로그인50- شظايا الماضي المفقود رود في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن عقارب الساعة قد توقفت عن الدوران تماماً، وتجمد الهواء في رئتيّ. أصبح صوت أخي زيد القريب مبهماً، منخفضاً، وبعيداً للغاية، وكأن صوته يأتيني عبر نفق مظلم تفصلني عنه أميال وأميال. غابت كل الكلمات من حولي، ولم يتبقَّ سوى جملة واحدة ووحيدة أخذت تصدح داخل رأسي كقصف الرعد، تتردد بعنف وتخترق مسامعي: *"وجدتها قبل ثلاثة سنوات عندما كنتُ في ميامي... كانت ترتدي فستان زفاف وملقاة في الشارع غائبة عن الوعي... أخذتها للمشفى فوراً... لم تكن تتذكر أي شيء عن هويتها."* ظلت تلك الجملة اللعينة تتكرر في أذني كصدى مرعب، وفجأة، انفجر بركان خامد في عقلي. اجتاحت ذاكرتي آلاف الصور والذكريات عن ذلك اليوم المشؤوم دفعة واحدة، لتطمس الحاضر وتلقي بي في طيات الماضي... عدتُ بالزمن إلى الوراء، إلى ذلك الصباح الذي ظننته سيكون الأجمل في حياتي. كنتُ أقف أمام المرآة الكبيرة في غرفتي، منشغلاً بارتداء ربطة عنقي وتعديل هندامي بنبضات قلب متسارعة من الفرح. وضعتُ الكثير من عطري الخاص، ذلك العطر القوي الذي طالما أخبرتني روز بأنها تعشقه وتهيم به. وفجأة، تعالت طرقات
49- سؤال في غير محله زيد بمجرد أن نطق بسؤاله، اتسعت عيناي بالشرر واندفعتُ نحوه كالإعصار. أمسكتُ بعنقه مجدداً خانقاً إياه بغضب عارم، وصحتُ به بنبرة حادة وغاضبة تحولني إلى وحش مخيف في لحظات: "هل تحاول التقرب منها، رودجر؟! أخبرتكَ أنني لن أتردد في قتلكَ إن فعلت! ألم أحذركَ ألا تحاول التلاعب معها أو الاقتراب منها؟ ألم يكن تحذيري في المرة السابقة كافياً لك يا لعين؟! أنا لن أسمح لكَ حتى بالتفكير في روزي!" أمسك بيدي بكلتا يديه وهو يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة، وأردف بتوتر ونبرة متقطعة لأنه كان بالكاد يتنفس: "اهدأ... اهدأ قليلاً، زيد ودعني أشرح لك... استمع إليّ على الأقل يا غبي، لـ... لم أحاول التقرب منها!" أبعدتُ يدي عن عنقه ببطء، فتراجع للخلف يأخذ أنفاساً عميقة ويسعل بقوة محاولاً إدخال الأكسجين إلى رئتيه؛ فأنا كنتُ على وشك قتله بالفعل منذ قليل. نظرتُ إليه بغضب عارم والدماء تغلي في عروقي وسألت: "ما الذي تحاول فعله أيها اللعين بالنبش في كل ما يخص روزي؟ ماذا تريد من سؤالك هذا؟" حاول تنظيم ضربات قلبه السريعة وصدره يعلو ويهبط، ثم قال بهدوء فاجأني: "ألن تهدأ، زيد؟ ألا ترغب في معرفة ما الذي
48- في قلب النعيم الثائر زيد عدتُ إلى المنزل بعد أن أنهيتُ مقابلتي العاجلة مع سكاي. دلفتُ إلى غرفة المعيشة، فوجدتُ رودجر يقف في المطبخ يقوم بتفريغ بعض الحقائب التي أحضرها للتو من مركز التسوق. التفت إليّ قائلاً وهو لا يزال يرتب الأشياء داخل الثلاجة: "أخيراً عدت... لقد كنتُ أنتظركَ لوقت طويل." تجاهلتُ عبارته وسألتُ بقلق وأنا أنظر حولي في أرجاء المكان: "أين روزي؟" أجابني رودجر بهدوء: "لقد أخبرتني أنها ستنام لأنها أُرهِقت كثيراً اليوم." أومأتُ له برأسي متفهماً، وعلامات التعب بدت واضحة على ملامحي. سكتُّ للحظة، ثم سألتُه لأنني قررتُ أن أعود لمنزل العائلة الليلة: "هل ستذهب للمنزل معي؟ أريد رؤية والداي على الأقل قبل أن أقرر ما سأفعله في صفقات والدي وعمله المتراكم." اقترح رودجر وعيناه تلمعان بنظرة مألوفة: "لنذهب إلى الملهى أولاً؛ سأنهي بعض الأشياء العالقة هناك وبعدها نذهب سوياً. ألا ترغب في رؤية الملهى الذي قمتُ بتأسيسه بنفسي؟ أعتقد أنك تفتقد الأجواء الصاخبة هنا." أومأتُ له موافقاً وقلتُ: "سأصعد لأطمئن على روزي أولاً حتى تنتهي أنت مما تفعله." صعدتُ إلى غرفتها بخطوات خافتة، تركتها نائمة
