Partager

الفصل الثاني

last update Date de publication: 2026-03-21 20:10:13

محامي محمد الفحام:

الفصل 2

أحلام تحت سقف باريس

وضعت كانديس رأسها على الوسادة، لكن عينيها ظلتا تراقبان انعكاس أضواء باريس الخافتة على جدران غرفتها. لم يكن يشغل بالها الخوف، بل كانت ترسم في مخيلتها سيناريوهات المقابلة.

تخيلت نفسها وهي تدخل ذلك المبنى الشاهق، مرتديةً أفضل ما لديها من ثياب، حاملةً معها إرث والدها رينيه وعلمها الذي سهرت من أجله. فكرت في السيد فيليبون؛ هل سيستقبلها وهل ستكونتلك المقابلة الفرصة التي ستمسح غبار الحاجة عن وجه عائلتها.

كانديس وهي تحدث نفسها بهمس): غداً سأكون كانديس، مديرة الأعمال التي ستقنع فيليبون بأنني الاستثمار الأنجح لشركته. يا رب، اجعل هذا الرجل باباً للفرج، لكي تعود الابتسامة لوجه أمي، ولا تشعر أخواتي يوماً بالنقص)

نامت كانديس والابتسامة تداعب شفتيها لأول مرة منذ زمن، وكأن روح والدها تطمئنها بأن القادم أجمل، وأن عصر الثروة الحقيقي يبدأ بـ "خطوة عمل" شريفة.

مشهد: في حضرة "فيليبون"

في مكتب شركة فيليبون:

فتحت السكرتيرة الباب الخشبي الفاخر، وخطت كانديس خطواتها الأولى داخل المكتب الواسع. كان الضوء يغمر المكان من النوافذ الكبيرة المطلة على شوارع باريس الحيوية. خلف مكتبه المهيب، وقف السيد فيليبون ليستقبلها.

بدا فيليبون في الخامسة والأربعين من عمره، يمتلك هيبة تجبرك على احترامه قبل أن يتحدث. كان شعره الأشقر المصفف بعناية يلمع تحت ضوء المكتب، وعيناه الخضراوان تحملان نظرة ثاقبة وذكية، لكنها هادئة ومريحة في الوقت ذاته لم تكن نظراته متعالية، بل كانت نظرات رجل يزن الأمور بميزان الحكمة.

بعد ان دخلت كانديس ارتجف فيليبون وارتجفت يداه ولكنه تمالك نفسه وقال

بصوت رخيم وهادئ تفضلي يا آنسة كانديس.. لقد قرأت سيرتكِ الذاتية، وأثار اهتمامي تفوقكِ في إدارة الأعمال. باريس تحتاج دائماً إلى عقول شابة وطموحة مثلكِ."

شعرت كانديس بوقار الرجل، وتبددت كل مخاوفها خلف هدوئه. شعرت أن هذا الرجل الأشقر، بملامحه الصارمة والمرنة في آن واحد، قد يكون فعلاً هو من سيغير قدر عائلتها.

كانديس بثبات: شكراً لك سيدي. أنا هنا لأثبت أن الطموح عندما يقترن بالعلم، يمكنه أن يصنع المعجزات.

ابتسم فيليبون وقال لها : احسنت .. احسنت يا كانديس.

حاول فيليبون أن يرفع ورقة سيرتها الذاتية، لكن يديه بدأتا ترتجفان بشكل ملحوظ لم يستطع إخفاءه. سقط القلم من بين أصابعه ليرتطم بالسجادة الفاخرة، وظل يحدق في ملامحها؛ تلك العينين، ذلك الكبرياء في الوقفة.. إنها نسخة حية من فقيدته شارون.

فيليبون بصوت متهدج ومتقطع: "أنتِ.. أنتِ ابنة رينيه، أليس كذلك؟"

لم تكن كانديس تتوقع رد الفعل هذا. شعرت بقلبها يخفق بشدة وهي ترى هذا المليارير الرزين يفقد تماسكه أمامها.

كانديس بدهشة ممزوجة بالثبات "نعم سيدي.. أنا كانديس رينيه. هل كنت تعرف والدي جيداً؟"

ابتلع فيليبون ريقه بصعوبة، وحاول استعادة وقاره، لكن ارتجاف يديه ظل يفضحه. كان خلف تلك النظرة الخضراء سرٌّ دفين، سرٌّ لكنه قطع تصورتها بقوله لا . لا لكن وجهك مالوف ويشبه لحد كبير احدى اقاربي .

