Share

الفصل الثالث والعشرين

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-12 08:04:07

ما بين جدران السجن... وجدران القلب

مرت الأشهر ببطء...

لكنها لم تعد ثقيلة كما كانت في البداية.

أصبحت أروى تعرف تفاصيل حياتها الجديدة.

تستيقظ مع الفجر...

تتجه إلى ورشة الخياطة...

ثم تعود إلى زنزانتها مع نهاية النهار.

ولأول مرة منذ دخولها السجن...

شعرت أن الأيام لم تعد كلها متشابهة.

كان عمها يزورها كل أسبوع دون انقطاع.

لم يتأخر يومًا.

حتى إن السجانات أصبحن يعرفنه من كثرة حضوره.

وكانت أروى تنتظر ذلك اليوم كما ينتظر العطشان قطرة ماء.

أما سمير...

فقد زارها مرة أخرى بعد زيارته الأولى.

ثم أخبرها أن ضغط العمل أصبح كبيرًا.

ووعدها بأنه سيأتي كلما استطاع.

ابتسمت أروى يومها.

ولم تطلب منه أكثر من ذلك.

داخل ورشة الخياطة...

بدأت أروى تتقن العمل.

كانت يداها تتحركان بثقة أكبر.

حتى إن المشرفة أصبحت تكلفها ببعض القطع التي تحتاج إلى دقة.

قالت المشرفة ذات صباح:

ــ أحسنت يا أروى.

تبدين سريعة التعلم.

ابتسمت أروى بخجل.

ــ شكرًا.

لكن تلك الكلمات...

لم تعجب روان.

نظرت إليها بطرف عينها.

ثم عادت إلى عملها دون أن تنطق.

ومع مرور الأيام...

بدأت مضايقاتها تظهر بصورة أوضح.

كانت تخفي مقص أروى أحيانًا.

أو تبدل مكان أدواتها.

ثم تراقبها بصمت وهي تبحث عنها.

وفي كل مرة...

كانت أروى تظن أنها هي من نسي مكانها.

حتى بدأت تدرك...

أن الأمر لم يعد مصادفة.

وفي إحدى المرات...

قالت روان بصوت تسمعه جميع السجينات:

ــ بعض الناس يحصلون على المديح بسرعة...

رغم أنهم لم يفعلوا شيئًا يستحق.

ساد الصمت.

لكن أروى لم تلتفت إليها.

واكتفت بإكمال عملها.

همست إحدى السجينات:

ــ لماذا لا تردين عليها؟

ابتسمت أروى ابتسامة باهتة.

ــ لأنني لا أريد أن أبدأ يومي بمشكلة.

هزت السجينة رأسها.

أما روان...

فازدادت ضيقًا من تجاهلها.

في المساء...

عادت أروى إلى الزنزانة.

كانت ترتب أغراضها عندما جلست هناء بجوارها.

قالت بهدوء:

ــ يبدو أن روان لن تتوقف بسهولة.

ابتسمت أروى.

ــ لا بأس...

ربما تتغير مع الوقت.

نظرت إليها هناء.

ــ أتمنى ذلك.

لكن لا تسمحي لأحد أن يجعلك تكرهين نفسك.

رفعت أروى رأسها.

ثم قالت بعد لحظة صمت:

ــ أخشى شيئًا واحدًا...

ــ وما هو؟

ــ أن أخرج من هنا...

وأكون قد أصبحت شخصًا لا أعرفه.

ابتسمت هناء بحنان.

ــ ما دام هذا خوفك...

فلن يحدث.

في الجهة الأخرى من المدينة...

كان رائد يجلس داخل مكتبه.

تراكمت الملفات أمامه.

والاجتماعات لم تتوقف منذ الصباح.

دخلت سكرتيرته.

ــ أستاذ رائد...

الاجتماع القادم بعد عشر دقائق.

أغلق الملف الذي أمامه.

وقال بهدوء:

ــ أخبريهم أنني قادم.

خرجت السكرتيرة.

وبقي وحده.

نظر إلى واجهة المدينة من خلف الزجاج.

