Share

بعد صحوة الكابوس

last update Tanggal publikasi: 2026-06-05 05:43:38

كان الظلام في الخيمة الملكية يلف المكان بهدوء، يقطعه فقط صوت أنفاس قاسم المتسارعة ونبضات قلبه التي كانت تدق في صدره كطبول الحرب. استيقظ قاسم فجأة وهو ينتفض، يده تمتد بجنون ليمسك بذراع ليلى التي كانت تغط في نوم عميق بجانبه. شعرت ليلى بيديه المرتجفتين، ففتحت عينيها المليئتين بالنعاس والقلق لتجد قاسم يلهث، عرقه يتصبب على جبينه رغم برودة الليل.

ـ "قاسم؟ يا سلطان قلبي.. إيه اللي حصل؟!" قالتها وهي تعتدل في جلستها، تضع كفها الدافئ على وجهه المشتعل.

لم يجبها قاسم على الفور؛ كان يحاول استعادة توازنه، يستوعب أن صرخات الـ "ذئب العرجاء" وأشباح وادي الموت لم تكن سوى كابوسٍ مخيف ولده ضغط الأيام الأخيرة ومؤامرة سيرجيو السيوفي. تنهد بعمق، وضمها إلى صدره بقوة، كأنه يغرس نفسه في واقع وجودها بين يديه.

ـ "كان حلم يا ليلى.. حلم قاسي زي أيامنا اللي فاتت." همس بصوتٍ رخيم استعاد هدوءه تدريجياً. "كنت فاكر إني خسرتك في خضم معارك وهمية.. كنت فاكر إني ع أصحى وما ألقاكيش."

ابتسمت ليلى برقة، وضمت يدها حول عنقه، تزيح خصلات شعره المبللة بالعرق. كانت ليلى هي مرساته في بحر هذا العالم المتقلب.

ـ "أنا هنا يا قاسم.. لا رحت ولا جيت، ولا في قوة في الدنيا تقدر تفرقنا ما دمنا بنتنفس نفس واحد. انسى الكوابيس، احنا في بيتنا، في عرينك، والصباح رباح."

مع إشراقة شمس يوم جديد فوق نجع الراوي، كانت الحياة بدأت تدب في أركان السرايا. لكن الواقع كان يفرض تحديات اجتماعية ودرامية جديدة. سليم الراوي، الشقيق الذي عاد من الموت، كان يجلس في ديوان السرايا مع منصور الراوي، الأب الذي كان عليه مواجهة ماضيه وعائلته بعد كل هذه السنوات.

لم تكن المؤامرة مجرد سلاح كيميائي، بل كانت انقسامات داخل العائلة نفسها. جلس قاسم على رأس المائدة الكبيرة، وعيناه تراقب الوجوه من حوله؛ الحاجة نبيلة التي كانت تحاول احتواء الجميع، نورهان وفرحة اللتان كانتا تحاولان استعادة حياتهما بعيداً عن صدمات السم. كان الجو مشحوناً بالتوتر، فالخيانة التي تعرضوا لها من "عوض السواح" ومنظمة السيوفي تركت جروحاً لا تندمل بسهولة.

ـ "يا أبوي،" بدأ قاسم حديثه بصوتٍ هادئ لكنه حازم، "الدار دي كانت هدف للكل، والنهاردة لازم نحدد مين اللي معانا ومين اللي علينا. سليم رجع، وعيلتنا لازم تتوحد من جديد قبل ما أي طمع خارجي يفتتها."

نظر منصور الراوي لابنه، نظرة مليئة بالندم والاعتزاز في آنٍ واحد.

ـ "عندك حق يا قاسم. أنا كنت غايب، والغياب ده كان أكبر خطأ دفعنا تمنه غالي. بس لازم تعرفوا إن في ناس في النجع لسه خايفة، وناس تانية عندها أطماع قديمة مديونة ليهم من قبل ما تتولد."

في تلك اللحظة، دخلت ليلى الغرفة بخطوات واثقة، حاملةً معها شيئاً غيّر مجرى الحديث. كانت تمسك بملفٍ وجدته في أغراض عوض السواح بعد رحيله، ملفاً يحتوي على قائمة بأسماء رجال في النجع كانوا يتلقون أموالاً من جهات خارجية لتسهيل دخول الأجانب.