ساد صمت ثقيل في المكتب، لم يقطعه إلا صوت أنفاس فيليبون المتسارعة. حاول إخفاء ارتجاف يديه بوضعهما فوق مكتبه العريض، ثم رفع عينيه الخضراوين ليلتقيا بعيني كانديس، وسألها بصوت يحاول أن يبدو رسمياً لكنه كان مثقلاً بالذكريات:

فيليبون: "عذراً.. هل يمكنني أن أعرف اسمكِ الكامل.. واسم عائلتكِ؟

أخذت كانديس نفساً عميقاً، وشعرت بأن اسم عائلتها هو "هويتها" التي تفتخر بها رغم كل ما مروا به من ضيق.

كانديس بثبات وفخر "اسمي كانديس.. ابنة السيد رينيه.

بمجرد نطقها للاسم تنفس قيليبون الصعداء و تراجع بجسده قليلاً إلى الخلف، وأسند ظهره إلى الكرسي الجلدي، وظل يردد الاسم بتمتمة غير مسموعة، وكأنه يتأكد من أنه لا يحلم.

فيليبون بهمس كانديس رينيه.. هكذا إذاً .

ظل فيليبون شاخصاً بصره في وجه كانديس، ولم تكن "الاحترافية" هي ما يمنعه من الحديث، بل كان "الذهول". خلف تلك العينين الخضراوين، كان شريط حادثة نورمانديا يمر أمام عينيه؛ صوت تحطم الطائرة، والجمال الذي وُوري الثرى قبل أوانه.

كانت كانديس تقف أمامه، بنفس الشموخ، ونفس تقاسيم الوجه التي كانت تمتلكها زوجته الراحلة، وكأن القدر قد استنسخ ملامح تلك الزوجة الجميلة ووضعها في ابنة رينيه.

فيليبون في سره يا إلهي.. أيعقل أن يبعث الموت من جديد؟ هل هي كانديس ابنة رينيه، أم أنها طيف زوجتي عاد ليعاتبني؟

حاول استجماع شتات نفسه، وأخفى يديه المرتجفتين تحت مكتبه، ثم قال بصوت يغلبه الحنين والارتباك: "أنتِ تشبهين شخصاً كان عزيزاً جداً على قلبي.. شخصاً فقدته في حادث أليم بفرنسا.. في نورمانديا."

."

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الرابع عشر

    زلزال في قاعة الاجتماعاتفتحت أبواب قاعة المؤتمرات الكبرى في مجموعة فيليبون بهيبة، لتدخل كانديس بخطوات واثقة يتردد صداها فوق الرخام الفاخر. لم تعد تلك الموظفة التي غادرت الشركة تحت وطأة التهم الزائفة، بل عادت بصفتها الرئيسة التنفيذية CEO وبجانبها سكرتيرها ومستشارها القانوني برنارد دوفيل .توقفت كانديس عند رأسِ الطاولةِ الطويلة بوقارٍ يخلبُ الألباب، وظلت واقفةً بصلابةٍ شامخة، ترقبُ ببرودٍ وجوهَ أعضاءِ مجلسِ الإدارةِ الذين خيّم عليهم وجومٌ مطبقٌ كظلامِ ليلةٍ شتائية. وضعت حقيبتها الجلديةَ ببطءٍ مدروسٍ زاد من توتر الحاضرين، ثم شبكت أصابعها ونطقت بصوتٍ هادئٍ، لكنه كان حاداً كالشفرةِ التي تجتثُّ الزوائد:السادةُ الحضور.. أنصتوا جيداً؛ نحن اليوم لا نكتفي بتغييرِ الوجوهِ الإداريةِ فحسب، بل نحن بصددِ إعادةِ هيكلةِ الروحِ التي تنبضُ بها هذه المجموعةُ العريقة، لترتفعَ فوقَ أهواءِ المنتفعين.فتحت كانديس ملفاً أحمرَ قانياً، وكأنه نذيرُ ثورةٍ وشيكة، وبدأت بتلاوةِ القراراتِ الصارمة:- أولاً: سيتمُّ دمجُ كافةِ العملياتِ التشغيليةِ تحتَ مظلةِ النظامِ الرقميِّ الجديد لضمانِ الشفافيةِ المطلقة، حيث لا

