تسجيل الدخولبمجرد أن خرجت لونا من مكتب جاك، أغلقت الباب خلفها بقليل من القوة، ثم واصلت سيرها في الممر بخطوات سريعة.كانت تضم الملف إلى صدرها بإحكام حتى بدأت حوافه تضغط على ذراعها، لكنها لم تكن تشعر بالألم، بل كان كل إحساسها منصبًا على الفوضى التي تعصف داخلها.“ما الذي فعلته؟”“كيف تحدثت معه بهذه الطريقة؟”لأول مرة لم تهرب لتستعيد هدوءها، ولم تختبئ، بل واجهته وردت عليه، بل واستفزته.اتسعت عيناها قليلًا وهي تسترجع ما حدث قبل دقائق.“أنا… هل قلت له فعلًا: اسأل الآنسة إيفا؟”وضعت يدها على جبينها وهي تمشي، وكادت تضحك من شدة توترها، لكن فجأة تذكرت شيئًا آخر.“دعاني إلى العشاء.”تلاشت كل محاولات التماسك، وعاد ذلك الألم يعتصر قلبها من جديد.في الجهة الأخرى، داخل المكتب الذي غادرته للتو، لم يجلس جاك، بل بقي واقفًا في مكانه محدقًا في الباب الذي خرجت منه.كانت عضلات فكه مشدودة بقوة حتى برز خطه بوضوح تحت بشرته، فرفع يده ببطء وفك ربطة عنقه قليلًا، ليس لأنه اختنق، بل لأنه شعر أن الغرفة أصبحت أضيق من أن تحتمل ضيقه.عاد إلى مكتبه، فتح العقد وحاول القراءة، لكن بعد دقيقة أغلقه مرة أخرى بنفاد صبر واضح.مرر كفه على
انتهى الاجتماع، وأُغلقت الملفات تباعًا، ووقف الحاضرون يتبادلون المصافحات. أما لونا فجمعت أوراقها بسرعة غير معتادة، كانت تريد المغادرة بعيدًا عن هذه القاعة.“الآنسة لونا.”التفتت.كانت سكرتيرة جاك، ابتسمت بلطف وقالت: “السيد بلاكويل يطلب حضورك إلى مكتبه بعد عشر دقائق لمراجعة النسخة النهائية.”أجابت باقتضاب: “حسنًا.” واستدارت فورًا.في الجهة الأخرى، كان ماكس يضع ملفه داخل حقيبته، يراقب جاك بطرف عينه، وابتسم ابتسامته المعتادة.“بلاكويل.”رفع جاك رأسه.“ماذا؟”ضحك ماكس.“أشعر بالشفقة على موظفيك.”عقد جاك حاجبيه.“ولماذا؟”هز كتفيه.“لأنك لا تعرف متى تتوقف.”ثم أشار برأسه نحو الباب الذي خرجت منه لونا.“حتى المسكينة تلك… تبدو وكأنك أرهقتها.”أجابه جاك ببرود: “اهتم بشركتك.”ضحك ماكس.“هذا الرد أيضًا لم يتغير.”ثم غادر.بقي جاك ينظر إلى الباب للحظة، شيء في تصرفات لونا لم يطمئنه.بعد عشر دقائق، طرقت لونا باب المكتب.“ادخلي.”دخلت، وكان جاك يقف أمام مكتبه يقلب صفحات العقد، رفع عينيه إليها وقال: “أغلقي الباب.”أغلقته بهدوء، ثم وقفت مكانها دون أن تقترب.نظر إليها ثانية.“تعالي.”تحركت بخطوات بطيئة
مرّت ثلاثة أيام، عادت خلالها الحياة تدريجيًا إلى روتينها المعتاد وكأن شيئًا لم يحدث.استعادت شركة بلاكويل صخبها المعتاد، وعاد جاك إلى بروده المهني المعروف الذي لا يتزعزع.أما لونا… فكانت تحاول، بكل ما تملك من هدوء مصطنع، أن تقنع نفسها بأن ما حدث لم يغيّر شيئًا.في كل صباح، كانت تجد فطورًا صغيرًا موضوعًا بعناية على مكتبها، بلا بطاقة ولا اسم، لكنها تعرف صاحبه جيدًا.