ـ "مش بس أطماع يا منصور بيه،" قالت ليلى وهي تضع الملف على الطاولة بحدة. "ده تواطؤ. فيه ناس من وسطنا، من عشيرتنا، كانت بتفتح الأبواب للسيوفي مقابل وعود بـ نفوذ وأراضي."

صمت الجميع. كانت هذه هي الضربة القاضية للاستقرار الوهمي الذي عاشوه. قاسم، الذي كان يثق في رجاله كأنهم يده اليمنى، شعر بغصة في حلقه. الرومانسية بينه وبين ليلى لم تكن فقط مشاعر، بل كانت شراكة في إدارة هذا العرين وحمايته من "العدو الداخلي".

اقتربت ليلى منه، وضعت يدها على كتفه في إشارة دعم.

ـ "المعركة دي مش بالسلاح يا قاسم، دي بالعدل والحكمة. لازم نواجههم، ونعرف مين اللي باع دمه بـ بخس."

ـ "وهنواجههم،" رد قاسم وهو ينهض، عيناه تلمعان بتصميم. "بس مش هانظلم حد. ليلى، عايزك تراجعي الأسماء دي بنفسك، سليم هيمسك التحريات، وأنا هأواجههم واحد واحد في مجلس النجع."

خرج قاسم وليلى من السرايا، يسيران جنباً إلى جنب في ساحة النجع. الهواء كان نقياً، ورائحة الأرض المبللة بالندى تبعث على الأمل. رغم كل التحديات، كانت نظرة قاسم لليلى تحمل وعوداً كثيرة. توقفا عند حافة السرايا المطلة على مزارعهم الواسعة.

ـ "عارفة يا ليلى؟" قال وهو ينظر للأفق، "الحلم اللي حلمته كان بيحذرني من حاجة واحدة.. إني أنشغل عنك وعن بيتنا بالحروب وننسى نعيش حياتنا."

ضحكت ليلى بخفوت، ومالت برأسها على كتفه.

ـ "الحياة بتبدأ دلوقتي يا قاسم. والبداية دي محتاجة صبر وقوة، وإحنا عندنا الاتنين."

لكن، وبينما كانا يهمان بالعودة للداخل، ركض نحوهما أحد الحراس وهو يلهث، وبيده رسالة مختومة بختمٍ قديم جداً، ختم لم يره قاسم منذ أن كان صغيراً، ختم "جده الأكبر".

ـ "يا قاسم بيه! الرسالة دي وصلت مع واحد غريب وطلع يجري، ومكتوب عليها 'للسلطان وقسيمته.. الحقيقة اللي مدفونة في قبو السرايا'!"

أخذ قاسم الرسالة، وفتحها بسرعة. وما إن وقعت عيناه على الكلمات المكتوبة، حتى شحب لونه تماماً، وتصلبت يده وهو يمسك بالورقة. لم تكن تهديداً، بل كانت كشفاً لسرٍ عائليٍ قديم يخص والدته الحاجة نبيلة، سراً يمكنه أن يقلب موازين القوة في النجع تماماً، ويجعل كل أعدائهم يتساقطون أمامه.. ولكن بشرطٍ واحد مرعب.

نظر قاسم لليلى بصدمة، ووجد ليلى تنظر للورقة وهي ترتجف، وقبل أن ينطق أحدهما بكلمة، سمعا صوت صراخ قادم من قبو السرايا، وكأن شيئاً ما.. أو أحداً ما، كان ينتظرهم هناك ليفتح الباب الذي لم يُفتح منذ قرن!

كان الصدى الذي تردد من جوف القبو ليس صرخة بشرية، بل كان أقرب إلى هديرِ معدنٍ قديمٍ يُفتح لأول مرة بعد دهور. تجمدت الدماء في عروق قاسم، ليس خوفاً، بل لأن الرسالة في يده بدأت تتلاشى حروفها المكتوبة بالحبر الأسود وتتحول إلى رموزٍ نحاسية لامعة، وكأنها قطعة من "مفتاح" مفقود.

نظرت ليلى إلى عيني قاسم، كانت عيناها تلمعان ببريق العزيمة الصعيدية التي لا تنكسر. ضغطت على كفه، وقالت بنبرةٍ خافتةٍ لكنها حازمة:

ـ "السر اللي مستنينا تحت، يا قاسم، مش ممكن يكون مجرد ورقة أو دهب. الحكاية بدأت من يوم ما نبيلة الراوي دخلت الدار دي، والنهاردة الحكاية دي لازم تنتهي."

