LOGIN.خرجت مريم من مكتبها في نهاية فترة العمل، وهي تضم الملف الرفيع إلى صدرها بيد أكثر توترًا مما أرادت أن تظهر. كان الممر قد بدأ يفرغ تدريجيًا؛ أبواب زجاجية تُغلق واحدًا بعد آخر، وأصوات الموظفين تتلاشى في اتجاه المصاعد، فيما بقيت أضواء المكاتب مضاءة فوق ممر طويل يزداد هدوءًا كل دقيقة.وبينما كانت تمر قرب مكتب آدم، التقطت أذنها صوته من الداخل.توقفت.لم تكن تنوي الاستماع، أو هكذا أقنعت نفسها، لكنها عندما سمعت اسم ليان، تباطأت خطواتها دون أن تشعر. اقتربت قليلًا من الجدار، وبقيت في المسافة التي تسمح لها بسماع الكلام من دون أن تظهر أمام الباب.كان آدم يتحدث عبر الهاتف مع الخادمة، وصوته هادئًا كعادته في أمور العمل.قال:"نعم، جهزي العشاء كما اتفقنا، لكن لا تجربي أي شيء جديد الليلة."صمت لحظة ليستمع إلى الطرف الآخر، ثم تابع:"ليان ستتناول العشاء معنا، وهي تتجنب بعض المكونات بسبب الحساسية، لذلك أريدك أن تتأكدي من كل شيء قبل أن تضعيه على الطاولة."ثم ابتسم، وظهر أثر الابتسامة في نبرته رغم أن مري
مرّت الأيام التالية ببطءٍ غريب، وكأن الزمن نفسه كان يحمل في يده ساعة ثقيلة لا يريد أن يسرع بها، ومع ذلك كانت الأشياء تتغير من حولهم بسرعة لا يلاحظها أحد إلا بعد فوات الأوان. في الصباحات كانت المدينة تستيقظ على ضوء شاحب يتسلل بين الأبنية، وتفتح المقاهي أبوابها، وتتحرك السيارات في الشوارع، وتبدأ المكاتب باستقبال الموظفين والعملاء، بينما كانت حياة آدم وليان وياسين تبدو، من الخارج، وكأنها تسير أخيرًا نحو شيء أكثر استقرارًا. وحدها مريم كانت تعيش داخل زمن مختلف؛ كل يوم يمر كان بالنسبة إليها يضيف طبقة جديدة من الغضب، وكل خبر عن ياسين كان يفتح في داخلها جرحًا لم يلتئم، وكل مرة تسمع فيها اسم ليان كانت تشعر أن المسافة بينها وبين الحياة التي أرادتها أصبحت أكبر.في مكتب مريم، كانت الستائر نصف مغلقة رغم أن الشمس كانت قد ارتفعت منذ ساعات، وبقي ضوء رمادي يسقط على المكتب الواسع حيث تراكمت بعض الأوراق والملفات. جلست مريم أمام شاشة الحاسوب، ويداها متشابكتان أمامها، بينما ظلت تنظر إلى اسم ليان في أحد المستندات. لم تكن المشكلة في ليان نفسها بقدر ما أصبحت تمثل في ذهنها؛ النجاح الذي بد
كانت مريم تجلس أمام أمها إلى مائدة الطعام، لكن الطعام ظل لم يتحرك أمامها منذ دقائق طويلة. كانت الملعقة تستقر بين أصابعها دون أن تتحرك، وعيناها معلقتين في نقطة بعيدة على الطاولة، بينما كانت أمها تراقبها بصمت وتتنهد بين حين وآخر. منذ أن وصلها خبر خطوبة ياسين، لم تعد مريم تتصرف كعادتها؛ كانت تضحك حين ينبغي أن تبكي، وتصمت حين ينبغي أن تتحدث، ثم تنفجر فجأة لأسباب صغيرة لا علاقة لها بما يحدث أمامها. وضعت أمها قطعة خبز في طبقها وقالت بهدوء: "كلي قليلًا، منذ الصباح وأنتِ لم تأكلي شيئًا." رفعت مريم عينيها إليها وقالت ببرود متعمد: "لست جائعة." تنهدت أمها وقالت: "أنتِ تقولين ذلك منذ ثلاثة أيام." أدارت مريم وجهها نحو النافذة وقالت: "إذن لا تسأليني." سكتت الأم لحظة، ثم قالت: "أنا لا أسألك لأزعجك، أنا أمك." ضحكت مريم ضحكة قصيرة بلا فرح وقالت: "أمي، أنا بخير." نظرت إليها أمها طويلًا، ثم مدت يدها إلى طرف المائدة، والتقطت ظرفًا عاجيًا كان قد وصل في وقت سابق ووضعته جانبًا دون أن تفتحه. قلبته بين أصابعها وقالت: "وصلت هذه الدعوة اليوم." تجمدت حركة مريم. لم تكن بحاجة إلى سماع الاسم. كا
