تسجيل الدخولساد الصمت لحظات ثقيلة مرت على أروى كالدهر؛ توقفت أنفاسها وهي تنظر إلى السكين الملقاة على الأرض وتفكر في ذعر: (لابد أن أعلن عن هويتي فوراً حتى يخافوا من نفوذ والدي ويتركوني وشأني!) . لكنها ردت على نفسها في سرها بانتفاضة رعب: (هل جُننتِ؟! إنهم بالفعل سيخافون من بطش والدكِ ، ولكن خوفهم سينتهي بقتلي ودفني هنا حتى لا يعلم أبتاه شيئاً ويفتك بهم! تعقلي قليلاً.. لقد دخلتِ جحر الثعابين بقدميكِ، فلتتحملي اللدغات!). بدأ صدرها يعلو ويهبط بجموح، وهي تمسك بقميص النوم الأسود المتبقي في يدها لتداري به جسدها المتجرد، بينما آلمتها معدتها من شدة الفزع . تقدمت السيدة نحوها بنظرات تتشح بالشر، فتراجعت أروى بأقدامها الحافية المرتجفة حتى اصطدم ظهرها بالحائط ، فشهقت شهقة خفيفة. اقتربت السيدة ورفعت يدها لتصفعها بقوة زلزلت رأس أروى ، ثم جذبتها من شعرها بعنف قائله: — «ماذا كنتِ ستفعلين بهذه السكين يا قذرة؟!». هزت أروى رأسها بالنفي وهي تبكي بحرقة وتحاول تحرير خصلاتها من قبضتها، ثم قالت وهي تبتلع ريقها بصعوبة: — «حسناً.. أنا لم آخذ الشيك، تفضلي.. وأرجعينني إلى مكاني!
ظلت شهد تدور في غرفتها كالمجنونة ، وعيناها تذرفان الدموع الساخنة بينما القلق ينهش عقلها والعجز يكتف يديها. لا تعلم أين هذا المكان المظلم ولا كيف تصل إلى أولئك الوحوش. أخذت نفساً عميقاً، واسترجعت شريط تلك المأساة، ثم قالت لنفسها بصوت حاسم خنقه البكاء: «لا يوجد حل آخر!». وفي السيارة، كان جسد أروى يرتعش بضراوة. تبتلع ريقها بصعوبة، والعرق يتصبب من وجهها أسفل القناع الأسود الذي يعزلها عن العالم. حاولت أن تلتمس أي معلَم من الطريق ، لكن لا شيء حولها سوى السواد الدامس. قالت لها السيدة ببرود قاتل: — «اهدئي قليلاً.. لن يحدث شيء يسوؤكِ، لا تقلقي. سيمر الأمر بسرعة، وستخرجين مستمتعة ومعكِ جبل من النقود!». بدأت أروى تتحسس أطراف السكينة الصغيرة بأطراف أصابعها المرتجفة والتي دستها بعناية أسفل أكمام فستانها، تحاول ترميم شجاعتها المنهارة، وتتساءل بذهول مرير: (أنا لا أحتمل هذا الجحيم لعدة أيام، فكيف تواجه الفتيات هنا حياتهن كل ليلة؟!). في غرفة شهد، ألقت هاتفها على السرير بقوة وعنف، تشتعل غضباً من آدم الذي يتجاهل اتصالاتها المتكررة في هذه اللحظة الفارقة!
غادر آدم المطعم والشرار يتطاير من عينيه، وبداخل رأسه تحترق بنيران الغيرة والغضب. أخرج هاتفه وطلب رقماً بعينه، وبمجرد أن أتاه الرد قال بصرامة قاطعة: — «سأحضر اليوم !». أغلق الهاتف دون أن ينتظر تعقيباً، فقد تملكته رغبة عارمة ومظلمة في إفراغ شحنات قسوته وغضبه الساطع في ذلك الجسد الرخيص؛ فهو يرى في أعماقه أن الفتاة التي تبيع نفسها مقابل المال مباحة كلياً، ويحاربها أن يذيقها أشكال المعاناة كي يطفئ نار ندمه وقهره! على الطرف الآخر، التقط صاحب مكتب التشغيل هاتفه واصل الاتصال بالحاجة راوية، وقال لها بلهجة حادة وآمرة: — «هل تجهزت الفتاة؟! تأكدي من أن كل شيء مضبوط كما ينبغي.. السيارة ستمر بعد قليل، أوصليها بنفسكِ إلى المكان المعتاد!». أسرعت راوية وطرقت الباب بحدة على أروى، فدلت ودخلت لتجد أروى تجلس بثيابها العادية دون أن تجهز أي شيء، والتردد ينهش قلبها نهشاً! شهقت راوية بغضب واحتداد، وأغلقت الباب خلفها فوراً: — «ألم تستعدي بعد يا مصيبة؟! هيا بسرعة تعالي لتستحمي وترتدي ملابسكِ لأساعدكِ!». جذبت أروى يدها بصلابة وحررتها من قبضة راوية وقالت بصوت متهدج:
