Mag-log inالفصل الحادي عشر: صرخةُ الذاكرة.. وقيودُ الحاضر!!
*** أَتَسْأَلُنِي العَوائِدُ عَنْ طَهَارِي وَفِي عَيْنَيْكِ غَدْرٌ كَالعَارِ مَضَيْتُ وَقَدْ غَدَا المَاضِي سَرَاباً وَنَارُ الوَجْدِ تَحْرِقُ كُلَّ دَارِ أَيَا قَيْسُ انْتَزَعْتَ الرُّوحَ مِنِّي وَعُدْتَ لِتَسْتَبِيحَ لِيَ انْكِسَارِي ظَنَنْتُ البُعْدَ يُنْهِي كُلَّ ذَنْبٍ فَإِذْ بِكَ فِي دَمِي كُلُّ القَرَارِ ... بينما كانت نازلي لا تزال حابسة نفسها في الحمام، تمسح وجهها بماء بارد، تحاول تهدئة أنفاسها اللاهثة. كانت تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة، لكنها لم ترَ "نازلي" القوية التي كانت تخط فصول رواياتها بكبرياء؛ بل رأت امرأةً مهزومة، مبعثرة الملامح، تتساقط قطرات الماء عن وجهها لتمتزج بدموعٍ حارقة رفضت أن تذرفها أمام الجلاد.أمام الرجل الذي يدعي أنه زوجها لكنه ليس كذلك البتة ليس كذلك مهما قال فهو ليس بزوجها ولا شريك عمرها لأنه تركها ثلاث سنوات تقاسي الألم وتعاني الجحيم وهذا شيء لم يكن بامكانها أن تغفره له مهما توسل أو حتى جثى على ركبه لن تغفر له دنائته ولا قساوته ويوم ما .. يوما ما سيدفع الثمن غاليا أقسمت على هذا بوحشية وكأنها تشدد على رأيها تنهدت وهي تسمع طرقاته على الباب المتواصلة فلعنت حظها وهي تتذكروقاحته قبل قليل بتقبيلها أيظن انها بمجرد أن نطق كلمة سماح ستغفر له ستتناسى الإذلال الذي عاشته وقالت في ثورة غضبها : "كيف تجرأ؟!" صرخت بها في صمتها المطبق. كيف سمح لنفسه بتجاوز كل الحصون التي شيدتها طوال ثلاث سنوات في لحظةٍ واحدة؟ وكيف فعل ذلك أمام رجاله الذين يرتعدون من ظله، وأمام أخيها الذي صار يرى في هذا "السفاح " بطلاً أسطورياً؟ ألم يفكر بوقع تلك القبلة على كرامتها؟ أيعتبرها مجرد "ملكية" مُستعادة، امرأة بلا صوت ولا إرادة، يُمكنه استعراض سلطته عليها متى شاء ليثبت للجميع أنه المالك الوحيد لها يا له من سادي وقح ثم اتسعت عيناها إثر فكرة بزغت أنوارها في عقلها : أم أيعتقد أني "ساقطة" كما يراني هذا المجتمع الذكوري الفاسق، فلا فرق لديها بين أن يقبلها زوجٌ محب أو غريبٌ عاهر عائد من الغياب ليفرض سطوته؟ ثم، في لحظة صدقٍ مريرة هزت كيانها، تذكرت أنها لا تزال زوجته. تلك الحقيقة كانت أثقل من الجبال على صدرها؛ فهي ليست مجرد ذكرى قديمة، بل هي واقعٌ قانوني وسلطةٌ مطلقة يمتلكها هو بيده. رفعت رأسها ببطء وحدّقت في المرآة، رأت الغضب يتأجج في عينيها كالجمر المستعر تحت الرماد. "تباً له! لم يكن عليّ أن أتصل به.. لم يكن عليّ أن أخرج معه.. لم يكن عليّ ترك منزلي أبدًا!" كانت تلوم نفسها على تلك اللحظة التي استنجدت فيها به، مدركةً أن الاستنجاد بـ "قيس" هو تماماً كمن يهرب من جحيم