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثالث عشر

    لمعة الفخر.. لغة الروحلمعت عينا فيليبون ببريقٍ لم يعهده أساطين المال؛ لم يكن بريق صفقةٍ رابحة، بل كان نور الامتنان لرجلٍ وجد ضالته في قلب امرأةٍ تعفُّ عما يتصارع عليه الآخرون. اقترب منها بوقارٍ، وطبع قبلةً حانية على جبينها كأنما يختم بها ميثاقاً أبدياً:شكراً لكِ يا كانديس.. لقد بعثتِ فيّ الإيمان بالبشر في عصرٍ ظننتُ فيه أن الضمائر تُباع وتُشترى إن رفضكِ لهذا المنصب هو الحجة الدامغة على أنكِ الأحق به، لأنكِ تسمين فوقه. اعلمي يا حبيبتي أنني سأكون لكِ الجبل الذي لا تذروه الرياح، والسند الذي لا يميل وسأخوض غمار الحرب ضد العالم أجمع لأجلكِ.ابتسمت كانديس من بين غلالة دموعها المنهمرة، وشعرت لأول مرةٍ في حياتها بمعنى السكينة الحقيقية؛ تلك السكينة التي لم تجدها يوماً خلف الجدران المنيعة ولا الحصونِ العالية، بل وجدتها هناك.. في كنفِ كلماتِ هذا الرجل الصامد الذي كان لها الجبلَ والأمان.وفي لحظةٍ تجردت فيها من كلِّ مخاوفها، ارتمت بين أحضانه بلهفةِ الغريقِ الذي وجد شاطئه، وهي تعانقه عِناقَ الحبيبِ الذي استبسلَ في الحفاظِ على محبوبه؛ فكان ذلك العناقُ بمثابةِ "ميثاقٍ صامت" يعلنُ نهايةَ زمنِ الشتا

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثاني عشر

    عباءة الكتمانبعد أن جف مداد الصكوك، جرد فيليبون نظراته من كل هوادة، ووضع كفه على الملف الموصد كأنه يغلق باباً من أبواب القدر:راشفورد.. أريد لهذا الملف أن يُقبر في قرار خزائن , لا يُسمح لمخلوقٍ كائناً من كان أن يسترق السمع لخبر هذه الوصية، ولا حتى كانديس ذاتها.ثم اكمل :أريد لقوتها أن تنبثق من وجدانها، لا من يقينها بأنني أعدُّ كفن الغياب.أومأ راشفورد برأسه إجلالاً لعظم الأمانة:أدرك مرادك تماماً فالسرية في مذهبي هي جوهر الوجود، وفي نازلةٍ كهذه، هي مفرق الطريق بين الحياة والردى. ثم رشف سيكارته وقال:سأجعل من هذه الأوراق عدماً حتى يحين الميقات الذي حددته بنودك السرية فمكتبنا لا يخون الأمانات، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بذروة سنام مستقبل السيدة كانديس؟ ثم ان فيليبون اقترب من راشفورد وهمس قائلا:راشفورد.. يا رفيقَ الدرب، أنصت إليّ جيداً؛ بعد أن يواريني الثرى ويحينَ الوقتُ أريدك أن تذهبَ إلى كانديس مباشرةً، وتطلعها على فحوى الوصيةِ وعلى كل تلك التفاصيلِ الدقيقةِ التي اتفقنا عليها سراً حاول يا صديقي، بكل ما تملك من حكمةٍ ونفوذ، أن تمدَّ لها يدَ العونِ في أي وقتٍ وبأي ظرفٍ كان؛ فهي الأمان

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الحادي عشر

    ميثاق القصر وبداية العاصفةعادت العائلة إلى القصر بروحٍ جديدة؛ لم تعد كانديس تلك المرأة التي تواري انكسارها بل أصبحت محاطةً بزوجٍ يحميها بنفوذه، وأختٍ تحرسها بسلطان القانون. وفي طريق العودة، كسر صمتَ السيارة صوتُ كريستينا الحازم:فيليبون.. بصفتي ضابطة مسؤولة الآن هل توصلتم خلال الثمانية عشر شهراً الماضية إلى خيطٍ يفسر كيف استحال الإرث رماداً؟ هل كان قدراً، أم يداً خفية كانت تحمل الكبريت؟أطبق الصمت على كانديس، وبرقت في مخيلتها صورة مارك المحطم.أجاب فيليبون بهدوءٍ رزين وهو يربت على يد زوجته: سؤالٌ في محله يا سيادة الضابطة فالتقارير الرسمية زعمت أنه 'تماسٌ كهربائي'، لكن عيوني في السوق تقول إن أموالاً مريبة غادرت خزائن لـوسـيان غـريمـو قبل الحريق، وشهوداً ابتلعهم الغياب فجأة. كنتُ بانتظار شارتكِ لنحول هذه الشكوك إلى مقصلةٍ قانونية لا ترحم.اليوم الأول.. والقضية رقم 402:في مقر الشرطة، دخلت كريستينا بخطواتٍ يتردد صداها في الردهات. جلست خلف مكتبها، ووضعت شارتها اللامعة أمامها، وسحبت أول ملفٍ من الأرشيف السري ملف حريق مجموعة GSM — القضية 402. دخل رئيس القسم مثنياً على تفوقها، فأجابته

