登入## الفصل الخامس عشر
# تقارب خفي ازدادت حدة المطر مع مرور الوقت لم يعد مجرد خلفية هادئة، بل صار جزءًا من المكان؛ يملأ الفراغات بين الكلمات، ويغسل بصوته الثقيل الصمت الذي عاد ليستقر في المكتبة. ارتفعت ألسنة اللهب داخل المدفأة، فأطلقت دفئًا لطيفًا امتزج برائحة الخشب المحترق والكتب القديمة، تلك الرائحة التي لا توجد إلا في الأماكن التي احتفظت بذكريات أكثر مما احتفظت بالبشر. لم يعد يُسمع سوى صوت تقليب الصفحات وصوت قلم أوديت وهو يتحرك فوق دفتر ملاحظاتها بين الحين والآخر، كانت تدون كلمة، ثم تشطبها بعد ثوانٍ، وكأنها حتى لم تعد تثق بأفكارها. أعادت ترتيب الصور أمامها للمرة العاشرة وضعت صورة الرجل السادس إلى جانب رسالة جدها الأخيرة، ثم بجوار قائمة الأسماء التي عثرت عليها قبل يومين. لا شيء. . . لا شيء يربط بينها بطريقة واضحة وذلك ما كان يقتلها لو كانت الأدلة متناقضة لوجدت سبيلًا لفهمها لكنها كانت تبدو... ناقصة كأن أحدهم تعمد أن يترك لها نصف الحقيقة فقط عضّت طرف قلمها وهي تحدق في الأوراق ثم همست لنفسها: "هناك شيء لا أراه..." رفعت صورة أخرى أمام الضوء قلبتها تفحصت ظهرها أعادت النظر في التواريخ المكتوبة عليها ثم زفرت بضيق."مستحيل..." في الجهة المقابلة، رفع لوسيان عينيه عنها للحظة لم يقل شيئًا لكنه لاحظ الطريقة التي بدأت بها تحرك كتفيها بتوتر، والطريقة التي كانت تمرر بها يدها بين خصلات شعرها كل بضع دقائق. كان يعرف هذا النوع من الإرهاق حين يعمل العقل أسرع من قدرته على الاحتمال عاد إلى ملفه بصمت لم يكن من عادته التدخل ولم يكن يظن أن أوديت ستتقبل أي نصيحة منه أصلًا. مرت دقائق أخرى بدأت عقارب الساعة القديمة المعلقة على الجدار تعلن مرور الوقت بدقات عميقة، ثقيلة، كأنها تذكرهما بأن الليل أوشك على الانتهاء بينما الحقيقة ما زالت بعيدة. تثاءبت أوديت دون أن تشعر رفعت يدها بسرعة لتخفي ذلك، ثم نظرت حولها بحرج، وكأن أحدًا قد ضبطها متلبسة بارتكاب خطأ. سمعت صوتًا هادئًا يأتي من الجهة الأخرى."يمكنكِ النوم." رفعت رأسها فورًا "أنا لست نائمة." قالتها بسرعة جعلت لوسيان يغلق الملف وينظر إليها لأول مرة منذ دقائق. "لم أقل إنك نائمة." أطبقت شفتيها."كنت أقصد... لن أنام لا أشعر بالنعاس." أمال رأسه قليلًا "ولكنني لا أرى ذلك." رمقته بنظرة ضيقة."هل تستمتع باستفزازي؟" فكر للحظة، ثم قال بصدق أربكها: "أحيانًا." حدقت فيه هزت رأسها باستسلام وهي تتمتم:"شخص مستفز..." سمعها لكنه اختار ألا يعلق عاد كل منهما إلى عمله ومع مرور الوقت، بدأت حركة أوديت تتباطأ شيئًا فشيئًا لم تعد تقلب الصفحات بالحماس نفسه وصارت تقرأ السطر الواحد أكثر من مرة. ثم تعود إلى بدايته ثم تكتشف أنها لم تفهم كلمة واحدة أغمضت عينيها لثوانٍ عندما فتحتهما مجددًا، بدت الكلمات كأنها تسبح