Share

آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم
آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم
Author: 𝒟ℴ𝒹𝒾

الفصل 1

last update publish date: 2026-07-22 22:56:15

"لا تطلقي النار..."

كانت تلك آخر جملة قالها قبل أن يتغير كل شيء.

دوّى صوت الرصاصة في القصر الكبير، فمزّق هدوء الليل الذي كان يخيّم على المكان.

توقفت الموسيقى.

سقطت الكؤوس من أيدي المدعوين.

وتحوّلت تلك الليلة التي كان من المفترض أن تكون احتفالًا إلى كابوس لم يكن أحد مستعدًا له.

في منتصف القاعة الفاخرة، وقف كايان بثبات، بينما كانت عيناه مثبتتين على الفتاة الواقفة أمامه.

ليان.

كانت تمسك المسدس بيد مرتجفة، وملامحها تحمل صدمة لم يستطع أحد فهمها.

الجميع كان ينظر إليها وكأنها أصبحت العدو الأول.

لكن كايان...

كان الوحيد الذي لم يتحرك.

لم يصرخ.

لم يأمر رجاله بإيقافها.

فقط نظر إليها بصمت.

وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.

ظل ينظر إلى ليان، إلى عينيها اللتين امتلأتا بالخوف والندم.

ثم قال بصوت هادئ:

كايان: "لم أتوقع أن تكوني بتلك الشجاعه."

ارتجفت شفتاها، لكنها لم تستطع الرد.

ليان: "أنا... لم يكن لدي خيار."

ساد الصمت.

جملة واحدة كانت كافية لتغير نظرة الجميع إليها.

اقترب أحد رجال كايان بسرعة، محاولًا أخذ السلاح منها.

لكن كايان رفع يده وأوقفه.

كايان: "لا تلمسها."

نظر الجميع إليه بدهشة.

فالرجل الذي لم يمنح أحدًا فرصة ثانية...

كان يحمي الشخص الذي حاول إيذاءه.

اقترب كايان منها ببطء.

خطوة.

ثم أخرى.

حتى أصبح أمامها مباشرة.

ليان: "لماذا لا تكرهني؟"

ظل صامتًا للحظات.

ثم قال:

كايان: "لأنني أعرف أنك لم تفعلي هذا بإرادتك."

تسارعت أنفاسها.

وكأن كلماته هدمت آخر جدار كانت تتمسك به.

لكن قبل أن تقول أي شيء...

انطفأت أنوار القصر.

غرق المكان في الظلام.

ارتفعت أصوات الرجال وهم يسحبون أسلحتهم.

أحدهم: "هناك شخص آخر دخل!"

تغيرت ملامح كايان للمرة الأولى.

لأن هناك شيئًا واحدًا فقط كان يستطيع جعله يفقد هدوءه...

أن يعود الماضي.

بعد ثوانٍ، أضاءت الشاشات الموجودة في القاعة وحدها.

وظهر عليها ملف قديم.

ملف يحمل اسمًا واحدًا.

عائلة ليان.

تجمدت ليان مكانها.

أما كايان...

فنظر إلى الشاشة وكأنه رأى شبحًا من الماضي.

لأن الحقيقة التي أخفاها لسنوات بدأت تظهر.

الحقيقة التي ستدمر كل شيء.

ــــــــــــــــــــــــــــ

قبل ثلاثة أيام...

لم تكن ليان تعرف أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب.

كانت تسير في أحد شوارع المدينة بهدوء، تحمل بعض الكتب بين يديها، غير مدركة أن هناك عيونًا تراقبها منذ فترة طويلة.

لم تكن فتاة عادية.

على الرغم من بساطتها، كان هناك شيء غامض في حياتها.

شيء لم يخبرها به أحد.

توقفت أمام مبنى ضخم يرتفع عاليًا وسط المدينة.

شركة "راي للاستثمارات".

كان اسمًا يعرفه الجميع.

والرجل الذي يملكها...

كان اسمًا يخشاه الجميع.

كايان.

لم تكن تريد مقابلته لكنها كانت تُريد ان تعرف مزيد من المعلومات عن مقتل ابيها.

لكنها لم تكن تعلم أن القدر كان يضع خطواتها في طريقه منذ البداية.

