LOGINلاحظ سمير الملف الذي كانت تضمه إلى صدرها.
فسألها: ــ يبدو أنك خرجت من أجل أمر مهم. نظرت أروى إلى الملف. ثم ابتسمت ابتسامة باهتة. ــ في الحقيقة... كنت أبحث عنك. ارتفع حاجباه باستغراب. ــ عني أنا؟ أومأت برأسها. ــ منذ خروجي وأنا أبحث عن عمل. طرقت أبوابًا كثيرة... لكن دون جدوى. ثم تذكرت أنك تعمل هنا. فقلت... ربما تعرف مكانًا يحتاج إلى موظفين. أو تستطيع أن ترشدني إلى شركة أقدم إليها. ظل سمير صامتًا للحظة. ثم قال مبتسمًا: ــ وهل جئت لتسألي عن عمل في شركة أخرى... وتركتِ هذه الشركة؟ نظرت إليه بعدم فهم. فابتسم وقال: ــ لدينا شواغر فعلًا. اتسعت عينا أروى. ــ حقًا؟ ــ نعم. ليست كثيرة... لكنني أستطيع أن أتحدث مع الإدارة. بدت الدهشة واضحة على وجهها. وقالت بسرعة: ــ لكن... لا أريد أن أسبب لك أي إحراج. ابتسم سمير. ــ أي إحراج؟ أنت لا تطلبين معروفًا. إذا كانت هناك وظيفة تناسبك، فمن حقك أن تتقدمي لها مثل أي شخص. شعرت أروى بأن ثقلًا كبيرًا انزاح عن صدرها. ولأول مرة منذ أسابيع... عاد الأمل إلى عينيها. قال سمير: ــ أحضري أوراقك غدًا صباحًا. وسأرتب لك مقابلة مع المسؤول. إذا سار كل شيء كما أتوقع... فستبدئين العمل قريبًا. لم تستطع أروى إخفاء سعادتها. ابتسمت ابتسامة صادقة. وقالت: ــ لا أعرف كيف أشكرك. لو لم ألتقِ بك اليوم... لما عرفت ماذا سأفعل. ابتسم سمير بهدوء. ــ لا تشكريني الآن. اشكريني عندما تحصلين على الوظيفة. ضحكت أروى بخفة. كانت ضحكة صغيرة... لكنها مختلفة. وكأنها نسيت للحظات كل ما مرت به. وقفت وهي تمسك ملفها. وقالت: ــ سأكون هنا غدًا في الموعد. أومأ سمير برأسه. ــ سأنتظرك. ودعته. ثم غادرت الشركة. كانت خطواتها أخف من أي وقت مضى. كلما ابتعدت عن المبنى... كانت تشعر أن الحياة منحتها فرصة جديدة. رفعت رأسها إلى السماء. وابتسمت. في صباح اليوم التالي... لم تحتج أروى إلى صوت المنبه كي تستيقظ. كانت قد استيقظت قبل موعده بدقائق. جلست على حافة السرير. وأخذت تنظر إلى ملفها الموضوع فوق الطاولة. كانت تشعر بمزيج غريب من الأمل والقلق. منذ خروجها من السجن... لم تستيقظ بهذا الشعور. هذه المرة... لم تكن ذاهبة لتطرق باب شركة مجهولة. بل كانت تحمل وعدًا بفرصة حقيقية. --- نهضت بهدوء. ارتدت ملابسها بعناية. واختارت فستانًا بسيطًا بلون هادئ. سرحت شعرها. ثم وقفت أمام المرآة. تأملت نفسها طويلًا. رفعت يدها. وعدلت ياقة فستانها. ثم أخذت نفسًا عميقًا. وقالت بصوت منخفض: ــ هذه فرصتي... لا يجب أن أضيعها. --- وقبل أن تغادر... توقفت أمام صورة عمها أسامة. ابتسمت ابتسامة صغيرة. وقالت: ــ أتمنى لو كنت هنا... لكنت أول من يفرح لي. حملت ملفها. وأغلقت باب الغرفة. --- بعد أقل من ساعة... كانت تقف أمام مبنى الشركة. تأملت المبنى للحظات. ثم دخلت بثبات أكبر من زيارتها السابقة. ابتسمت لها موظفة الاستقبال فور أن رأتها. وقالت: ــ صباح الخير. ابتسمت أروى. ــ صباح الخير. ــ الأستاذ سمير أخبرني أنك ستأتين. تفضلي... سينزل بعد قليل. شعرت أروى بشيء من الارتياح. وجلست تنتظر. --- لم يطل الانتظار. خرج سمير من المصعد. وما إن رآها... حتى ابتسم. اقترب منها وصافحها. وقال: ــ صباح الخير يا أروى. ــ صباح الخير. نظر إلى الملف بين يديها. ثم قال: ــ أحضرتِ كل الأوراق؟ ناولته الملف. ــ نعم. راجعها بسرعة. ثم ابتسم. ــ ممتاز. هيا معي. --- سارا عبر ممرات الشركة. كانت أروى تنظر حولها في صمت. موظفون يتحركون في كل اتجاه. مكاتب زجاجية. وأجواء مختلفة تمامًا عن أي مكان عمل رأته من قبل. لاحظ سمير توترها. فقال مبتسمًا: ــ لا تقلقي. مجرد مقابلة عادية. هزت رأسها. لكنها لم تستطع إخفاء ارتجاف أصابعها. --- توقف سمير أمام أحد المكاتب. طرق الباب. ثم فتحه. كان في الداخل رجل في منتصف الخمسينيات. يرتدي نظارة. وينشغل بقراءة بعض الملفات. رفع رأسه. وقال: ــ تفضل. دخل سمير. وقال باحترام: ــ أستاذ فؤاد... هذه الآنسة أروى الحازمي. التي حدثتك عنها أمس. ابتسم الرجل. وأشار إلى المقعد. ــ أهلًا بكِ. تفضلي بالجلوس. جلست أروى بهدوء. بينما وضع سمير الملف أمام المدير. وقال: ــ سأترككما حتى تنتهيا. ثم التفت إلى أروى. وقال بابتسامة مطمئنة: ــ بالتوفيق. خرج من المكتب. وأغلق الباب خلفه. --- فتح الأستاذ فؤاد الملف. وبدأ يتصفح الأوراق. مرت ثوانٍ... لم يسمع خلالها سوى صوت تقليب الصفحات. كانت أروى تشعر أن دقات قلبها أعلى من صوت الورق. رفع الرجل رأسه أخيرًا. وقال: ــ شهاداتك جيدة. وتقديراتك ممتازة. ابتسمت أروى بخجل. ــ شكرًا. أعاد النظر إلى الملف. ثم بدأ يسألها عن دراستها. وعن بعض المهارات التي تملكها. أجابت بثقة. وكانت إجاباتها دقيقة وواضحة. لاحظ الرجل ذلك. فأغلق الملف. واستند إلى كرسيه. ثم قال: ــ بقي سؤال واحد فقط... ساد الصمت. ثم نظر إليها مباشرة. وقال بهدوء: ــ هناك ثلاث سنوات مفقودة من سيرتك الذاتية... هل يمكن أن تخبريني ماذا كنتِ تفعلين خلالها؟ شعرت أروى بأن قلبها انقبض فجأة. واختفت الابتسامة عن وجهها. وأدركت... أن اللحظة التي كانت تخشاها قد وصلت.ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.