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل العاشر

    التحدي بزيّ المرأة الحديديةفي صالون القصر، وضعت كريستينا ملف تقديمها للأكاديمية أمام ذهول الجميع.لم تعد تلك الفتاة التي تكتفي بالظل، بل لمعت في عينيها شرارة التصميم:- لقد قررتُ الالتحاق بـ 'أكاديمية باريس لعلوم الشرطة والجريمة المنظمة' , لقد أبصرتُ كيف يحرق المجرمون ببدلاتهم الأنيقة حياة الناس ويهربون , لن أسمح لـ لـوسـيان غـريمـو وأمثاله بتكرار ما فعلوه بوالدتي.ابتسم فيليبون بتقدير: هذا أفضل قرار يا كريستينا , فنحن نبني إمبراطوريةً ماليّة، ونحتاج إلى درعٍ يفهم كيف يفكر الأعداء وستكونين عيننا التي لا تنام.وبعد أسبوع، وقفت كريستينا بزيها الرسمي الأول أمام بوابات المدرسة الوطنية العليا للشرطة ENSP كانت نظراتها حادة كالشفرة، تخفي خلفها عاصفة من الحقائق. في المحاضرات، كانت تدون ملاحظات دقيقة حول ثغرات الحرائق العمد، مما منحها لقب المرأة الحديدية. وفي غرفتها، كانت تفرش خرائط حادثة مارك، مطبقةً نظريات القانون على خيوط الجريمة الحقيقية. أما كانديس، فقد باشرت بنثرِ سحرها في أرجاء القصر المنيف، مُحدثةً فيه ثورةً من الجمالِ والتغيير؛ إذ لم تكتفِ بلمساتٍ عابرة، بل غمرت كل زاويةٍ بفيضٍ م

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل التاسع

    جحيم ليلة العيد في سكونِ ليلةِ عيدِ الفصحِ المقدسة، تلك الليلة التي شهدت مراسمَ زفافِ كانديس وفيليبون الأسطورية وانطلاقهما نحو أفقِ شهرِ العسل، كانت باريس تتنفسُ ابتهاجاً؛ حيثُ قُرعت أجراسُ الكنائسِ في كلِّ حدبٍ وصوب، معلنةً قيامةَ الفرحِ وترانيمَ الخلاص.لكن، وفي غمرةِ هذا الصفاء، كان هناك "موتٌ" من نوعٍ آخر يُطبخُ في خفاءِ الطوابقِ السفلية تسلل فرانك كظلهِ الأسود، منساباً بين الممراتِ المظلمة نحو قبوِ الشركة؛ كان يتحركُ ببرودِ الأفاعي، يحملُ في جعبتهِ شرارةً ستغيرُ مجرى التاريخ.وبينما كانت أنغامُ الموسيقى في حفلِ الزفافِ تلامسُ عنانَ السماء، كانت ألسنةُ اللهبِ الأولى تتصاعدُ في القبوِ بصمتٍ مرعب، تلتهمُ الملفاتِ والذكرياتِ وأحلامَ مارك الكبيرة. وفي الوقتِ الذي كان فيه المهنئون يرفعون كؤوسهم نخبَ "السيدة الجديدة"، كانت أعمدةُ الدخانِ السوداء تشقُّ ليلَ باريس، لتعلنَ للعالمِ أنَّ قيامةَ فرحِ كانديس لم تكن إلا إشارةَ البدءِ لانهيارِ إمبراطوريةِ مارك، لتمتزجَ رائحةُ البخورِ في الكنائسِ برائحةِ الرمادِ المتطايرِ من ركامِ الشركةِ المحترقة.ببراعة المجرم المحترف، عبث فرانك بقلب ا

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status