دخلت إلى المبنى، وهي لا تعرف أن تلك الخطوة ستكون بداية النهاية لكل شيء اعتقدت أنها تعرفه.

كانت خطواتها هادئة، لكنها لم تكن تعرف أن كل خطوة تقرّبها أكثر من الرجل الذي سيصبح أكبر لغز في حياتها.

دخلت إلى الردهة الواسعة لشركة "راي للاستثمارات"، فاستقبلها الهدوء الغريب الذي يختلف تمامًا عن أي شركة عادية.

الجميع يتحرك بحذر.

الجميع يراقب.

وكأنهم يخشون ارتكاب خطأ واحد فقط.

اقتربت من مكتب الاستقبال.

ليان: "مرحبًا، لدي موعد مع السيد كايان."

رفعت الموظفة نظرها إليها باستغراب.

الموظفة: "السيد كايان لا يستقبل أي شخص دون موعد مسبق."

أخرجت ليان الورقة التي كانت تحملها.

ليان: "لدي هذا الموعد."

نظرت الموظفة إلى الورقة، ثم تغيرت ملامحها قليلًا.

الموظفة: "انتظري هنا."

لم تفهم ليان سبب نظرتها الغريبة.

لكنها لم تهتم.

لم تكن هنا من أجل المجاملات.

كانت هنا للحصول على إجابات.

بعد دقائق، جاء أحد الرجال بملابس رسمية.

الرجل: "آنسة ليان، السيد كايان ينتظرك."

سارت خلفه حتى وصلت إلى باب مكتب كبير.

توقف الرجل وفتح الباب.

الرجل: "تفضلي."

دخلت ليان.

وفي اللحظة التي رفعت فيها عينيها...

رأته.

كان يقف أمام النافذة، يدير ظهره لها، يرتدي بدلة سوداء جعلته يبدو أكثر غموضًا.

لم يلتفت فورًا.

وكأنه كان يعرف أنها ستأتي.

كايان: "لم أتوقع أن تكوني بهذه الجرأة لتأتي لرؤيتي."

تجمدت ملامحها.

ليان: "وأنا لم أتوقع أن يكون الشخص الذي أبحث عنه رجلًا يختبئ خلف الحراس."

استدار ببطء.

كانت عيناه باردتين بشكل جعلها تشعر للحظة بأنها أمام شخص لا يعرف الرحمة.

كايان: "اختاري كلماتك جيدًا."

ابتسمت بسخرية.

ليان: "هل هذه طريقتك في التعامل مع الجميع؟ التهديد بدل الإجابة؟"

اقترب من المكتب ووضع بعض الأوراق أمامه.

كايان: "لأن معظم الأشخاص الذين يأتون إليّ لا يبحثون عن إجابات... بل عن فرصة لإيذائي."

نظرت إليه بثبات.

ليان: "ربما لأنك جعلت الجميع أعداءك."

للحظة قصيرة...

تغير شيء في عينيه.

لكن سرعان ما عاد ذلك الجمود.

كايان: "أنت لا تعرفين شيئًا عني."

ليان: "وأنت لا تعرف شيئًا عني أيضًا."

ساد الصمت بينهما.

كان واضحًا منذ اللحظة الأولى...

أنهما لن يتفقا بسهولة.

لم تكن هناك شرارة حب.

بل كان هناك شيء أقرب إلى العداء.

هو رأى فيها شخصًا يحمل خطرًا من الماضي.

وهي رأته رجلًا متكبرًا يظن أن المال والقوة يمنحانه الحق في التحكم بالجميع.

أخذ كايان الملف الموجود أمامه.

كايان: "لماذا أنتِ هنا؟"

ترددت للحظة.

ثم أخرجت صورة قديمة من حقيبتها ووضعتها أمامه.

تغير وجه كايان بمجرد أن رأى الصورة.

ليان: "أريد أن أعرف لماذا كانت هذه الصورة بين أغراض والدي قبل وفاته."

نظر إلى الصورة بصمت.

لأن الشخص الموجود فيها...

كان شخصًا ظن كايان أنه اختفى إلى الأبد.

ليان: "من هذا الرجل؟"

رفع كايان عينيه إليها.

