Home / التشويق / الإثارة / وريثة باريس / الفصل السابع عشر: ما اخفته مادلين

Share

الفصل السابع عشر: ما اخفته مادلين

Author: Celesta Voil
last update publish date: 2026-07-15 03:36:34

##الفصل السابع عشر

#ما أخفته مادلين

أغمضت مادلين عينيها للحظة، كأنها تحاول أن تعود بذاكرتها إلى زمن كانت تتمنى لو استطاعت محوه من حياتها. بدا واضحًا أن كل كلمة ستنطق بها ستنتزع منها جزءًا من تلك الذكرى التي حملتها بصمت لسنوات طويلة.

تنفست ببطء، ثم رفعت رأسها قليلًا.

"قبل الحريق... بثلاثة أيام."

انخفض صوتها عند الجملة الأخيرة، حتى كاد يضيع وسط السكون الذي خيّم على المكتبة لم تتعجلها أوديت وقفت في مكانها، وعيناها مثبتتان على وجه مادلين، تخشى أن تقاطعها فتضيع منها تفصيلة قد تكون مفتاحًا لكل ما تبحث عنه.

أما لوسيان، فظل جالسًا بصمت، إلا أن نظرته لم تغادر مادلين لحظة واحدة. لم يكن في ملامحه ما يكشف عما يدور في داخله، لكنه بدا منصتًا إلى أبعد حد، وكأنه يعرف أن ما سيُقال الآن ليس مجرد ذكرى قديمة، بل قطعة مفقودة من الحقيقة.

تابعت مادلين بعد صمت قصير: "في ذلك اليوم... جاء رجل إلى القصر."

خرجت الجملة ببطء، كأنها ما زالت ترى ذلك المشهد أمامها انعقد حاجبا أوديت قليلًا، لكنها لم تتكلم انتظرت كانت تعلم أن مقاطعة الذكرى قد تجعلها تتوقف.

مرت لحظات قبل أن تسأل بهدوء: "من كان؟"

هزت مادلين رأسها بأسف "لا أعرف اسمه."

ترددت، ثم أضافت وهي تخفض بصرها إلى يديها المتشابكتين: "لم أكن قد رأيته من قبل... ولم أره مرة أخرى بعد ذلك اليوم."

ساد الصمت مجددًا لم يكن صمتًا فارغًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يجعل كل شخص في الغرفة ينتظر الكلمة التالية وكأنها ستغيّر كل شيء أخذت مادلين نفسًا عميقًا، ثم رفعت عينيها ببطء.

"لكنني رأيت شيئًا... لم أره في حياتي كلها."

توقفت لبرهة، وكأنها ما زالت تجد صعوبة في تصديق ما رأته، رغم مرور كل تلك السنوات ثم قالت بصوت خافت: "رأيت السيد هنري... خائفًا."

تجمدت أوديت شعرت وكأن الكلمات فقدت معناها للحظة هنري لوران...جدها الرجل الذي طالما وصفه الجميع بالحكمة، ورباطة الجأش، والقدرة على مواجهة أصعب المواقف دون أن تهتز له نظرة في كل الرسائل التي قرأتها، وفي كل الذكريات التي سمعتها عنه، لم يسبق لأحد أن وصفه بالخوف.

لهذا بدت الجملة نفسها مستحيلة حدقت في مادلين طويلًا، تبحث في وجهها عن أي علامة توحي بأنها أساءت التذكر لكنها لم تجد وجدت فقط امرأة أثقلتها الذكريات، وما عادت تملك سببًا لإخفائهاخرج صوت أوديت أخيرًا، أهدأ مما توقعت هي نفسها: "جدي... كان خائفًا؟"

رفعت مادلين رأسها، وأومأت ببطء "نعم."

لم تكن الإجابة طويلة لكن وقعها كان كافيًا ليملأ المكتبة بثقل لم يشعر به أحد قبل تلك اللحظة أما لوسيان… فلم يتحرك ظل جالسًا في مكانه، إلا أن أصابعه انقبضت ببطء فوق حافة المقعد، في حركة صغيرة لا تكاد تُلاحظ.

كانت عيناه ثابتتين على مادلين، بينما ارتسم في أعماقهما شيء عابر...شيء يشبه ذكرى قديمة حاول دفنها طويلًا تابعت مادلين حديثها بعدما استعادت شيئًا من هدوئها: "كنت أمر من الممر المؤدي إلى المكتب."