في دهاليز القبو المظلمة

نزل قاسم وليلى، وخلفهما سليم الذي كان يحمل مصباحاً يدوياً قوياً. كانت رائحة المكان غريبة؛ مزيج من رمال الصحراء الجافة وعبق بخورٍ نادر يُستخدم في المباخر الملكية القديمة. كلما اقتربوا من العمق، كان الصدى يزداد وضوحاً، حتى وصلوا إلى بابٍ خشبي ضخم مغطى بطبقاتٍ سميكة من الغبار، ومحفورٌ عليه شجرة العائلة للراوي، لكن بجذورٍ متشابكة مع رموزٍ غريبة لم يسبق لأحدٍ في النجع رؤيتها.

دفع قاسم الباب بجسده العريض، وانفتح ليُكشف لهم عن "غرفةٍ سريّة" تختلف كلياً عما تخيلوه. لم تكن مخزناً للسلاح، بل كانت مكتبةً ضخمة تحتوي على مخطوطاتٍ أثرية، وفي الوسط كان يجلس هيكلٌ خشبيٌ مغطى بقطعةٍ من القماش المخملي العتيق.

تقدم قاسم بحذر، وسحب القماش ليكشف عن "تمثالٍ نصفي" لامرأةٍ تشبه ملامح الحاجة نبيلة إلى حدٍ مذهل، ولكن بزيٍ ملكيٍ قديمٍ جداً. كانت هناك لوحةٌ زيتية بجانب التمثال تصورُ معركةً خاضتها عائلة الراوي منذ مائة عام، معركة لم يذكرها أي مؤرخ، معركة دافعوا فيها عن "وثيقة أرضٍ" تعطي عائلة الراوي السيادة ليس فقط على النجع، بل على ممرٍ تجاريٍ سريٍ يربط الصعيد بالبحر.

ـ "دي مش مجرد حكاية عيلة،" همس سليم وهو يتفحص المخطوطات بذهول، "دي خريطة سيادة. لو الورقة اللي في إيد قاسم بتثبت إن أرض النجع دي بتتبع عائلتنا بمرسومٍ ملكيٍ قديم لا يسقط بالتقادم، يبقى كل اللي بيحاولوا يسيطروا على أراضينا حوالين النجع بيشتغلوا بشكل غير قانوني!"

المواجهة العاطفية والاجتماعية

بينما كان سليم ينغمس في دراسة الأوراق، كانت ليلى تقف أمام التمثال، تشعر بشيءٍ يربطها به. شعرت بلمسةٍ خفيفة على كتفها، التفتت لتجد الحاجة نبيلة واقفةً عند مدخل الغرفة، وعيناها تلمعان بدموعِ سنواتٍ من الكتمان.

ـ "كان لازم تعرفوا،" قالت نبيلة بصوتٍ هز أركان الغرفة. "أنا مش مجرد أم لقاسم. أنا حفيدة صاحبة المكان ده، وأنا اللي شلت العهد ده طول عمري عشان أحميكم من طمع الغرباء اللي عارفين إن الراوي لو ملك الأرض دي بالوثائق الرسمية، ع يسيطروا على كل شرايين التجارة في المنطقة."

اقترب قاسم من والدته، وانحنى ليقبل رأسها، بينما ذابت كل الحواجز التي وضعها "الكابوس" الذي مروا به. لم يكن هناك أعداء خارجيون في هذه اللحظة، كان هناك فقط عائلة تحاول استعادة هويتها المسلوبة.

ـ "يا أما،" قال قاسم، "ليه سكتّي كل السنين دي؟ كان ممكن نحمي نفسنا ببدري."

أجابت بنبرةٍ حزينة: "الخوف مش من الناس يا ولدي، الخوف من إن الناس تعرف قوتك وتستخدمها ضدك. كنت عاوزاكم تعيشوا كبشر، مش كرهائن لورقة!"

الخيانة التي لم تُحسب

فجأة، اهتزت الغرفة، وسمعوا صوت خطواتٍ ثقيلة قادمة من الأعلى. لم تكن خطوات الحراس، بل كانت خطواتٍ مألوفة، خطوات "منصور الراوي" الأب. لكنه لم يأتِ وحده؛ كان برفقته "محامي النجع الكبير"، الرجل الذي كان يثق فيه قاسم كأنه أخوه، الرجل الذي كان يمسك بكل أوراقهم القانونية.