47- أقنعة ومحطات الغموض سكاي بعد أن اتفقت مع السيد زيد على لقائنا فور عودته إلى لندن، تواصلت معه مجددًا لتحديد الموعد والمكان. كان واضحًا من نبرة صوته أنه أنهى جميع التزاماته من أجل هذا اللقاء، وكأن الملف الذي أحمله أصبح يحتل أولوية قصوى بالنسبة له. استقللت سيارتي متجهة إلى مكتبي أولًا، حيث أخبرته أنني سأنتظره هناك قبل أن ننطلق معًا. ما إن توقفت سيارته أسفل المبنى حتى رن هاتفي. "مرحبًا سيد ريفرز." أجابني زيد بوقاره المعتاد وصوته الصارم: "لقد وصلتُ للتو، وأنا أنتظركِ داخل مرآب السيارات عند اللوحة المدون عليها حرف (B). حينما تخرجين من المصعد مباشرة، ستجدين سيارتي الرولز رويس السوداء واقفة أمامكِ." "بالطبع سيد زيد... دقائق معدودة وسأكون أمامك." أنهيت المكالمة، ثم وقفت أمام المرآة أرتب مظهري سريعًا. لم أكن أهتم بالمظاهر عادة، لكن عملي علمني أن الانطباع الأول قد يكون أداة لا تقل أهمية عن أي دليل جنائي. أخرجتُ أحمر الشفاه الخاص بي لأضفي لمسة أخيرة، ثم رششتُ رذاذاً كافياً من عطري الحلو الرقيق ذي الرائحة الفواحة. جمعتُ أغراضي بسرعة داخل حقيبة يد الصغير، وارتديتها، ثم ألقيتُ نظرة ف
46- شفرة الذكريات المفقودةروزالينالتفتَ إليّ رودجر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة باهتة، حملت في طياتها كمية لا تُحصى من الأسى قبل أن يجيبني بصوت خافت: "حبيبتي السابقة أيضاً... كانت تحب هذا المنزل كثيراً، وتتحرك في أرجائه مثلكِ تماماً."ترددت كلماته بنبرة مكسورة هزت شيئاً ما في أعماقي، ولكنني لم أستطع كبح فضولي هذه المرة أكثر من ذلك. شعرتُ برغبة عارمة في معرفة المزيد عن هذا الفتى الغامض الذي يشبه زيد في ملامحه ويناقضه في روحه.نظرتُ إليه بعينين متسعتين يملؤهما الفضول، وسألتُه بنبرة حذرة: "وأين ذهبت الآن؟ هل انفصلتما؟""إنها تحب شخصاً آخر الآن... وتعيش في عالم بعيد عن عالمي." أجابني وعيناه تتطلعان إلى الفراغ.في تلك اللحظة، بدأتُ أفسر كلمته السابقة حين أخبرني بأنه توقف عن الرسم؛ ربما يكون كل ذلك الانكسار والبعد عن شغفه بسبب حبيبته السابقة التي هجرته.تحرك الفضول داخلي مجدداً، ولم أستطع منع نفسي من السير أبعد في هذا الحديث، رغماً عن خوفي من أن يسأم من أسئلتي المتلاحقة ويكون غضبه مخيفاً وقاسياً كغضب زيد.سألتُه بصوت هادئ شبه مسموع: "هل... هل لا تزال تحبها بعد كل ما حدث؟"أخذ رودجر نف
45 - أصداء الطيف والذكرياتروزالين تبعتُ رودجر في كل ركن بهذا المنزل الذي يجعلني، بطريقة أو بأخرى، أشعر بالتوتر والاضطراب. فأنا بالكاد تخطيتُ تلك المشاهد العنيفة التي داهمت عقلي عند المسبح منذ قليل.لا أعرف كيف اختلط عليّ الأمر من جديد ولم أستطع التفريق بين رودجر وزيد، لكن مظهر رودجر المبعثر والحر هذا قد شتتني للحظات، نظراً لكونه يختلف عن نمطية زيد تماماً.الغريب في الأمر، أن مظهر رودجر الجريء الذي يعطي انطباع "الفتى السيء" يعجبني، بل وقد شعرتُ للحظات أنني أفضله على مظهر زيد الرسمي الصارم.أنا بطبيعتي أحب الألوان وأعشق التغيير، لكن زيد حياته نمطية للغاية ولا يميل إلى كسر القواعد أو التجديد.تابعتُ خطواتي خلف رودجر، الذي لاحظتُ أنه كان شارداً بي لبعض الوقت، وكأنه يبحث في أعماق عينيّ عن شيء مفقود. لكني لم أهتم كثيراً؛ فبعض الأشخاص يشردون عند رؤيتي ويحدقون بملامحي الطفولية، وقد اعتدتُ على هذا الأمر ولم يعد يزعجني.نظرتُ في أركان المطبخ للحظة، وفجأة... تخيلتُ بعض المشاهد تتحرك حية أمام عيني! لا أعرف إن كانت هذه ذكريات حقيقية تراودني من جديد، أم أنني بدأتُ أهلوِس بفعل الصداع؟رأيتُ نفسي أ







