتْ وأنَّ قَلْبِي بِنارِ الهَجْرِ قَدْ خَمَدَا يَا قَيسُ رِفْقاً بِمَن ضَاقَتْ مَذاهِبُها فَالظُّلمُ أَرْدَى بِنورِ الحَقِّ مَا وُجِدا تَقُولُ "زَوجِي" وَعَقْدُ الوَصْلِ مُمَزَّقٌ كَأنَّما الغَدرُ في شِ
الفصل السابع : هطولُ السماويّ.. وحُكمُ "السيّـد"***أَمَا كَفَاكَ مِنَ الأَيَّامِ سَطوتُهَاحَتَّى غَدَوتَ لِأَحلامي هِيَ القَدَرُتَمزِيـقُ ثَوبِيَ لَم يَكسِر لِيَ شَمَمًافَالعِزُّ في الرُّوحِ لَا في المَظهَرِ يُختَصَرُأَلبَستَنِي لَونَ السَّمَاءِ وَلَيتَ لِي أَن أَبلُغَ الغَيمَ.. لَا أَن يَحبِ
الفصل السادس: طغيانُ "الملك".. وتمرّدُ الياسمين *** أَيَظُنُّ أَنَّ العَرشَ يُبنى في دَمي أَم خَالَ أَنَّ الحُسنَ يَهوى مَن طَغى؟ يَأتي كَإِعصارٍ يُمَزِّقُ مُهجَتي وَيَرى عِنادي في المَحَبَّةِ قَد بَغى قُل لِلمَلِيكِ إِذا اسْتَبَاحَ مَخادِعي : قَلبي عَصِيٌّ.. لَن يَنالَ الرِّضى سُدى اتسع