الحرارة الرمضاء ليرتمي في قلب النار. لكن الوقت قد فات، والقدر قد أطبق أنيابه عليها، ولا سبيل لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. أما قيس، فقد بدأ وحشه الداخلي يتململ، وصبره وهو الذي عُرف بصلابته بدأ ينفد أمام هذا التأخر السافر الذي رآه نوعاً من التمرد الصبياني. لم يكن قيس من الرجال الذين ينتظرون ولا كان له صبر ايوب عليه السلام ، خاصةً إذا كان الأمر يتعلق بامرأةٍ حسم أمر امتلاكها منذ زمن. وقف من مكانه بهيبةٍ زلزلت وقار مقصورة الطائرة، واتجه نحو الحمام بخطواتٍ رزينة، ثقيلة، تقطر وعيداً، غير آبهٍ بنظرات طاقم الطائرة التي تجمدت رعباً في أماكنها منزلين أبصارهم لتحت طرق الباب بقوة صُمّت لها الآذان، وصوته العميق ينساب كالرصاص المنصهر من خلف الخشب: "نازلي...هيا افتحي الباب لقد تأخرت وصبري بدأ ينفذ." لم يلقَ رداً، بل ساد صمتٌ مستفز زاد من ضيق صدره. لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى دوى صوت قرعٍ أكثر عنفاً، صرخةٌ آمرة لا تقبل القسمة على اثنين: "لا تختبئي مني، اخرجي الآن!" زمّت نازلي شفتيها بعنادٍ يائس، وهي تشعر بقلبها يقرع طبول الرعب خلف ضلوعها. ليت الموت يأخذها في هذه اللحظة، أو ليت الأرض تنشق لتبتلعها بعيداً عن قبضته. لكن صوتاً خافتاً في عقلها همس لها بمرارة: "هذا هو قيس، ولا شيء معه سهل.. الهروب منه وهم، والمواجهة معه انتحار." تنفست بعمق، وقررت أن تصمد خلف الباب، لكن قيس لم يكن يوماً ممن يُمنعون. استدار نحو إلياس، الذي كان يراقبه بجمودٍ تام، وأشار إليه برأسه إشارةً جنائزية: "افتح الباب." نظر إليه إلياس بترددٍ نادر، وابتلع ريقه بصعوبة: "سيدي، إنه حمام.. والسيدة بالداخل وقد تكون .." إلا أن قيس كرر كلامه بنفاذ صبر وصرخ: "قلتُ افتحه الآن!" لم يكن صوته مرتفعاً، بل كان همساً مرعباً يخرق العظام. لم يكن هناك مجال للنقاش؛ فإلياس يعلم أن كلمة سيده هي القانون الأول والأخير.قانون يجب تطبيقه مهما كان انحنى الحارس احتراماً، وأخرج مفتاحاً احتياطياً خاصاً، وما هي إلا لحظة حتى سمعت نازلي صوت المعدن يدور في القفل ببرودٍ قتل ما تبقى من صمودها. انفتح الباب بعنف، ووجدت نفسها وجهاً لوجه أمام قيس. لم يكن هناك في عينيه أي شفقة، بل كانا يشتعلان بغضبٍ كاسح ورغبةٍ تملكية لا ترحم. "أي جزء من كلمة 'اخرجي الآن' لم تفهميه؟" شهقت بصدمة عندما قبض على معصمها وسحبها نحوه بقوةٍ غاشمة جعلت جسدها يرتطم بصدره الصلب كالفولاذ. سحبها عبر الممر تحت نظرات الجميع المنكسرة، وهي تحاول التملص والاحتجاج، لكنها كانت كعصفورٍ صغير بين مخالب صقرٍ كاسر. "أنت مجنون أتعرف هذا أين الخصوصية عندك!" صرخت وهي تنهال بضرباتٍ واهنة على صدره، لكنه ظل واقفاً