توقفت قليلًا، وكأنها تستعيد تفاصيل المكان أمامها "ولم أكن أقصد التنصت... لكن باب المكتب لم يكن مغلقًا بالكامل."

خفضت عينيها في شيء من الحرج، ثم أكملت: "سمعت صوتيهما يرتفعان."

لم تقل إنهما كانا يصرخان لكن نبرة صوتها أوحت بأن ما دار خلف ذلك الباب لم يكن نقاشًا عاديًا. "كانا يتجادلان..." همست بها "بحدة."

شعرت أوديت بأن أنفاسها أصبحت أبطأ كل تفصيلة جديدة كانت تجعل الصورة أكثر تعقيدًا سألت، دون أن تخفي فضولها هذه المرة: "عمّ كانا يتحدثان؟"

تنهدت مادلين، ثم أغمضت عينيها لحظة قصيرة، كأنها تستمع من جديد إلى الأصوات التي ما زالت عالقة في ذاكرتها.

"سمعت الرجل يذكر ملفًا..." قالتها ببطء.

"ثم بدأ الحديث عن أطفال." توقفت.

وبدت الكلمة الأخيرة كأنها أثقل من أن تُقال ارتفع حاجبا أوديت تلقائيًا.

"أطفال؟" همست بها، أكثر مما سألتها.

أومأت مادلين مرة أخرى ثم رفعت بصرها إليها مباشرة، وكأنها تعرف أن ما ستقوله بعد هذه اللحظة لن يكون سهلًا على أحد.

"نعم..." سكتت لحظة ثم أردفت، بصوت خافت لكنه واضح: "كنتِ أنتِ... ولوسيان."

لم تتحرك أوديت بقيت تنظر إلى مادلين، وكأنها لم تسمع الكلمات كما ينبغي أو لعل عقلها رفض أن يستوعبها من المرة الأولى كانت الجملة قصيرة... لكنها هزّت شيئًا في داخلها "كنتِ أنتِ... ولوسيان." ترددت الكلمات في أرجاء المكتبة، ثم استقرت في الصمت الذي أعقبها، حتى بدا وكأن الجدران نفسها تحتفظ بوقعها.

عقدت أوديت حاجبيها ببطء، وقد انعقدت في ذهنها عشرات الأسئلة دفعة واحدة هي... ولوسيان؟ ما الذي قد يجمع طفلين لم يتجاوزا سنواتهما الأولى، حتى يصبح وجودهما سببًا لشجار بين رجلين بالغين؟

رفعت رأسها قليلًا، وعيناها لا تفارقان مادلين خرج صوتها بالكاد مسموعًا: "ماذا... تقصدين؟"

لم تُجب مادلين مباشرة خفضت بصرها إلى يديها، وأخذت تفرك أصابعها بتوتر، كما لو أن الذكرى ما زالت تؤلمها رغم مرور كل تلك السنوات.

ثم قالت بصوت هادئ: "لا أعرف الحقيقة كاملة."

تنهدت، وأتبعت كلماتها بنبرة يغلب عليها الأسف "أقسم لكِ أنني لا أعرف."

رفعت عينيها إلى أوديت من جديد "كل ما سمعته... كان أجزاءً من الحديث."

ساد صمت قصير، ثم تابعت: "لكنني سمعت الرجل يقول إن وجودكما معًا... يشكل خطرًا."

توقفت للحظة، وكأنها تستعيد العبارة حرفًا حرفًا كانت حريصة على ألا تغيّر منها شيئًا ثم أضافت: "وقال أيضًا... إن أحدكما لا يجب أن يعرف الحقيقة أبدًا." ما إن انتهت من جملتها، حتى خيّم الصمت على المكان من جديد لم يكن أحد مستعدًا لما سمعه شعرت أوديت بقشعريرة باردة تسري في جسدها، رغم دفء المكتبة تسللت العبارة إلى داخلها ببطء، ثم بدأت تثير في ذهنها عشرات الاحتمالات.

**وجودكما معًا يشكل خطرًا.**

لماذا؟ وما الحقيقة التي لا يجب أن يعرفها أحدهما؟ وهل كان المقصود هي؟

أم لوسيان؟ التفتت نحوه دون أن تشعر كان لا يزال جالسًا في مكانه، لكن شيئًا في ملامحه تبدل.

لم يكن التغير واضحًا لمن لا يعرفه أما هي، وبعد الأيام التي أمضتها معه، استطاعت أن تلاحظ تلك التفاصيل الصغيرة شدّ فكه قليلًا واستقرت عيناه في نقطة بعيدة، لا على مادلين ولا عليها، بل كأنهما تنظران إلى ذكرى لا يراها سواه.