ولأول مرة ظهر شيء يشبه الغضب الحقيقي في ملامحه.

كايان: "غادري."

تفاجأت.

ليان: "ماذا؟"

كايان: "قلت غادري."

اقتربت منه بغضب.

ليان: "أتيت إلى هنا لأنني أريد الحقيقة، ولن أغادر قبل أن أحصل عليها ، هذه الصوره عليها شِعار شركتك ف هذا يعني انها التقطت هُنا ، لذا ف انت تعرف هذا الشخص بالتأكيد."

نظر إليها ببرود.

كايان: "بعض الحقائق تتمنى لو أنك لم تعرفيها."

ليان: "وأنا لا أخاف منها."

ابتسم ابتسامة خالية من الدفء.

كايان: "ستندمين على هذه الجملة."

ابتسمت ليان والغضب بادي على ملامحها.

ليان:" انت من سيندم "

من ثم خرجت ليان من المكتب وهي غاضبة.

لم تكن تعلم أن الرجل الذي كرهته في أول لقاء...

كان يخفي السبب الحقيقي وراء خوفه منها.

ولم تكن تعلم أن الصورة التي أحضرتها...

كانت المفتاح الوحيد لفتح باب الماضي.

باب حاول كايان إغلاقه بيديه.

لكن الماضي...

عاد ليطالب بحسابه.

خرجت ليان من مكتب كايان وهي تحاول السيطرة على غضبها.

لم تكن معتادة على أن يعاملها أحد بهذه الطريقة.

وخاصة رجل مثل كايان...

رجل يتحدث وكأن العالم كله تحت أمره.

توقفت أمام المصعد، وضغطت الزر بعصبية.

ليان: "رجل مغرور... يظن أن البرود يجعله مخيفًا."

ثم أضافت بسخرية:

ليان: "بل يجعله شخصًا مملًا فقط ، اللعنه عليه لقد اغضبني."

لكنها لم تكن تعلم أن الشخص الذي تتحدث عنه كان يقف خلفها.

كايان: "هل انتهيتِ؟"

تجمدت للحظة.

ثم استدارت ببطء.

كان يقف هناك، واضعًا يديه في جيبه، وينظر إليها بتلك النظرة الهادئة التي تستفزها أكثر.

ليان: "كنت سأكمل، لكن لا أريد إضاعة وقتي."

رفع حاجبه واقترب منها حتى كاد ان يلتصق بيها.

كايان: "غريب... مع أنكِ قضيتِ وقتًا طويلًا في الحديث عني."

توترت ليان من قربه ولكنها تماسكت ونضرت اليه بغضب.

ليان: "انت شخص فظ ومغرور للغايه."

نظر إليها للحظات ثم اقترب حتى لم يكن هناك اي مسافه ونضر الى عينيها.

كايان: "أنا أحاول فهم سبب ثقتك الزائدة ولسانك الاذع."

ليان: "الثقة أفضل من أن يعيش الإنسان خائفًا من ظله ، ولساني الاذع للاشخاص الذين هم مثلك."

جملتها الاولى اصابته في مكان عميق وبدا الغضب يتصاعد في عينيه وتحولا الى اللون الاحمر من شده الغضب.

كايان: "أنتِ لا تعرفين من أنا ، لذا لاتتجاوزي حدودك."

رفعت رأسها بتحدٍ.

ليان: "وأنت لا تعرف من أنا. الفرق أنني لم أدّعِ أنني أعرف كل شيء."

ابتسم كايان ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن تحمل أي ود.

كايان: "لسانك أسرع من تفكيرك."

ضحكت بسخرية.

ليان: "وأنت غرورك أسرع من ذكائك."

نظر إليها رجاله بدهشة.

لم يعتد أحد أن يتحدث مع كايان بهذه الطريقة.

لكنها فعلت.

ولم يبدو عليها أنها خائفة.

اقترب أحد الرجال من كايان وهمس:

الرجل: "سيدي... هل تريد أن نخرجها؟"

قبل أن يجيب، سبقتهم ليان بالكلام.

ليان: "بالطبع، لأن الحل الوحيد عندما لا تستطيعون الرد هو استخدام القوة."

نظر إليها كايان.

كايان: "أنتِ تظنين أنكِ تفهمين كل شيء."