كالجبل، لا يهزه ريح، وتمتم ببرودٍ استفز أنوثتها الجريحة: "وأنتِ عنيدة.. ولا تفهمين أن لا أحد يتجاهلني ويفلت من العقاب ." اتسعت حذقتاها و استعر غضبها منه وجذبت يدها منه واستدارت بغل له قائلة: هل افهم من كلامك أنك ستعاقبني لأني تجاهلتك!! و في تلك الأثناء كان قد وصلا لمقاعدهما فأطبق ذراعه عليها وسحبها للجلوس في مقعدها محاصرا إياها بجسده وهو يهمس بجانب أذنها بصوتٍ مبحوح يقطر تملكاً: إن فعلت ما يستوجب أن أعاقبك عليه فلا مانع لي من إعادة تربيتك من جديد عندها اتسعت عيناها وساد فيهما الغضب الذي تفشى كالداء لاعبا بأعصابها وقالت بسخط تام لم تستطع كبته : تربيتي! وهل يتجرأ شخص قذر سفاح مجرم مثلك غير مربى على تأذيبي اتسمع أذنك ما يقوله فهمك أيها الوغد!! وهنا أدرك قيس أن كلامه قد جرحها فلعن نفسه قائلاً : يا لي من أحمق كيف طعنتها بلساني المسموم يا إلهي على كل حال لنطوي هذا الموضوع المخزي نهائيا ونظر إلى جانب وجهها قائلا في نفسه: "ولكني "أنا لا أطلب إذنك يا نازلي.. أنا لا آخذ إلا ما هو لي، وأنتِ لي منذ الأزل." ولما شعر جواد بتوتر الجو ووجود تيارات كهربائية نافرة بينهما قطب جبينه ونظر إليهما بقلق، محاولاً تهدئة الموقف بكلماتٍ مرتجفة: "قيس، اهدأ.. نحن في طائرة ولسنا في منزلك." لكن قيس لم يكن يرى أو يسمع سواها. عندما همست بمرارة ودموعها في عينيها: "أكرهك يا إلهي حقا أكرهك"، جاء ردّه كطعنةٍ مغلفة بالحرير، ردٌّ أخرس لسانها وأشعل النيران في قلبها: "وأنا أعشقكِ حقا أعشقك يا طفلتي" --- أغمضت عينيها بقهرٍ يفتت الروح، وغرقت في سديم الماضي المظلم. ألم يكفِها ما تجرعته من ذلٍ وهوان حين ظن العالم بأسره أنها "مطلقة"؟ ألم يكفِها الألم الذي مضغت فيه العلقم وتضرست فيه الحنظل طوال ثلاث سنوات بعد أن لفظها من حياته وكأنها عابرة مجرد عاهرة مرت كنسمة هواء عبرت دنياه شردت للحظة، وغابت خلف غمامة الذكريات الأليمة. عادت ثلاث سنوات إلى الوراء، إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي أصبحت فيه في نظر الناس "المرأة المشردة ". بعد انتهاء عدّتها، اضطرت نازلي للخروج إلى سوق المدينة بأمرٍ من والدها، كانت تخشى كلام الناس، وتخشى تلك النظرات التي تتأرجح بين الشفقة المهينة والسخرية اللاذعة. وما إن خطت خارج عتبة دارها، حتى بدأت الهمسات تلتف حولها كالأفاعي: "انظروا إليها... هذه هي المطلقة التي لم تصمد في زواجها سوى ثلاث سنوات!" "لا بد أنها كانت زوجة سيئة، لهذا لفظها زوجها تستحق وقالت أخرى: انظري رغم جمالها وهذا شيء لا يمكن نكرانه إلا أنها الجمال وحده لا يكف كان عليها أن تصبر وتتحمل لا أن تتظلق في ثلاث سنوات وقالت ثالثة : لاشك أنها لا تنجب و إلا لما طلقها زوجها" كانت الكلمات تطعنها في الصميم، وكأنها هي المذنبة الوحيدة، وكأنها هي من اختار هذا الطلاق شدّت أصابعها حول أذنيها محاولةً الفرار، لكن القدر لم يكن رحيماً. اصطدمت بجارتها، السيدة أمينة، التي رمقتها بريبةٍ مريبة قبل أن ترسم على وجهها ابتسامةً مزيفة وتمسك بيدها بقوةٍ كأنها تقبض على عصفورٍ جريح: "نازلي، حبيبتي! لمَ خرجتِ؟ أنتِ مطلقة، ولا يجوز لكِ التجول هكذا بحرية.. أتفهمين قصدي؟" تجمدت نازلي في مكانها، تحاول استيعاب حجم الوقاحة، وردّت بهدوءٍ يرتجف: "انتهت عدتي، ومن حقي الخروج متى أشاء." لكن أمينة هزّت رأسها بأسفٍ مصطنع، وأجابت بنبرةٍ متعالية تفوح منها رائحة الجهل: "أنتِ لا تفهمين يا عزيزتي.. المطلقة لا تخرج حتى بعد انتهاء عدّتها، لأنكِ ببساطة... لم تعودي طاهرة وايضا اليوم سيأتي رجل إلى منزلك ليقوم بخطبتك انه رجل متزوج وهو شيخ في السبعين من عمره طلق زوجته الأولى ويريد الزواج من جديد وقد رشحتك له " لم تنطق الكلمة الأخيرة، لكن عينيها قالتاها بوضوحٍ جارح. شعرت نازلي بالقرف يزحف إلى حلقها، وقالت: شكرا لكني لا أفكر بالزواج مجددا وأرادت الانصراف لكن يد أمينة أوقفتها ، لكن أمينة أكملت بفضولها القاسي: "أخبريني، لماذا طلقكِ زوجكِ هل اكتشف كم أنت فاسدة أخلاقيا هيا اكشفي لي الحقيقة!" حدقت بها نازلي بذهول، وصمتت لثانية قبل أن تقول بصوتٍ ثابت:ماذا تقولين أنت !! فقالت السيدة أمينة بعدم اكثرات بشحوب نازلي وأكملت بفضاضة : هيا اكشفي الحقيقة وأخبريني !! فقالت نازلي وهي ما،زالت محتفظة بأخر ذرة من صبرها : "أظن يا سيدتي أن هذا الأمر لا يعني أحداً غيري." استدارت مبتعدة، لكن صوت أمينة لحق بها كالسهم المسموم: "يا لكِ من فتاة قليلة الأدب! لو كنتِ امرأة صالحة، لما طلقكِ زوجكِ!" سارت نازلي بلا وجهة، غارقة في أفكارها السوداء، حتى انتابها إحساسٌ غريب بأن أحدهم يتبعها. تسارعت خطواتها وكم كانت محقة، فدخلت إلى المول التجاري آملةً أن تضيع في الزحام فيبتعد عنها ذلك الذي يلاحقها لكن عندما رفعت رأسها، رأت ذلك الوجه الذي ظل يطارد أحلامها عدة أيام ... بابتسامته المقرفة، وأسنانه الصفراء، المتسخة وعيونه الماكرة تتفحص تفاصيل جسدها بوقاحةٍ جعلتها تشعر وكأنها عارية تماماً في ساحةٍ عامة. كانت تلك اللحظة هي البداية الحقيقة لمأساةٍ نازلي والتي لم تنتهِ إلا بعودة "التمساح" ليحرق الأخضر واليابس!!