بدا للحظة... وكأنه يحاول الإمساك بشيء أفلت من ذاكرته منذ زمن أو ربما...يحاول الهرب منه لم يقل شيئًا ولم يقاطع مادلين لكن الصمت الذي أحاط به كان كافيًا ليخبر أوديت أن الكلمات لم تمر عليه مرورًا عاديًا.

التفتت إلى مادلين مرة أخرى كانت الأسئلة تتزاحم في رأسها، لكنها شعرت أن المرأة العجوز لم تنهِ ما لديها بعد ولم تخطئ إحساسها فقد رأت مادلين تمد يدها ببطء نحو جيب مئزرها كانت حركتها مترددة، وكأنها تخرج شيئًا احتفظت به سنوات طويلة، ولم تتخيل يومًا أنها ستضطر إلى كشفه.

أخرجت مغلفًا صغيرًا، اصفرّ لونه بفعل الزمن، وكانت حوافه مهترئة من كثرة ما فُتح وأُغلق تأملته للحظة بصمت ثم أخرجت منه صورة فوتوغرافية قديمة كانت ممسوكة بعناية شديدة، كما لو أنها تخشى أن تتفتت بين أصابعها.

مدّت يدها ببطء ووضعتها فوق الطاولة انزلقت الصورة فوق الخشب المصقول حتى استقرت أمام أوديت اقتربت أوديت بخطوة ثم أخرى مدّت يدها، والتقطت الصورة بحذر وما إن وقعت عيناها عليها... حتى اتسعتا بدهشة واضحة.

كانت صورة لطفلين طفلة صغيرة ذات شعر نحاسي، تجلس على حافة نافورة حجرية، وإلى جوارها طفل في العمر نفسه تقريبًا، يبتسم وهو ينظر إليها.

لم تكن بحاجة إلى وقت طويل لتتعرف إلى ملامحهما هي...ولوسيان أخذت تتأمل الصورة بصمت كانت ابتسامتها في الصورة عفوية، خالية من أي خوف أو حيرة ضحكة طفلة لا تعرف شيئًا عن الوصايا، ولا الحرائق، ولا الأسرار التي ستلاحقها بعد سنوات.

انتقل بصرها إلى الطفل الجالس بجوارها كان يبتسم بالطريقة نفسها ابتسامة صافية، لم يبقَ منها شيء في الرجل الهادئ الجالس الآن على بعد خطوات منها شعرت بشيء ينقبض داخل صدرها.

لم تكن تتذكر هذه اللحظة ولا النافورة ولا ذلك اليوم ومع ذلك... لم تستطع أن تنكر الإحساس الغريب الذي اجتاحها وهي تنظر إلى الصورة إحساس دافئ، بعيد، يصعب تفسيره كأن قلبها تذكر شيئًا...سبق لذاكرتها أن نسيته.

**نهاية الفصل السابع عشر **

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وريثة باريس   الفصل الثامن عشر

    ##الفصل الثامن عشرظلّت أوديت تحدّق في الصورة بصمت، كأنها تخشى أن يبدّد أي صوت هشاشة تلك اللحظة. مرّرت إبهامها برفق على حافتها الباهتة، بحركة غريزية أشبه بملامسة ذكرى بعيدة، بينما كان الورق العتيق يحمل آثار الزمن بوضوح؛ ألوانه بهتت، وأطرافه اصفرّت، لكن ملامح الطفلين بقيت واضحة بما يكفي لتُعرَفا.حاولت أن تتذكر أغمضت عينيها لثوانٍ، مستسلمة لذلك الفراغ الذي يسبق انبثاق الذكريات. بحثت في أعماقها عن أي شيء... صوت ضحكة، رائحة الحديقة، خرير ماء النافورة، أو حتى ومضة عابرة من ذلك اليوم لكن لم يأتِ شيء.وحين فتحت عينيها مجددًا، لم تجد سوى الصورة بين يديها... وصمت ذاكرتها همست بصوت خافت، بدا أقرب إلى اعتراف مؤلم منه إلى إجابة:"لا أتذكرها..."ثم رفعت رأسها ببطء نحو مادلين، وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها."لا أتذكر أنني التقيت لوسيان عندما كنت صغيرة."أطرقت مادلين برأسها، وانعكست الحسرة في عينيها قبل أن تجيب برقة:"كان عمركما صغيرًا جدًا."توقفت لحظة، ثم أضافت بابتسامة شاحبة سرعان ما اختفت:"مرت سنوات طويلة منذ ذلك اليوم."عادت أوديت إلى الصورة، وكأنها تأمل أن تمنحها ما عجزت عنه ذاكرتها تأملت تف