تعمّدت شهد أن تزيد من ابتسامتها وضحكاتها مع مراد بحرية أكبر، مستغلة كل لحظة لتشعل جمر الغضب في صدر آدم. ورغم أن آدم كان مدركاً تماماً أن كل ذلك الوفاق والانسجام كان مجرد عرض مصطنع لإثارة غيرته، إلا أن بركاناً عاتياً كان يغلي في أعماقه، يوشك أن يقتلع حلمه وثباته في أي لحظة. استمر مراد في حديثه المسموم، يتصنع الحزن والأسى وهو يروي معاناته المزعومة مع زوجته: — «شهد.. هل تعلمين أنني أفكر جدياً في الانفصال عنها الآن؟ لم أعد أحتمل هذا الجفاف؛ فأنا شخص يحب الحياة.. ولن أكذب عليكِ، أعلم أنكِ رأيتيني مع السكرتيرة في ذلك اليوم، ولكنني ببساطة رجل لا يستطيع العيش دون إشباع رغباته!». احمرّ وجه شهد وتوردت وجنتاها خجلاً وشعوراً بالارتباك ، فامتدت يدها المرتعشة إلى كوب الماء لتلتقطه وتحتسي منه جرعة علّها تداري بها توترها. لم تخف تلك التعرجات الإنسانية عن عيني آدم المثبتتين عليهما؛ فلاحظ خجلها الشديد وتوترها الملحوظ، ولم يعد يطيق الصبر لحظة واحدة أخرى. أنهى اجتماعه مع العملاء بلباقة متكلفة، ووقف يودعهم وعيناه لا تفارقان الطاولة المجاورة. وفي تلك الأثناء، لمح آد
في صباح اليوم السادس استعداد اروى ، وصلت شهد إلى مكتبها في الشركة والوجوم يكسو ملامحها الشاحبة. وبمجرد أن فتحت هاتفها المغلق، توالت مئات الرسائل والتنبيهات بمحاولات اتصال لا تتوقف من حور، وآدم، وكريم، ومراد، وغيرهم. انقبض قلبها، فلم تهتم بأي منها، وأغلقت الشاشة بتجاهل تام ثم دحرت مشاعرها جانباً ودخلت لتكمل عملها الشاق. في منتصف اليوم، دخل مراد مكتبها، ووقف يتأمل عينين غارقتين في الحزن والشرود، فقال بنبرة دافئة يخالطها القلق: — «شهد.. ما بال وجهكِ يبدو عليه كل هذا الحزن والشحوب اليوم؟». ردت شهد بصوت منخفض ومجهد دون أن ترفع عينيها عن الأوراق: — «لا شيء يا مراد بيه.. مجرد بعض الإرهاق الشديد لا أكثر». تنهد مراد بحزن عميق وهو ينظر إلى الفراغ، وقال بمرارة خفية: — «يبدو أنه لا يوجد أحد في هذا العالم مرتاحاً.. كنتُ سأعرض عليكِ الخروج معي اليوم بعد العمل؛ فقد كنتُ أرغب في التحدث قليلاً مع أحد ولم أجد من يستمع إليّ». عقدت شهد حاجبيها بتعجب وسألته: — «لماذا؟ أين أصدقاؤك المقربون؟». رد مراد بنبرة منكسرة يملؤها الحرج: — «هذه المواضيع خاصة جداً بزوجتي ز
اليوم الخامس - السقوط في الفخ استيقظت أروى بكيرًا، وفتحت دفتر يومياتها لتسجل فيه آخر ملاحظاتها وانطباعاتها النفسية، ثم جلست تفكر بحيرة وقلق: (كيف سأحصل على النقود اليوم لتأمين طعامي؟). خرجت وطرقت الباب على الحاجة راوية بكسرة: — «صباح الخير يا حاجة راوية.. كنت أسأل إن كان مكتب العمل الذي ذهبنا إليه قد وجد لي عملاً آخر؟». ابتسمت راوية بسخرية وتهكم، وقالت: — «يا ابنتي.. هذه هي الأعمال المتاحة هنا! أنتِ لستِ متعلمة ، ولا تستطيعين التحمل على خدمة المنازل أو الأعمال الشاقة!». ثم رمقتها بنظرة تفحصية حادة من أقصى رأسها إلى أخمص قدميها جعلت قشعريرة الذعر تسري في جسد أروى، وأكملت راوية: — «ثم إنكِ بدأتِ بالتنازلات منذ الأمس أساسًا! انظري إلى وجهك الشاحب وشفتيكِ المتهالكتين من قلة الطعام. . هل تعلمين كم ستكفيكِ ألف دولار؟! ستغنيكِ عن هذه الساعات القاسية لشهور طوال حتى تجدي عملاً يناسب رقتكِ!». اقتربت راوية منها وهمست بلؤم: — «هل أقول لكِ على سر؟». انتبهت إليها أروى بفضول حذر: «ما هو؟». — «ابنتي صفاء ذهبت مرة سابقة إلى هناك!». شهقت أروى بذهول ووضعت يدها على فمها مصدو