ليان: "وأنت تظن أنك تخفي كل شيء."

كايان: "سأعطيك نصيحة واحدة."

ليان: "احتفظ بها لنفسك، فأنا لا أجمع نصائح من أشخاص لا يعرفون كيف يتحدثون بلطف."

نظر إليها ببرود.

كايان: "لا تبحثي عن الحقيقة."

تغيرت ملامحها قليلًا.

ليان: "ولماذا؟ هل تخاف أن أجد شيئًا لا تريدني أن أعرفه؟"

كايان: "لأن الحقيقة التي تبحثين عنها... قد تجعلك تكرهين الشخص الخطأ."

توقفت للحظة.

لم تفهم معنى كلامه.

لكنها فهمت شيئًا واحدًا...

أن كايان يعرف أكثر مما يقول.

وصل المصعد.

وقبل أن تدخل، التفتت إليه.

ليان: "سيد كايان."

نظر إليها.

ليان: "حاول أن تكون أقل تواضع."

ابتسمت وأضافت:

ليان: "فالغرور لا يجعلك أكثر جاذبيه... أحيانًا يجعلك تبدو وكأنك مُهرج."

دخلت المصعد قبل أن يرد.

وظلت ابتسامتها المستفزة أمام عينيه لثوانٍ.

ثم اختفت.

عاد وجه كايان باردًا.

لكن أحد رجاله لاحظ شيئًا غريبًا...

أنه لأول مرة منذ سنوات...

لم يغضب كايان من شخص تحداه.

بل بدا وكأنه يحاول فهمه.

الرجل: "سيدي... هل هي خطر؟"

نظر كايان إلى باب المصعد المغلق.

كايان: "نعم."

توقف قليلًا.

ثم قال:

كايان: "لكن ليس لأنها ضعيفة."

صمت.

كايان: "بل لأنها لا تخاف."

ــــــــــــــــــــــــــــ

في تلك الليلة...

وصل كايان إلى مكتبه الخاص.

فتح الدرج السري الموجود خلف اللوحة.

وأخرج ملفًا قديمًا.

ملفًا يحمل اسمًا واحدًا:

ليان.

لكن ما جعله يتجمد...

أن آخر صفحة في الملف كانت تحمل صورة حديثة لها.

وتحت الصورة جملة واحدة:

"إذا ظهرت هذه الفتاة مرة أخرى... فهذا يعني أن الماضي عاد."

أغلق كايان الملف بسرعة.

لأول مرة منذ سنوات...

شعر بأن الأمور خرجت عن سيطرته.

لأن ليان لم تدخل حياته بالصدفة.

بل كانت جزءًا من الحرب منذ البداية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 50

    تسللت خيوط الضوء الرمادية عبر النافذة العريضة لتبدد ظلال الليل في جناح شاهين ، كان السكون يخيم على الغرفة ، لا يقطعه سوى صوت أنفاس متبادلة وقطرات مطر خفيفة تعلق على الزجاج وتنساب ببطء،كانت سهام تجلس عند طرف الفراش، ترتدي رداءها الستاني الكحلي وتشد رباطه حول خصرها بمهل، بينما يتأملها شاهين وهو يسند ظهره إلى وسائده العريضة، كانت الليلة البارحة قد أزاحت جداراً طويلاً من الجفاء بينهما، لكنها فتحت في الوقت نفسه أبواباً جديدة من التوجس،تطلع شاهين إليها، وعيناه النافذتان تفحصان الهدوء العجيب الذي يرتسم على ملامحها، ثم قال بنبرة خفيضة ومباشرة:«للأن لم تجيبيني على سؤالي؟»التفتت سهام إليه ببطء ، لم تكن في عينيها الداكنتين أي إشارة للارتباك، بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تحمل غموضاً عصياً على الفهم ، قربت يدها لتصلح زر رداءها، وقالت بصوت هادئ ومحسوب:«اللاعب الذكي لا يكشف أوراقه دفعة واحدة ، حتى لشريكه»انعقد حاجبا شاهين، وخطى بعينيه نحوها بصرامة:«أنتِ تعرفين أنني لا أحب السير في طرق مجهولة ، كايان ليس خصماً سهلاً ، وأي خطوة غير محسوبة ستكلفنا جميعاً.»قامت سهام من مكانها ببطء، ومرت بج