  • وريثة باريس   الفصل السابع عشر: ما اخفته مادلين

    ##الفصل السابع عشر#ما أخفته مادلينأغمضت مادلين عينيها للحظة، كأنها تحاول أن تعود بذاكرتها إلى زمن كانت تتمنى لو استطاعت محوه من حياتها. بدا واضحًا أن كل كلمة ستنطق بها ستنتزع منها جزءًا من تلك الذكرى التي حملتها بصمت لسنوات طويلة. تنفست ببطء، ثم رفعت رأسها قليلًا. "قبل الحريق... بثلاثة أيام."انخفض صوتها عند الجملة الأخيرة، حتى كاد يضيع وسط السكون الذي خيّم على المكتبة لم تتعجلها أوديت وقفت في مكانها، وعيناها مثبتتان على وجه مادلين، تخشى أن تقاطعها فتضيع منها تفصيلة قد تكون مفتاحًا لكل ما تبحث عنه. أما لوسيان، فظل جالسًا بصمت، إلا أن نظرته لم تغادر مادلين لحظة واحدة. لم يكن في ملامحه ما يكشف عما يدور في داخله، لكنه بدا منصتًا إلى أبعد حد، وكأنه يعرف أن ما سيُقال الآن ليس مجرد ذكرى قديمة، بل قطعة مفقودة من الحقيقة. تابعت مادلين بعد صمت قصير: "في ذلك اليوم... جاء رجل إلى القصر." خرجت الجملة ببطء، كأنها ما زالت ترى ذلك المشهد أمامها انعقد حاجبا أوديت قليلًا، لكنها لم تتكلم انتظرت كانت تعلم أن مقاطعة الذكرى قد تجعلها تتوقف. مرت لحظات قبل أن تسأل بهدوء: "من كان؟" هزت مادل

  • وريثة باريس   الفصل السادس عشر : ما أخفته مادلين

    ## الفصل السادس عشر# ما أخفته مادلين تسللت خيوط الصباح الأولى إلى المكتبة بخجل، بعدما انقشعت الغيوم التي غطت السماء طوال الليل. عبر الضوء الزجاج الطويل للنوافذ، وانعكس فوق الأرضية الخشبية اللامعة، ليرسم خطوطًا ذهبية امتدت بهدوء بين الطاولة والأريكة، بينما كانت آخر قطرات المطر تنساب ببطء على الزجاج قبل أن تسقط إلى الحديقة. لم يبقَ من المدفأة سوى جمرات متوهجة، تنبض بلون أحمر خافت، ترسل دفئًا خفيفًا يكفي لأن يمنع برودة الفجر من التسلل إلى أرجاء المكتبة. تحركت أوديت قليلًا عقدت حاجبيها وهي تشعر بثقل لطيف يستقر فوق كتفيها فتحت عينيها ببطء، ولم تستوعب في البداية أين هي. بقيت تحدق في السقف لثوانٍ، تحاول أن تستعيد آخر ما تتذكره. المكتبة...الأوراق... دفتر يوميات جدها... وصورة الرجل السادس تذكرت أنها كانت تقرأ، ثم... انقطع كل شيء اعتدلت قليلًا في جلستها، فانزلقت البطانية عن أحد كتفيها. توقفت أنزلت بصرها إليها مررت أطراف أصابعها فوق نسيجها الصوفي الناعم، وكأنها تتحقق من أنها ليست جزءًا من حلم ما زالت عالقة فيه. لم تكن قد أحضرتها معها كانت متأكدة من ذلك رفعت رأسها ببطء، وأخذت تتأمل ال