ترفع عينيها نحو جاك، فتجده منغمسًا في عمله كعادته، وأحيانًا يرفع نظره سريعًا نحوها قبل أن يعود لأوراقه، فتبتسم في سرها ابتسامة خفيفة ثم تبدأ يومها.في ذلك الصباح، كان اجتماع الشراكة الأكبر منذ توقيع العقد، اجتماعًا لا يحتمل الأخطاء.غيبت فيكتوريا نفسها بسبب اجتماع آخر، بينما دخل ماكس القاعة كعادته بابتسامته المستفزة التي لا تفارقه.نظر إلى جاك وقال:“أتمنى ألا تنهي الاجتماع قبل أن أجد شيئًا أستفزك به.”لم يرفع جاك رأسه، واكتفى بالرد بهدوء:“لن تنتظر طويلًا.”تحركت زاوية فمه بخفة، ومرّت عيناه سريعًا على لونا قبل أن يعود إلى الملف.ضحك ماكس وقال:“هذا هو بلاكويل الذي أعرفه.”دخلت إيفا وجلست إلى يمين جاك، ولم تهتم لونا كثيرًا،
انتهى الغداء…لكن الكلمات التي قالتها والدة جاك بقيت عالقة في الهواء.لم يتحدث أحد عنها مجددًا، وكأن الجميع اتفق بصمت على تركها تمر.رفعت الأم الصحون عن الطاولة وهي تدندن لحنًا قديمًا، ثم التفتت إليهما مبتسمة.“يكفي حديثًا عن العمل اليوم.”“جاك عاد لتوه.”“دعوه يتنفس.”اكتفى جاك بإيماءة قصيرة.أما لونا…فكانت تراقب فنجانها أكثر مما تراقب من حولها.كلما تذكرت كلام والدته…اشتعل وجهها من جديد.كيف استطاعت أن تلاحظ كل ذلك؟وهل لاحظه جاك أيضًا؟تسلل هذا السؤال إلى داخلها ولم يتركها.⸻مع اقتراب المساء…انشغلت والدة جاك في مشاهدة أحد البرامج التلفزيونية.أما جاك، فدخل مكتبه لبعض الوقت.كانت هناك رسائل كثيرة تنتظره.ملفات.تقارير.واتصالات لم يجب عنها منذ الصباح.حاول أن يقرأ…لكن تركيزه كان يتسرب كل بضع دقائق.أغلق الملف وأسند ظهره إلى الكرسي وأغمض عينيه.عاد إلى ذاكرته مشهد واحد فقط.لونا…حين رفعت رأسها فجأة ورأته يقف عند باب الغرفة.تلك الدهشة التي ارتسمت في عينيها…لم تكن تمثل.ابتسم دون أن يشعر، ثم انتبه إلى نفسه فعاد إلى بروده المعتاد وأعاد فتح الملف.لكن السطر الأول بقي وحده أمام عي
أغلق جاك الباب خلفه بهدوء.ساد الغرفة صمتٌ ثقيل.كان المكان كما تركه قبل أسبوع…لكن شيئًا فيه تغيّر.أو ربما…الذي تغيّر هو هو.اتجه إلى الخزانة دون أن ينظر نحو لونا مرة أخرى.خلع ساعته ووضعها فوق الطاولة.فك أزرار أكمام قميصه ببطء، ثم التقط ملابس منزلية ودخل الحمام.ما إن أغلق الباب…حتى أطلقت لونا الزفرة التي كانت تحبسها منذ دخوله.وضعت يدها فوق صدرها.كانت نبضاته لا تزال سريعة.خفضت بصرها إلى نفسها.وتجمدت.“يا إلهي…”همست بخجل.كيف جلست أمامه هكذا وهي كانت تظنه سيعود غدًا؟فتحت الخزانة بسرعة.سحبت بنطالًا منزليًا طويلًا وارتدته على عجل.لكن ارتباكها كان أكبر من أن تنتبه لكل شيء.القميص الخفيف الذي كانت ترتديه…بقي كما هو.أعادت ترتيب شعرها بسرعة.جلست على طرف السرير.التقطت الكتاب.وفتحته.لكنها لم تقرأ حرفًا واحدًا.كل ما كانت تسمعه…هو صوت الماء خلف باب الحمام.⸻بعد دقائق…فُتح الباب.خرج جاك وهو يجفف شعره بالمنشفة.رفع رأسه نحوها تلقائيًا.ثم…توقفت يده.لاحظ التغيير فورًا.البنطال لم يعد كما كان.لكنها أبقت القميص نفسه.سكنت عيناه عليها للحظة قصيرة.لم يكن يحاول التدقيق.لكن