فوق الورقة. مسحت وجهها بكفيها "ركزي..." همست لنفسها "ليس الآن." تناولت دفتر يوميات جدها. فتحته عند الصفحة التي توقفت عندها بدأت تقرأ لكن السطور أخذت تتداخل أمامها الحروف أصبحت ضبابية وكأن الحبر نفسه يذوب فوق الورق. أخذت نفسًا عميقًا حاولت مجددًا وفشلت استندت بمرفقيها إلى الطاولة وضعت جبينها بين يديها "دقيقة واحدة فقط..." قالتها وهي تغمض عينيها. "ثم سأكمل." كانت مقتنعة أنها لن تستغرق أكثر من دقيقة لكن جسدها، الذي تجاهلت إرهاقه طوال الأسبوع، كان قد اتخذ قراره. استرخى رأسها ببطء فوق ذراعها وانزلقت خصلات شعرها النحاسي لتغطي جزءًا من وجهها وبينما كانت أصابعها لا تزال تستقر فوق الصفحة المفتوحة... سرقها النوم بهدوء. مرت عدة دقائق رفع لوسيان نظره عن الملف، متوقعًا أن يسمع تعليقًا ساخرًا أو سؤالًا جديدًا لكن المكتبة كانت ساكنة على غير عادتها. عبس قليلًا منذ أن جاءت أوديت إلى هذا القصر، لم يعرف الصمت طريقًا إليها كانت تسأل باستمرار. تجادل . تعترض . وتتحدث مع نفسها كلما استعصى عليها لغز. أما الآن...فلم يكن هناك سوى صوت المطر نظر نحو الطاولة ثم تجمدت عيناه للحظة كانت نائمة بهدوء كامل استقر رأسها فوق ذراعها، بينما بقيت يدها الأخرى ممسكة بالقلم وكأنها قاومت النوم حتى اللحظة الأخيرة. تبعثرت الأوراق حولها في فوضى صغيرة تشبه الأيام التي عاشتها منذ وصولها اقتربت خصلة من شعرها لتغطي جزءًا من وجهها فحرك الهواء الصادر من المدفأة أطرافها برفق. ظل ينظر إليها بصمت شيء ما في هذا المشهد بدا مختلفًا لم تكن تلك المرأة التي تقتحم خصوصيته كل صباح بأسئلتها الحادة ولا المحققة العنيدة التي تتهمه بإخفاء نصف الحقيقة. كانت فقط...فتاة أنهكها البحث فتاة تحمل فوق كتفيها إرثًا لم تختره شعر، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن ملامحها حين تنام تبدو أصغر من عمرها أكثر هدوءًا وأكثر صدقًا. ابتعدت عن وجهها تلك النظرة المليئة بالحذر التي اعتاد رؤيتها وبقيت براءة لم يكن يتوقع أن يراها فيها خفض بصره سريعًا كأنه ضبط نفسه يفكر بما لا ينبغي لكن بعد لحظات...عاد ينظر إليها من جديد هذه المرة، دون أن يقاوم امتدت يده تلقائيًا نحو الملف ليغلقه. كان يستطيع أن يوقظها ويطلب منها العودة إلى غرفتها لكنه لم يفعل ربما لأنها بدت متعبة أكثر مما أرادت أن تعترف. وربما...لأنه لم يشأ أن يكون هو السبب في إزعاج تلك السكينة القصيرة التي وجدتها أخيرًا. بقي لوسيان جالسًا مكانه لدقائق، وعيناه تستقران على أوديت أكثر مما ينبغي لم يكن معتادًا على مراقبة أحد ولا على الاهتمام بتفاصيل لا تعنيه. لكنها، وهي نائمة وسط تلك الفوضى من الأوراق والرسائل، بدت مختلفة تمامًا عن الصورة التي رسمها لها منذ لقائهما الأول. اختفت من ملامحها الحدة التي كانت تواجهه بها كل صباح واختفى ذلك الإصرار الذي يلمع في عينيها كلما اقتربت من سر جديد حتى التجاعيد الخفيفة التي كانت ترتسم بين حاجبيها كلما فكرت طويلًا، اختفت هي الأخرى. بقي فقط وجه هادئ...