كان ياسين يسير نحو آدم بخطوات هادئة، لكن شيئًا في طريقته جعل آدم يرفع عينيه إليه قبل أن يصل. لم يكن ياسين يحمل ملفًا ولا هاتفًا ولا حتى الأوراق التي اعتاد أن يأتي بها عندما يريد مناقشة العمل، بل كان يمشي ويداه خاليتان، وملامحه تحمل ذلك الهدوء الغريب الذي يسبق عادةً كلامًا مهمًا. وحين توقف أمام آدم، بقي صامتًا للحظة، كأنه يرتب الكلمات في رأسه قبل أن يسمح لها بالخروج. قال آدم وهو يراقبه باستغراب: "ما بك؟ تبدو وكأنك جئت لتخبرني بشيء لا تريد أن تقوله." ابتسم ياسين ابتسامة صغيرة، ثم أخرج من جيبه ظرفًا أنيقًا ومده إليه. "ربما لأنني فعلًا جئت لأخبرك بشيء مهم." أخذ آدم الظرف ونظر إليه دون أن يفتحه فورًا، ثم رفع عينيه إليه مرة أخرى. "هل هو متعلق بالعمل؟" هز ياسين رأسه، وقال بهدوء: "لا، هذه المرة الأمر يتعلق بحياتي." فتح آدم الظرف ببطء، وأخرج بطاقة سميكة بلون عاجي، كانت حوافها بسيطة، وخطها أنيقًا دون مبالغة. قرأ الاسم، ثم التاريخ، وتوقف عنده طويلًا قبل أن يرفع رأسه. قال آدم: "العشرون من الشهر القادم؟" ابتسم ياسين وقال: "الخميس." ظل آدم ينظر إليه، ثم قال: "لا تقل لي إنك قررت أخير
لم يكن التوقيع هذه المرة مجرد حبرٍ يستقر على ورقة، ولا مجرد إجراء أخير لإغلاق اتفاق طال الحديث عنه. جلست ليان أمام العقد، والقلم بين أصابعها، وبقيت للحظات تنظر إلى السطر المخصص لتوقيعها وكأنها تحاول أن تستوعب أن اسمها سيصبح جزءًا من مشروع حقيقي، مشروع يعرفه أشخاص خارج حدود الاستوديو الصغير الذي اعتادت أن تعمل فيه وحدها. كانت الأوراق مرتبة أمامها، وبجانبها عينات من التصاميم والملصقات التي عملت عليها، بينما كان أحد المسؤولين يقلب الصفحات الأخيرة ويتأكد من البنود للمرة الأخيرة. قال المسؤول بهدوء: "إذن، إذا لم تكن هناك ملاحظات أخرى، ننتقل إلى التوقيع النهائي." رفعت ليان عينيها عن الورقة وقالت: "لا، أظن أن كل شيء واضح." أومأ آدم من الجهة المقابلة وقال: "راجعت البنود مرتين، وكل ما اتفقنا عليه موجود." نظر المسؤول إلى ليان مبتسمًا: "القرار في النهاية لكِ، فأنت صاحبة العمل." نظرت ليان إلى القلم، ثم أخذت نفسًا عميقًا ووقعت. بقيت يدها فوق الورقة لثانية بعد أن انتهت، ثم سحبتها ببطء. لم تكن تشعر بالانتصار الصاخب الذي تخيلته في السابق عندما كانت تفكر في أول مشروع كبير لها. كان الشعور أهدأ من
دخلت ليان إلى الداخل، بينما تبعها آدم بصمت، وقد بقيت ابتسامة صغيرة معلقة على شفتيه. لم يكن أيٌّ منهما يعرف متى بدأ هذا النوع من القرب بينهما، لكن شيئًا ما كان يتغير ببطء؛ تفاصيل صغيرة، مزاح عابر، خوف يُخفى خلف الغضب، واهتمام لم يعد يحتاج إلى تفسير. كانت ليلي قد رتبت الغداء على الطاولة، ووضعت الأطباق في أماكنها بعناية، ثم التفتت إليهما وهي تمسح يديها بالمئزر. قالت ليلي بابتسامة هادئة: "تأخرتما، كنت أخشى أن يبرد الطعام قبل أن تعودا." وضعت ليان حقيبتها جانبًا وقالت: "كان الخطأ منه، أخذني في جولة طويلة." رفع آدم حاجبه وقال: "بل أنتِ من أصرت على أن تريني نصف الشارع حتى تثبت لي أنني لا أفهم شيئًا." نظرت ليان إليه باستنكار لطيف، بينما أخفت ليلي ابتسامتها، ثم تبادلت نظرة سريعة مع ماريا التي كانت تخرج من غرفة العمل، فرفعت ماريا حاجبها وكأنها تقول شيئًا لم تنطق به. فهمت ليان النظرة فورًا، فاحمر وجهها وقالت بسرعة: "لا تنظرن إليّ هكذا، لم يحدث شيء." قالت ماريا وهي تجلس بهدوء: "لم أقل شيئًا." ردت ليان: "لكن وجهك قال." ضحك آدم بخفة، وبقيت ابتسامته واضحة على وجهه، حتى وهو يحاول أن