ما إن انتهى الاجتماع…حتى أغلق جاك الملف أمامه.“إذًا انتهينا.”أومأ الحاضرون.لكن جاك لم ينتظر دقيقة إضافية.جمع أوراقه بسرعة غير معتادة، التقط سترته، وغادر قاعة الاجتماعات بينما كان الآخرون لا يزالون يتبادلون الأحاديث.حتى سائقه استغرب عندما رآه يخرج بهذه السرعة.فتح له الباب.جلس جاك في المقعد الخلفي وقال مباشرة، وهو يشد ياقة قميصه كأنه يضيق عليه:“إلى المنزل.”لم يسأل عن الفندق.ولا عن الغداء.ولا عن أي شيء.انطلقت السيارة.أراح رأسه إلى الخلف، لكنه لم يستطع أن يغلق عينيه.كل دقيقة في الطريق كانت تبدو أطول من التي قبلها.أخرج هاتفه.نظر إلى شاشته.تردد، مرر إصبعه فوق اسمٍ ما دون أن يضغط.فكر أن يرسل رسالة.ثم أعاده إلى جيبه بسرعة، وكأنه خشي أن يراه أحد.“بعد دقائق سأراها…”بمجرد أن خطرت الفكرة…قطب حاجبيه بضيق.وكأنه انزعج من نفسه.لماذا يفكر بها هكذا؟هذا ليس منطقياً.أدار وجهه نحو النافذة.وحاول أن يقنع نفسه للمرة العاشرة…أنه عاد لأن العمل انتهى مبكرًا.لا لسبب آخر.لكن قلبه…لم يقتنع.كان يعرف الحقيقة… ويرفضها.⸻في المنزل…كانت لونا جالسة على سريرها قرب النافذة.الكتاب مفتوح
بعد خروجها من غرفة الاجتماعات، بقيت لونا واقفة في الممر لثوانٍ طويلة دون أن تتحرك.لم يكن المكان ضيقًا، لكنه بدا لها وكأنه يضغط عليها من كل الجهات.كلمات جاك لم تكن كثيرة، لكن أثرها كان مختلفًا عن أي حوار سابق.لم يكن يحاول إقناعها، ولم يكن يضغط عليها بشكل مباشر، ومع ذلك شعرت أن كل شيء قد تحرك دون
ارتفع المصعد ببطء، وكأن الوقت نفسه يتعمد الإطالة.وقفت لونا كارتر داخله، تراقب انعكاسها على الجدار المعدني الصامت.كان وجهها هادئًا، لكن داخلها لم يكن كذلك.“لماذا أنا؟”سؤال تكرر في ذهنها أكثر من مرة، دون أن يجد إجابة.عند وصولها إلى الطابق العلوي، فُتحت الأبواب ببطء.⸻المكان كان مختلفًا عن بقية
بعد أن انتهى موضوع الحلوى وتعليقات أم جاك المعتادة، صعدت لونا إلى غرفتها مبكرًا. أغلقت الباب خلفها. وجلست على طرف السرير. هذه المرة لم تستطع طرد أفكارها. كلما حاولت التفكير في شيء آخر، عادت صورة فيكتوريا إلى رأسها. ابتسامتها. ثقتها الزائدة. وطريقتها المستفزة عندما قالت: “أنا أعرف جاك منذ س
الضوء المتسلل من نافذة غرفة لونا لم يكن دافئًا كما يجب… بل باهتًا، شاحبًا، ينعكس على جدران صامتة أكثر مما ينبغي. وقفت لونا كارتر أمام المرآة طويلًا، تحدّق في ملامحها دون أن تراها حقًا. عينان متعبتان، ووجه فقد شيئًا لا يُعوّض. “كيف يصبح كل شيء فارغًا بهذه السرعة؟” همست لنفسها، وكأن السؤال لا يحت