أنهكه التعب ترك الملف جانبًا ونهض ببطء، محاولًا ألا يصدر أي صوت يوقظها. كانت أرضية المكتبة الخشبية قديمة بما يكفي لتخون أي خطوة، لذلك سار بحذر شديد، موزعًا ثقله بين قدميه حتى لا يعلو صرير الألواح. توقف أمام المدفأة نظر إليها مرة أخرى كانت لا تزال غارقة في النوم تنهد بصمت ثم اتجه نحو خزانة صغيرة ملاصقة للجدار، كان يعلم أنها تحتوي على بعض الأغطية الخفيفة التي يستخدمها العاملون في القصر خلال الليالي الباردة. فتح بابها ببطء أخرج بطانية صوفية بلون عاجي، ناعمة وخفيفة في الوقت نفسه أغلق الخزانة برفق، ثم عاد بخطوات هادئة نحو الطاولة وقف بجانبها للحظة أطال النظر إليها دون قصد. كانت خصلات شعرها النحاسية قد انسدلت فوق وجهها، تحجب نصف ملامحها تردد مد يده ببطء، وكأنه يفكر في إزاحة تلك الخصلة، لكنه توقف قبل أن تلامسها أصابعه. سحب يده سريعًا."ما الذي تفعله؟"جاءه صوته الداخلي حازمًا أبعد نظره، واكتفى بفرد البطانية رفعها بحذر شديد، ثم أسدلها فوق كتفيها ببطء، حتى لا يوقظها. ما إن لامس القماش كتفها، حتى تحركت أوديت قليلًا توقفت أنفاسه تجمد في مكانه انعقدت أصابعه حول طرف البطانية دون وعي، بينما تابع بعينيه أصغر حركة تصدر عنها. أطلقت همهمة خافتة، بالكاد سُمعت ثم مالت برأسها إلى الجهة الأخرى، وكأنها تبحث في نومها عن مزيد من الدفء. واستغرقت في النوم من جديد أطلق زفرة طويلة لم يشعر أنه كان يحبسها ارتخت كتفاه ورسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، خاطفة، لم تدم أكثر من ثانية. "عنيدة حتى وهي نائمة..." تمتم بها بصوت منخفض، قبل أن يهز رأسه مستغربًا نفسه وقع بصره على الأوراق المبعثرة أمامها. كانت بعض الرسائل على وشك الانزلاق من حافة الطاولة، بينما استقرت صورة الرجل السادس فوق الأرض انحنى والتقطها تأملها للحظة ذلك الوجه...كان يعرف عنه أكثر مما ينبغي لكن ليس بما يكفي ليكشف الحقيقة. أعاد الصورة إلى مكانها بعناية، ثم رتب بقية الوثائق في كومة منظمة، تاركًا دفتر ملاحظاتها مفتوحًا عند الصفحة التي توقفت عندها، وكأنه أراد أن يسهل عليها متابعة العمل حين تستيقظ. بعدها رفع يده نحو المصباح الصغير القريب منها تردد ثانية نظر إلى المدفأة كان ضوؤها يكفي لإنارة المكان أطفأ المصباح، فانخفض الضوء في المكتبة، ولم يبقَ سوى وهج النار المتراقص، يرسم ظلالًا دافئة على الجدران الحجرية. بدا المكان أكثر هدوءًا وأكثر دفئًا نظر إليها مرة أخيرة كانت البطانية قد انزلقت قليلًا عن أحد كتفيها تنهد باستسلام. اقترب خطوة أخرى، وأعاد سحبها برفق حتى غطت كتفيها بالكامل هذه المرة لم تتحرك ظل يراقبها لثوانٍ كان يستطيع العودة إلى غرفته كان عليه أن يفعل. لكن شيئًا ما منعه ربما لأنه لم يطمئن إلى أنها لن تستيقظ بعد دقائق وتعود لإرهاق نفسها أو ربما لأنه، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يشعر بالضيق من وجود شخص آخر يشاركه هذا المكان. عاد إلى الأريكة المقابلة جلس بصمت، وأعاد فتح الملف أمامه حاول أن يقرأ . . .