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 50

    تسللت خيوط الضوء الرمادية عبر النافذة العريضة لتبدد ظلال الليل في جناح شاهين ، كان السكون يخيم على الغرفة ، لا يقطعه سوى صوت أنفاس متبادلة وقطرات مطر خفيفة تعلق على الزجاج وتنساب ببطء،كانت سهام تجلس عند طرف الفراش، ترتدي رداءها الستاني الكحلي وتشد رباطه حول خصرها بمهل، بينما يتأملها شاهين وهو يسند ظهره إلى وسائده العريضة، كانت الليلة البارحة قد أزاحت جداراً طويلاً من الجفاء بينهما، لكنها فتحت في الوقت نفسه أبواباً جديدة من التوجس،تطلع شاهين إليها، وعيناه النافذتان تفحصان الهدوء العجيب الذي يرتسم على ملامحها، ثم قال بنبرة خفيضة ومباشرة:«للأن لم تجيبيني على سؤالي؟»التفتت سهام إليه ببطء ، لم تكن في عينيها الداكنتين أي إشارة للارتباك، بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تحمل غموضاً عصياً على الفهم ، قربت يدها لتصلح زر رداءها، وقالت بصوت هادئ ومحسوب:«اللاعب الذكي لا يكشف أوراقه دفعة واحدة ، حتى لشريكه»انعقد حاجبا شاهين، وخطى بعينيه نحوها بصرامة:«أنتِ تعرفين أنني لا أحب السير في طرق مجهولة ، كايان ليس خصماً سهلاً ، وأي خطوة غير محسوبة ستكلفنا جميعاً.»قامت سهام من مكانها ببطء، ومرت بج

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 49

    ساد الصمت أرجاء الصالة الكبرى في القصر بمجرد أن أُغلق الباب الخارجي الثقيل خلف رائد وليان، صمتٌ لم يكن هادئاً بقدر ما كان محشواً بصدى الصراخ المتلاشي ورائحة المطر الرطب التي تسللت من الفتحات الزجاجية ، كان القصر ينبض بطاقة غريبة، كأن جدرانه الرخامية العتيقة تتنفس التوتر الذي يخنق الجميع،وقفت سهام في منتصف القاعة، لم تتحرك شبرًا واحداً، بل ظلت مصلوبة العود بأناقتها الباردة، أزاحت شعرها المصفف بعناية إلى الخلف بلمسة حاسمة، وجالت بعينيها الحادتين في الفراغ الممتد، قبل أن تدير رأسها ببطء نحو شاهين، الذي كان يقف كعمود من الرخام عند بداية السلم الداخلي، تتصاعد من قميصه الهيبة، وعيناه النافذتان تتأملانها بنظرة تجمع بين الحقد القديم والشغف المكبوت،خلعت سهام قفازاتها الجلدية السوداء إصبعاً تلو الآخر، وألقتها فوق الطاولة الخشبيّة القريبة برعونة مدروسة، ثم قالت بصوت نقي، حاد، يتهادى في الصالة كشفرة حريرية:«تسرّع ابنك كالعادة يا شاهين ، أخذ الفتاة وركض بها وكأنه الفارس المنفذ، بينما أنت كعادتك، تكتفي بالمراقبة والوقوف في الظل، تنتظر أن تهدأ العاصفة لتجمع الغنائم.»خطى شاهين خ