دخل منصور الغرفة، وملامحه كانت غريبة، غير طبيعية. قال بصوتٍ رتيب:

ـ "قاسم.. يا ولدي.. الوقت فات. المحامي ده معاه أمر استيلاء قضائي على القبو ده، وباسم القانون.. العيلة دي فقدت الحق في امتلاك الأراضي دي من ساعة ما حلفوا يمين الولاء لـ.. "

سكت منصور فجأة، وتصلب جسده. نظر المحامي لقاسم بابتسامةٍ صفراء، وقال:

ـ "قاسم بيه، الوثيقة اللي في إيدك دي تعتبر تزوير في نظر النيابة لو ما سلمتهاش دلوقتي. والبيت ده بأمر المحكمة ع يتم إخلاؤه خلال ساعة، والمستندات دي ع تتصادر."

رومانسية وسط نيران العاصفة

في ذروة هذا التوتر، كانت ليلى تقف بجانب قاسم، تمسك بيده بقوة. كانت تعلم أن هذه هي اللحظة التي سيتحدد فيها مصيرهم. اقتربت من قاسم وهمست في أذنه:

ـ "قاسم، الورقة دي مش تزوير. دي أصل الحق، والمحامي ده بيترعش وهو بيتكلم. لو فقدنا أعصابنا دلوقتي، هنخسر كل حاجة. قولي إنك تثق فيا، وإننا ع نخرج من هنا ومعانا الحق، مش بس الأرض."

نظر قاسم إليها، وفي لحظةٍ عاطفية نادرة وسط هذه الضوضاء، ابتسم قاسم لليلى ابتسامةً دافئة، وقال بصوتٍ مسموع:

ـ "أنا ما بثقش في حد في الدنيا دي غير فيكي يا ليلى. الأرض بتروح وتيجي، بس العيلة والعهد اللي بيننا هو اللي باقي."

تقدم قاسم خطوةً للأمام، ونظر في عيني المحامي بكل شموخ الصعيد:

ـ "القانون اللي بتتكلم عنه ليه وجهين، وأنا النهاردة ع أظهر لكم الوش التاني. سليم، افتح الملفات الرقمية اللي لقيناها، ووريهم إن 'الاستيلاء' ده مالهوش أي أساس قانوني، وأن 'الجهة' اللي بعتاك تسرق الأرض دي هي نفسها اللي قتلت أجدادي!"

الخاتمة المشوقة

في تلك اللحظة، قام سليم بتشغيل جهاز العرض، وظهرت صورٌ ومكالماتٌ مسجلة للمحامي وهو يتلقى أوامر من "جهة مجهولة" بقتل قاسم. تحول وجه المحامي إلى شحوبٍ كامل، وحاول الهروب، لكن رجال قاسم كانوا قد طوقوا الغرفة.

لكن، وقبل أن يُنطق بأي حكم، انطفأت الأنوار في السرايا بالكامل. ساد ظلامٌ دامس، وفجأة، سمعوا صوت انفجارٍ مكتوم من تحت أقدامهم في القبو! انشقت الأرض بفتحةٍ واسعة، وخرج منها ضوءٌ أبيض ساطع، ليس ضوءاً عادياً، بل ضوءٌ جعل القبو بأكمله يتهاوى، وظهر من داخل تلك الفتحة رجلٌ يرتدي ملابس عسكرية غريبة، ومعه ملفٌ عليه شعار "الراوي" نفسه، لكنه شعارٌ لا يُشبه الذي يعرفونه.

صاح الرجل بصوتٍ يملأ المكان: "السلطان قاسم الراوي.. أنت مُستدعى للمحاكمة بتهمة خيانة 'العهد الكوني' للعائلة.. والشهود هم كل من ماتوا في سبيل حماية هذا القبو!".. ثم سحب الرجل "قاسم" من يده ودفعه نحو الفتحة المضيئة، بينما ليلى تصرخ "قاسم!!" وهي تحاول اللحاق به، لكن الأرض انطبقت بسرعة البرق، لتجد ليلى نفسها وحدها في القبو، وبيدها قطعةٌ من "ملابس قاسم" الممزقة، وأمامها رجلٌ غريب غامض يقول لها ببرود: "دوري على الحقيقة في الجبل الشرقي، وإلا قاسم مش هيرجع أبداً!"

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

  • وردة في عرين السلطان   سلطانة العرين الأصلية

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."

  • وردة في عرين السلطان   الخونة في الداخل

    لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status