قرأ السطر الأول ثم الثاني لكنه اكتشف بعد دقائق أنه لم يستوعب كلمة واحدة. رفعت عيناه تلقائيًا نحوها مرة أخرى كانت لا تزال نائمة هز رأسه بخفة، كأنه يوبخ نفسه على ذلك الشرود، ثم أجبر عينيه على العودة إلى الأوراق ومع استمرار المطر في الخارج، وصوت الحطب وهو يتشقق داخل المدفأة، مضت الدقائق بطيئة. شيئًا فشيئًا، بدأ التعب يثقل جفنيه هو الآخر ظل يقاومه لبعض الوقت لكن السهر المتواصل طوال الأيام الماضية كان أقوى منه أرخى رأسه إلى الخلف مستندًا إلى الأريكة، والملف لا يزال بين يديه. أغمض عينيه لبرهة، ناويًا أن يستريح لدقائق فقط...إلا أن الدقائق امتدت، وسرقه النوم كما سرق أوديت قبله ومنذ بدأت الوصية تقلب حياتهما رأسًا على عقب... نام الاثنان تحت سقف المكتبة نفسها، يفصل بينهما بضعة أمتار فقط، بينما كانت الأسرار التي يطاردانها تنتظر بصبر أن يحين وقت كشفها. **نهاية الفصل الخامس عشر**##الفصل السابع عشر#ما أخفته مادلينأغمضت مادلين عينيها للحظة، كأنها تحاول أن تعود بذاكرتها إلى زمن كانت تتمنى لو استطاعت محوه من حياتها. بدا واضحًا أن كل كلمة ستنطق بها ستنتزع منها جزءًا من تلك الذكرى التي حملتها بصمت لسنوات طويلة. تنفست ببطء، ثم رفعت رأسها قليلًا. "قبل الحريق... بثلاثة أيام."انخفض صوتها عند الجملة الأخيرة، حتى كاد يضيع وسط السكون الذي خيّم على المكتبة لم تتعجلها أوديت وقفت في مكانها، وعيناها مثبتتان على وجه مادلين، تخشى أن تقاطعها فتضيع منها تفصيلة قد تكون مفتاحًا لكل ما تبحث عنه. أما لوسيان، فظل جالسًا بصمت، إلا أن نظرته لم تغادر مادلين لحظة واحدة. لم يكن في ملامحه ما يكشف عما يدور في داخله، لكنه بدا منصتًا إلى أبعد حد، وكأنه يعرف أن ما سيُقال الآن ليس مجرد ذكرى قديمة، بل قطعة مفقودة من الحقيقة. تابعت مادلين بعد صمت قصير: "في ذلك اليوم... جاء رجل إلى القصر." خرجت الجملة ببطء، كأنها ما زالت ترى ذلك المشهد أمامها انعقد حاجبا أوديت قليلًا، لكنها لم تتكلم انتظرت كانت تعلم أن مقاطعة الذكرى قد تجعلها تتوقف. مرت لحظات قبل أن تسأل بهدوء: "من كان؟" هزت مادل
## الفصل السادس عشر# ما أخفته مادلين تسللت خيوط الصباح الأولى إلى المكتبة بخجل، بعدما انقشعت الغيوم التي غطت السماء طوال الليل. عبر الضوء الزجاج الطويل للنوافذ، وانعكس فوق الأرضية الخشبية اللامعة، ليرسم خطوطًا ذهبية امتدت بهدوء بين الطاولة