الفصل الخمسون بعد المئة: مَقَابِرُ الزُّجَاجْ.. وَلِقَاءُ العَمَالِقَةِ فَوْقَ المَاءْ *** فَوْقَ المِيَاهِ تَمُوتُ كُلُّ رَجَاءِ ... وَتَسِيلُ غَصَّاتٌ بِغَيْرِ شِفَاءِ عَيْنَانِ زَرْقَاوَانِ فَوْقَ عَرِيفِهَا ... تَسْتَنْجِدَانِ بِآخِرِ الأَنْوَاءِ وَالآخَرُ المَسْجُونُ خَلْفَ سَوَادِهِ ... يَبْكِي الحَيَاةَ بِدَمْعَةٍ خَرْسَاءِ حَانَ الصِّدَامُ فَمَا لِخَوْفٍ مَهْرَبٌ ... فِينِيسْيَا أَمْسَتْ مَسْرَحَ الشُّهَدَاءِ ... حين تلتقي أقدار الطغاة فوق أرض عائمة بُنيت على الأسرار والمؤامرات، تذوب الفوارق بين النصر والهزيمة لتصبح الحياة والموت مجرد ورقتين في لعبة قمار مافيوية لا ترحم. فبين جنون التملك الذي يقود سيارة "سامويل" ببطء سادي قاتل مستمتعاً بسجن فراشته خلف سواد الحرير، وبين رعب الفقد الذي يعصف بكيان "التمساح" وهو يشق عباب شوارع فينيسيا بلمح البصر متخطياً حواجز المستحيل، تتقاطع المسارات عند عتبة قصر عتيق يطفو فوق مياه إيطاليا الباردة الغامضة. هنا.. خلف الأبواب الحجرية الصماء، لم يعد الصراع صراع نفوذ أو ثأر قادم من أزقة وهران، بل تحول إلى مواجهة عارية لحبس الأنفاس، وتعرية الوج
الفصل التاسع والأربعون بعد المئة: مَتَاهَةُ الخِدَاعْ.. وَصَدْمَةُ العَاصِفَةِ الإِيطَالِيَّةْ ** يَسْتَيْقِظُ الأَسْرُ فِي عَيْنَيْكِ أَغْلَالَا ... كَأَنَّ حُلْمَكِ ضَاعَ اليَوْمَ أَوْ زَالَا تَصْحُو الصَّهْبَاءُ وَالأَقْدَارُ تَعْصِفُ بِهَا ... لِتَلْقَى جَلَّادَهَا المَجْنُونَ مَازَالَا ظَنَّتْ دِيَارَ الأَمَانِ اسْتَقْبَلَتْ دَمَهَا ... فإذا بفينيسيا تُغَرِّقُ الحلم أهوالا ... حين تتداخل خيوط اللعبة المافيوية، يصبح الاستيقاظ من سكرات الموت مجرد تذكرة عبور إلى جحيم جديد صُمم بعناية؛ فبين غفوة دافئة فرضتها العقاقير المهدئة وصحوة مريرة على واقع مشحون بالخديعة، تتلاشى الوعود وتتبدل الخرائط تحت وطأة التحكم المطلق. لم تكن الطائرة المصفحة مجرد وسيلة هرب من صخب نيويورك، بل كانت جسراً سرياً عبره "التمساح" ليحكم قفصه الحديدي حول فراشته المتمردة، وينقل الصراع من أزقة روما المنتظرة إلى معقل جديد يفيض بالتاريخ والدم والمؤامرات؛ حيث تصبح الأنفاس معدودة، واللعنات عاجزة أمام طغيان العناد المتبادل. فتحت نازلي جفنيها ببطء شديد، تشعر بثقل جبل يربض فوق وعيها المستعاد، بينما رائحة الجلد
الفصل الثامن والأربعون بعد المئة: أَثْوَابُ العُزْلَةْ.. وَإِعْلَانُ الرَّحِيلِ الـمُبَاغِتْ * ** تَمُدُّ إِلَى الصُّنْدُوقِ كَفَّاً رَعُوشَةً ... لِتَلْقَى رِدَاءً كَالفِنَاءِ مُفَصَّلَا طَوِيلٌ وَمَسْتُورٌ يَغُصُّ بِهِ الـمَدَى ... كَأَنَّ السَّوَادَ العَتْمَ فِيهِ تَكَلَّلَا يَقُولُ طَغَاةُ الـمَكْرِ حَانَ رَحِيلُنَا ... وَإِنَّ سَمَاءَ الأَسْرِ لَنْ تَتَبَدَّلَا ... حين تتحول الثياب في قاموس الهوس إلى زنازين متنقلة تصنعها أصابع الجلاد بعناية، يفقد النسيج الفاخر بريقه ليصبح غلافاً يخنق ما تبقى من كبرياء الفريسة خلف الأبواب الصامتة. فبين جدران قصر "دواكيلا" الموحش، تكتشف الفراشة المحاصرة "كاثيا" أن قيدها الجديد لم يكن حريرياً فحسب، بل كان ثوباً من عتمة واحتشام مبالغ فيه، صُمم خصيصاً ليطمس ملامح وجودها ويحجبها عن أعين العالم الذي يغار منه سامويل. لكن الأنفاس لا تكاد تستوعب صدمة الشروط العارية، حتى تدق طبول المغادرة المباغتة في ليل نيويورك العاصف، معلنةً انقشاع العاصفة الطبية وجاهزية الطائرات المصفحة لرحيل يعود بالجميع نحو الديار التي شهدت بداية الكابوس ونهايته. في القصر، و
الفصل السابع والأربعون بعد المئة: عُرِيُّ الـحَقَائِقْ.. وَمَخَاضُ الشُّرُوطِ الأَخِيرَةْ***خَرَجَتْ تَسِيرُ إِلَى الـهَلَاكِ بِعِزَّةٍ ... كَالمَهْرِ يُسَاقُ لِلذَّبْحِ وَالمُدْيَا تُرَى تَبْغِي الخَلَاصَ مِنَ العُيُونِ وَمَكْرِهَا ... وَالـمَكْرُ خَلْفَ فِرَاشِ السَّادَةِ دُبِّرَا وَفِي الـمَشَافِي تَرْنِيمَةٌ قُدْسِيَّةٌ ... فِيهَا الأُخُوَّةُ بَعْدَ الـمَوْتِ تُبْتَكَر...حين تنقشع مساحيق الخداع النفسي وتتحطم الدروع الواهية خلف الحصون الصامتة، يجد المرء نفسه عارياً تماماً أمام شروطه المصيرية التي لا تقبل القسمة على اثنين. فبين جدران القصر المعتم بظلال الهوس، بلغت حرب الأعصاب ذروتها الخانقة؛ حيث لم يعد أمام الفراشة المحاصرة "كاثيا" سوى التخلي عن مهلتها الأخيرة، والتقدم بخطى مرتجفة لتواجه جلادها المتربص ببرود فوق فراش السيطرة المطلقة. وفي ذات الوقت، تشهد أروقة الجناح الطبي بنيويورك مخاضاً من نوع آخر، حيث تذوب قسوة "التمساح" أمام دفء الأخوة المستجدة، لتتحول المحاكمة الشرسة إلى عهد أمان يربط بين دماء الجزائر بلد المليون شهيد وبين أرض الزيتون والتين الجريحة، إيذاناً ببدء فصول جديدة
الفصل السادس والأربعون بعد المئة: مَوَازِينُ النُّفُوسْ.. وَانْكِسَارُ المَرَايَا المَصْقُولَةْ***طَبِيبٌ بَكَى فِي مَهْدِهِ الأَصْلَ حَسْرَةً ... وَظَنَّ عُيُونَ الصَّهْبِ تَرْمِيهِ بِالعَمَى وَمَا عَلِمَ المِسْكِينُ أَنَّ دُمُوعَهَا ... عَقِيدَةُ شَوْقٍ قَدْ جَرَتْ فِي الشَّرَايِنَا وَفِي القَصْرِ خَلْفَ الرَّخَامِ صَبِيَّةٌ ... تَسِيرُ لِفَرَّاشِ الغَرِيمِ تَحَسُّرَا تَظُنُّ حِبَالَ القَزِّ نَجَاةَ أَسِيرِهَا ... وَمَا القَزُّ إِلَّا المَوْتُ يَبْدُو مُزَيَّنَا...تتحرك خيوط الأقدار في ليل نيويورك العاصف بآلية بالغة التعقيد، تضع النفوس أمام مراياها الحقيقية لتعري الأوهام التي سكنت الصدور طويلاً. فبين جدران الجناح الطبي المعقم، حيث يتشابك ذهول الهوية المشتركة مع انكسار المهاجر الذي أخطأ قراءة صمت المبادئ، تنبض المعجزة بالانتماء الذي يذيب جليد الغربة، ويحول الشراسة اللفظية إلى دموع أخوة تتدفق في عقر دار الخصوم. وعلى الجانب الآخر من الولاية المظلمة، خلف الأبواب الصماء لقصر "سامويل دواكيلا"، تسير كاثيا المذعورة بخطوات متهالكة فوق الأرضية الرخامية، لتخرج من سكون بخارها الساخن نحو ع