  • وريثة باريس   الفصل الخامس عشر : تقارب خفي

    ## الفصل الخامس عشر # تقارب خفي ازدادت حدة المطر مع مرور الوقت لم يعد مجرد خلفية هادئة، بل صار جزءًا من المكان؛ يملأ الفراغات بين الكلمات، ويغسل بصوته الثقيل الصمت الذي عاد ليستقر في المكتبة. ارتفعت ألسنة اللهب داخل المدفأة، فأطلقت دفئًا لطيفًا امتزج برائحة الخشب المحترق والكتب القديمة، تلك الرائحة التي لا توجد إلا في الأماكن التي احتفظت بذكريات أكثر مما احتفظت بالبشر. لم يعد يُسمع سوى صوت تقليب الصفحات وصوت قلم أوديت وهو يتحرك فوق دفتر ملاحظاتها بين الحين والآخر، كانت تدون كلمة، ثم تشطبها بعد ثوانٍ، وكأنها حتى لم تعد تثق بأفكارها. أعادت ترتيب الصور أمامها للمرة العاشرة وضعت صورة الرجل السادس إلى جانب رسالة جدها الأخيرة، ثم بجوار قائمة الأسماء التي عثرت عليها قبل يومين. لا شيء. . . لا شيء يربط بينها بطريقة واضحة وذلك ما كان يقتلها لو كانت الأدلة متناقضة لوجدت سبيلًا لفهمها لكنها كانت تبدو... ناقصة كأن أحدهم تعمد أن يترك لها نصف الحقيقة فقط عضّت طرف قلمها وهي تحدق في الأوراق ثم همست لنفسها: "هناك شيء لا أراه..." رفعت صورة أخرى أمام الضوء قلبتها تفحصت ظهرها أعادت النظر في ا

  • وريثة باريس   الفصل الرابع عشر : شكوك

    # الفصل الرابع عشر## شكوك**اليوم السابع منذ قراءة الوصية**كان الليل قد ابتلع آخر خيوط المساء منذ ساعات، ولم يبقَ في الخارج سوى المطر.لم يكن يهطل بعنف، بل بإصرار هادئ، كأنه يعرف أن القصور القديمة تحتفظ بأسرارها أفضل حين ترافقها السماء بالبكاء. كانت قطرات الماء ترتطم بالنوافذ الزجاجية العالية بإيقاع منتظم، بينما كانت الرياح تداعب أغصان الأشجار العتيقة المحيطة بقصر لوران، فتطلق بين الحين والآخر أنينًا خافتًا يشبه همسات أشباح عالقة في الماضي.في الداخل، كانت المكتبة تغرق في دفء المدفأة الحجرية.لهيبها البرتقالي كان ينعكس على رفوف الكتب الممتدة حتى السقف، فيرسم ظلالًا متراقصة فوق المجلدات الجلدية القديمة، وكأن التاريخ نفسه يتحرك بين تلك الجدران.جلسَت أوديت وحدها إلى الطاولة الطويلة التي تتوسط المكتبة.أمامها كانت الفوضى تفرض سيادتها؛ رسائل صفراء أكل الزمن أطرافها، صور فوتوغرافية باهتة، قصاصات جرائد، ملاحظات كتبتها بخط يدها، ودفتر صغير امتلأت صفحاته بالأسئلة أكثر من الإجابات.منذ أسبوع كامل، لم يعد هذا المكان مجرد مكتبة بالنسبة لها بل أصبح غرفة تحقيق ومتاهة وساحة حرب تخوضها ضد ماضٍ يرف

  • وريثة باريس   الفصل الثالث عشر : الرجل السادس

    # الفصل الثالث عشر ## الرجل السادس **اليوم السادس منذ قراءة الوصية** لم تنم أوديت تلك الليلة. في الحقيقة... لم تستطع. كلما أغلقت عينيها ظهر أمامها الجدار الحجري. والصورة. والوجه الممزق. والعبارة المكتوبة أسفله. > **"ابحثوا عن الرجل السادس."** كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما استسلمت أخيرًا لفكرة النوم مستحيل. نهضت من سريرها. وفتحت نافذة غرفتها. دخل هواء باريس البارد. حاملًا معه رائحة المطر. وقفت تنظر إلى حدائق القصر المظلمة. محاولة ترتيب أفكارها. لكن الأسئلة كانت أكثر من أن تُرتب. من هو الرجل السادس؟ ومن مزق وجهه من الصورة؟ ولماذا يريد شخص ما أن يجبرها على البحث عنه؟ والأهم... لماذا شعرت أن الجميع يعرفون شيئًا عنه عداها؟ --- في صباح اليوم التالي... اجتمع الجميع في مكتبة القصر. كانت الطاولة ممتلئة بالصور والرسائل واليوميات. وكأنها غرفة تحقيق حقيقية. جلست أوديت أمام الصورة الكبيرة. تحدق في المكان الذي كان يجب أن يظهر فيه الرجل السادس. لكن كل ما بقي كان تمزيقًا متعمدًا. كأن شخصًا ما أراد محو وجوده بالكامل. دخل لوسيان وهو يحمل فنجانين من القهوة. و

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status