والأريكة، بينما كانت آخر قطرات المطر تنساب ببطء على الزجاج قبل أن تسقط إلى الحديقة. لم يبقَ من المدفأة سوى جمرات متوهجة، تنبض بلون أحمر خافت، ترسل دفئًا خفيفًا يكفي لأن يمنع برودة الفجر من التسلل إلى أرجاء المكتبة. تحركت أوديت قليلًا عقدت حاجبيها وهي تشعر بثقل لطيف يستقر فوق كتفيها فتحت عينيها ببطء، ولم تستوعب في البداية أين هي. بقيت تحدق في السقف لثوانٍ، تحاول أن تستعيد آخر ما تتذكره. المكتبة...الأوراق... دفتر يوميات جدها... وصورة الرجل السادس تذكرت أنها كانت تقرأ، ثم... انقطع كل شيء اعتدلت قليلًا في جلستها، فانزلقت البطانية عن أحد كتفيها. توقفت أنزلت بصرها إليها مررت أطراف أصابعها فوق نسيجها الصوفي الناعم، وكأنها تتحقق من أنها ليست جزءًا من حلم ما زالت عالقة فيه. لم تكن قد أحضرتها معها كانت متأكدة من ذلك رفعت رأسها ببطء، وأخذت تتأمل ال
## الفصل الخامس عشر # تقارب خفي ازدادت حدة المطر مع مرور الوقت لم يعد مجرد خلفية هادئة، بل صار جزءًا من المكان؛ يملأ الفراغات بين الكلمات، ويغسل بصوته الثقيل الصمت الذي عاد ليستقر في المكتبة. ارتفعت ألسنة اللهب داخل المدفأة، فأطلقت دفئًا لطيفًا امتزج برائحة الخشب المحترق والكتب القديمة، تلك الرائحة التي لا توجد إلا في الأماكن التي احتفظت بذكريات أكثر مما احتفظت بالبشر. لم يعد يُسمع سوى صوت تقليب الصفحات وصوت قلم أوديت وهو يتحرك فوق دفتر ملاحظاتها بين الحين والآخر، كانت تدون كلمة، ثم تشطبها بعد ثوانٍ، وكأنها حتى لم تعد تثق بأفكارها. أعادت ترتيب الصور أمامها للمرة العاشرة وضعت صورة الرجل السادس إلى جانب رسالة جدها الأخيرة، ثم بجوار قائمة الأسماء التي عثرت عليها قبل يومين. لا شيء. . . لا شيء يربط بينها بطريقة واضحة وذلك ما كان يقتلها لو كانت الأدلة متناقضة لوجدت سبيلًا لفهمها لكنها كانت تبدو... ناقصة كأن أحدهم تعمد أن يترك لها نصف الحقيقة فقط عضّت طرف قلمها وهي تحدق في الأوراق ثم همست لنفسها: "هناك شيء لا أراه..." رفعت صورة أخرى أمام الضوء قلبتها تفحصت ظهرها أعادت النظر في ا
# الفصل الرابع عشر## شكوك**اليوم السابع منذ قراءة الوصية**كان الليل قد ابتلع آخر خيوط المساء منذ ساعات، ولم يبقَ في الخارج سوى المطر.لم يكن يهطل بعنف، بل بإصرار هادئ، كأنه يعرف أن القصور القديمة تحتفظ بأسرارها أفضل حين ترافقها السماء بالبكاء. كانت قطرات الماء ترتطم بالنوافذ الزجاجية العالية بإيقاع منتظم، بينما كانت الرياح تداعب أغصان الأشجار العتيقة المحيطة بقصر لوران، فتطلق بين الحين والآخر أنينًا خافتًا يشبه همسات أشباح عالقة في الماضي.في الداخل، كانت المكتبة تغرق في دفء المدفأة الحجرية.لهيبها البرتقالي كان ينعكس على رفوف الكتب الممتدة حتى السقف، فيرسم ظلالًا متراقصة فوق المجلدات الجلدية القديمة، وكأن التاريخ نفسه يتحرك بين تلك الجدران.