الفصل الخامس والأربعون بعد المئة: تَرْجَمَةُ التَّمَرُّدْ.. وَسُؤَالُ العَقِيدَةِ الـمَحْظُورْ***شَفَتَاكِ صَاعِقَةٌ وَلَفْظُكِ مِقْصَلَةْ ... وَعَلَى ضِفَافِ الـمَوْتِ تَبْدَأُ مَسْأَلَةْ تَسْتَنْطِقِينَ الحَقَّ فِي مَهْدِ العِدَا ... وَالبَحْرُ فِي عَيْنَيْكِ يَحْمِلُ قُنْبُلَةْ مَا هَمَّهَا طِبُّ النَّصَارَى وَالعَجَمْ ... إِنْ لَمْ يَكُنْ حُرَّاً بَدَا كَالمَزْبَلَةْ...حين يمتزج كبرياء العقيدة والوطن بدماء متمردة لا تعرف الانحناء، تصبح الغرف الطبية المعقمة ساحات حرب فكرية لا تنفع معها تكنولوجيا الغرب ولا بروفيسورات الرفاهية. خلف أبواب الجناح الطبي الفاخر في نيويورك، لم تكن معجزة عودة الأنفاس لجسد نازلي النحيل هي الحدث الأبرز، بل كانت تلك "الثورة اللفظية" المباغتة التي أيقظت شياطين المكان، وجعلت من لسانها السليط شفرة حلاقة تمزق هدوء الطاقم الأمريكي وجبروته العلمي المعتاد.وقف البروفيسور "أندريس" متصلباً كتمثال ملحي عند عتبة الباب، وعيناه تتسعان خلف نظارته الطبية بوجل حقيقي وذهول مطلق، وهو يرى المريضة التي كانت قبل ساعات تصارع الموت الإكلينيكي وتعيش على المعجزات الرقمية للشاشات،
الفصل العاشر: قُبْلَةُ الجَحِيمِ.. وَأَصْفَادُ الروح!! *** أَيَحْسَبُ أَنَّنِي لِلصَّدِّ أَهْـوَى وَأَنَّ القَلْبَ فِي الأَصْفَادِ يَقْوَى؟ رَمَيْتُ سِوَارَ غَيْرِي فِي مَهَبٍّ لِتَعْلَمَ أَنَّنِي لِلرِّوحِ مَأْوَى تُقَاوِمُ بِي وَعَيْنَاكَ انْكِسَارِي وَحُبُّكَ فِي دَمِي قَهْرٌ وَبَلْوَ
الفصل التاسع: ترانيمُ الرَّحيل.. وعَصْفُ القَدَر *** أَمُسْتَسْلِمٌ لِلرِّيـحِ أَمْ أَنْتَ عَاصِفُ وَفِي صَدْرِكَ المَكْتُومِ تَبْكِي العَوَاصِفُ مَضَيْنَا وَدَرْبُ الرَّاحِلِيـنَ مَتَاهَةٌ تُسَاقُ بِهَا نَحْوَ المَصِيرِ المَوَاقِفُ أَيَا قَيْسُ هَلْ حَقًّا سَتَمْحُو مَوَاجِعِي أَمِ الغَد
الفصل الثامن: فخُّ الحرير.. ورحيلٌ نحو المجهول *** أَتَظُنُّ أَنَّ مَقادِيرِي بِكَ انْعَقَدَتْ وأنَّ قَلْبِي بِنارِ الهَجْرِ قَدْ خَمَدَا يَا قَيسُ رِفْقاً بِمَن ضَاقَتْ مَذاهِبُها فَالظُّلمُ أَرْدَى بِنورِ الحَقِّ مَا وُجِدا تَقُولُ "زَوجِي" وَعَقْدُ الوَصْلِ مُمَزَّقٌ كَأنَّما الغَدرُ في شِ
الفصل السابع : هطولُ السماويّ.. وحُكمُ "السيّـد"***أَمَا كَفَاكَ مِنَ الأَيَّامِ سَطوتُهَاحَتَّى غَدَوتَ لِأَحلامي هِيَ القَدَرُتَمزِيـقُ ثَوبِيَ لَم يَكسِر لِيَ شَمَمًافَالعِزُّ في الرُّوحِ لَا في المَظهَرِ يُختَصَرُأَلبَستَنِي لَونَ السَّمَاءِ وَلَيتَ لِي أَن أَبلُغَ الغَيمَ.. لَا أَن يَحبِ