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 48

    مرّ أسبوع كامل ، سبعة أيام بطيئة بَنت خلالها الجدران حواجز جديدة من الصمت في القصر ، كان أسبوعاً هادئاً في ظاهره، لكنه حمل نوعاً ثقيلاً من الترّقب الذي يُجهِد النفس أكثر من المواجهة المباشرة،خلال تلك الأيام السبعة، اختفى كايان تماماً من المشهد، لم تظهر سيارات حراسته عند أطراف الحي، ولم ترتسم في عتمة الشرفة رائحة التبغ الفاخر التي طالما أرّقت ليل ليان، بل حُذفت أي إشارة إليه حتى من الصحف الاقتصادية التي كانت تتابع صفقاته ، كان الصمت الذي فرضه كايان كاملاً ومحسوباً، كأنه مسح وجودها من معادلته تماماً،حاولت ليان إقناع نفسها بأن هذا الاختفاء هو ما كانت تطالب به دائماً، وأن عودة حياتها إلى خطها الهادئ هي المكسب الحقيقي ، لكن التجاهل المطبق جعلها تخوض معركة يومية مع أفكارها؛ كانت تسأل نفسها بين الحين والآخر: هل كان تجاهله لها في الحفل ورقصته الاستعراضية بداية النهاية بالفعل؟ أم أن هذا الهدوء مجرد خطة خبيثة لإرهاق كبريائها وجعلها تأكل نفسها في الانتظار؟لتتهرب من هذه التساؤلات، كانت تقضي معظم أوقاتها بين جناحها والحديقة الخلفية القصر، تحاول القراءة أو مراقبة المطر الخفيف الذي

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 47

    ترددت آخر نغمات السيمفونية الكلاسيكية في أرجاء القاعة الكبرى، وتلاشت ألحان الأوتار الهادئة لتفسح المجال لموجة خفيفة من التصفيق الدافئ الذي تبادله الحاضرون على أطراف حلبة الرقص،كانت ليان تقف على حافة الرخام المصقول، ويدها ما زالت تستقر بخفة فوق ذراع رائد ، كانت السخونة تسري في أسفل قدميها جراء الحركة، لكن أحشاءها كانت متجمدة تماماً ، رفعت عينيتها ببطء شديد، ورسمت على وجهها هدوءاً متصنعاً وهي تتراجع خطوة واحدة إلى الخلف، محاطة بكبرياء يرفض الانكسار،انتهت المعزوفة، وفي تلك اللحظة التفت كايان بمهل نحو تالين ، سحب يده من حول خصرها ببرود حاسم ومجرد من أي دفء، ورتب طرف سترة بدلته السوداء بلمسة خفيفة دون أن ينظر إلى وجهها المبتسم،«كانت رقصة رائعه» قالت تالين بصوت ناعم، وعلقت عيناها بملامحه الحادة وهي تحاول الحفاظ على تقارب المسافة بينهما،أجابها كايان بنبرة خفيضة وجافة، تتجاهل إطراءها كلياً:«المستثمرون الأجانب ينتظرون في الصالون الملحق، جهزي ملفات المرفأ وسألحق بكِ خلال دقائق.»لم تنتظر تالين منه مغازلة أو حديثاً جانباً؛ فقد كانت السيطرة الجليدية التي يتعامل بها

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 46

    كانت زجاجات النافذة المظللة لسيارة "الروز رايز" تعكس أضواء واجهات الفندق الماسي المتلألئة وسط عتمة الليل العاصف ، في المقعد الخلفي، كانت ليان تجلس بين عمها شاهين وابنه رائد، وساقاها الملتفتان بقماش الحرير الأسود تلتصقان ببعضهما في ثبات مفتعل، كان الفستان الذي اختارته لهذه الليلة يعود لتصميم كلاسيكي محشوم؛ أسود بقصة مستقيمة تحيط بجسدها الممشوق، بفتحة عنق مربعة أظهرت بياض بشرتها الشاحبة دون تكلف ، رفعت شعرها الأسود الداكن بأكمله إلى الأعلى في كعكة مرتخية تثبتها مشابك صغيرة، تاركة بضع خصلات ناعمة تتساقط حول أذنيها وعنقها، لم تضع من الزينة سوى أقراط ألماسية صغيرة، وقليلاً من أحمر الشفاه الهادئ ليداري شحوب شفتيها الناجم عن أرق الليلة الماضية، كانت يداها المستقرتان على حقيبتها الصغيرة تبذلان جهداً لكي لا ترتجفا، كانت تعلم أن دخولها إلى هذا الحفل ليس مجرد حضور اجتماعي عابر؛ بل هو نزال صامت تُثبت فيه لنفسها، ولذلك الرجل، أنها لم تعد تلك الفتاة التي ترتعد خوفاً في غرفتها المغلقة، «ليان،» تحدث شاهين بنبرة خفيضة ورزينة، ملتفتاً نحوها وهو يضبط أزرار أكمامه الذهبية: «لا داعي للالتفات لأي همس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status