جلسَت أوديت وحدها إلى الطاولة الطويلة التي تتوسط المكتبة.أمامها كانت الفوضى تفرض سيادتها؛ رسائل صفراء أكل الزمن أطرافها، صور فوتوغرافية باهتة، قصاصات جرائد، ملاحظات كتبتها بخط يدها، ودفتر صغير امتلأت صفحاته بالأسئلة أكثر من الإجابات.منذ أسبوع كامل، لم يعد هذا المكان مجرد مكتبة بالنسبة لها بل أصبح غرفة تحقيق ومتاهة وساحة حرب تخوضها ضد ماضٍ يرف
# الفصل الثالث عشر ## الرجل السادس **اليوم السادس منذ قراءة الوصية** لم تنم أوديت تلك الليلة. في الحقيقة... لم تستطع. كلما أغلقت عينيها ظهر أمامها الجدار الحجري. والصورة. والوجه الممزق. والعبارة المكتوبة أسفله. > **"ابحثوا عن الرجل السادس."** كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما استسلمت أخيرًا لفكرة النوم مستحيل. نهضت من سريرها. وفتحت نافذة غرفتها. دخل هواء باريس البارد. حاملًا معه رائحة المطر. وقفت تنظر إلى حدائق القصر المظلمة. محاولة ترتيب أفكارها. لكن الأسئلة كانت أكثر من أن تُرتب. من هو الرجل السادس؟ ومن مزق وجهه من الصورة؟ ولماذا يريد شخص ما أن يجبرها على البحث عنه؟ والأهم... لماذا شعرت أن الجميع يعرفون شيئًا عنه عداها؟ --- في صباح اليوم التالي... اجتمع الجميع في مكتبة القصر. كانت الطاولة ممتلئة بالصور والرسائل واليوميات. وكأنها غرفة تحقيق حقيقية. جلست أوديت أمام الصورة الكبيرة. تحدق في المكان الذي كان يجب أن يظهر فيه الرجل السادس. لكن كل ما بقي كان تمزيقًا متعمدًا. كأن شخصًا ما أراد محو وجوده بالكامل. دخل لوسيان وهو يحمل فنجانين من القهوة. و
# الفصل الثاني عشر ## الرسالة التي كان يجب أن تُحرق **اليوم الخامس منذ قراءة الوصية** كانت السماء فوق باريس رمادية عندما غادرت أوديت القصر صباح اليوم التالي. لأول مرة منذ أيام شعرت بالتعب الحقيقي. ليس تعب الجسد. بل تعب العقل. خمسة أيام فقط. خمسة أيام منذ جلست في مكتبة القصر تستمع إلى وصية جدها. خمسة أيام منذ ظهر لوسيان موريه في حياتها. خمسة أيام فقط... ومع ذلك شعرت وكأن أشهرًا كاملة مرت عليها. جلست داخل السيارة بصمت بينما كان المطر الخفيف يلامس الزجاج. لم تكن تنظر إلى الطريق. بل إلى انعكاس وجهها في النافذة. الفتاة التي تنظر إليها لم تعد نفسها. كانت هناك هالات خفيفة تحت عينيها العسليتين. وكان شعرها النحاسي مربوطًا بإهمال. حتى ابتسامتها التي اعتادت رؤيتها اختفت منذ أيام. قطع أفكارها صوت لوسيان. — هل أنتِ بخير؟ نظرت إليه باستغراب. كان يقود وعيناه مثبتتان على الطريق. — لماذا؟ — لأنك لم تتكلمي منذ عشرين دقيقة. رفعت حاجبها. — هل هذا رقم قياسي؟ كادت ابتسامة صغيرة تظهر على وجهه. وكادت هي تبتسم أيضًا. لكنها تذكرت نفسها سريعًا. — لا تفرح. ما زلت غاضبة منك. — أعلم