ثم عاد إلى عمله...

وكأنه يهرب من شيء لا يستطيع مواجهته.

بعد دقائق...

دخل عمر إلى المكتب.

نظر إلى ابنه.

ثم قال:

ــ ألم تكتفِ بعد؟

رفع رائد رأسه.

ــ ماذا تقصد؟

اقترب عمر من المكتب.

ــ منذ أشهر...

وأنت لا تعرف سوى الشركة والمنزل.

لا أراك مع أصدقائك.

ولا تخرج إلا للعمل.

تنهد رائد.

ــ العمل أفضل من الفراغ.

قال عمر:

ــ لكنه ليس حياة.

ساد الصمت.

ثم أخرج عمر بطاقة دعوة من جيبه.

ووضعها أمام رائد.

ــ هناك حفل عشاء الليلة...

يجمع عددًا من رجال الأعمال.

أكدت حضورك.

نظر رائد إلى البطاقة.

ثم رفع عينيه نحو والده.

ــ من دون أن تسألني؟

ابتسم عمر ابتسامة خفيفة.

ــ لأنني أعرف جوابك مسبقًا.

ثم أضاف:

ــ ستكون سماء هناك أيضًا...

ستمثل شركتها في المناسبة.

أعاد رائد البطاقة إلى الطاولة.

وقال بهدوء:

ــ لن أذهب.

نظر إليه عمر باستغراب.

ــ ولماذا؟

عاد رائد إلى فتح الملف الذي أمامه.

ثم قال دون أن ينظر إليه:

ــ لدي عمل.

ظل عمر صامتًا للحظات.

ثم تنهد.

وغادر المكتب دون أن يضيف كلمة.

حل المساء...

وأضيئت قاعة الحفل بالأضواء الهادئة.

بدأ رجال الأعمال يتوافدون تباعًا.

وكانت سماء تقف تتبادل الأحاديث مع بعض الحضور.

لكن عينيها...

كانتا تتجهان بين الحين والآخر نحو باب القاعة.

وكأنها تنتظر وصول شخص معين.

مرت الدقائق...

ثم مضت ساعة كاملة.

اقترب منها أحد المنظمين.

وقال:

ــ يبدو أن الأستاذ رائد اعتذر عن الحضور بسبب ارتباطه بالعمل.

اختفت ابتسامتها للحظة.

ثم استعادت هدوءها سريعًا.

ــ لا بأس...

العمل يأتي أولًا.

قالتها بابتسامة مهذبة...

لكنها عندما ابتعدت عن الحضور...

أطلقت زفرة طويلة.

ثم نظرت إلى مقعد كان مخصصًا لرائد.

ظل فارغًا طوال تلك الليلة.

وفي الوقت نفسه...

كان رائد ما يزال داخل مكتبه.

أغلق آخر ملف أمامه.

نظر إلى ساعة يده.

ثم أطفأ مصباح المكتب.

وغادر الشركة وحده...

كما اعتاد منذ ذلك اليوم الذي تبدلت فيه حياته

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 86

    مرت عدة أيام منذ عودة أروى من رحلة العمل.وببطء...بدأت حياتها تستعيد هدوءها المعتاد.لم تعد تفاصيل الرحلة تلاحقها في كل لحظة، وعادت إلى روتينها اليومي الذي اعتادته.تستيقظ في الصباح، تستعد للذهاب إلى الشركة، تقضي ساعات عملها بين الملفات والمهمات، ثم تعود إلى منزلها في المساء.ومع ذلك، كان هناك شيء واحد لم تسمح لروتينها الجديد أن يغيره.نوال.كلما سنحت لها الفرصة، كانت تذهب لزيارتها.وكانت حالة نوال قد تحسنت بشكل ملحوظ.لم تعد الأيام ثقيلة كما كانت في البداية، وأصبح بإمكانها الجلوس لفترات أطول، والتحدث مع أروى دون أن تشعر بالإرهاق سريعًا.وكان ذلك وحده كافيًا ليمنح أروى بعض الطمأنينة.---في أحد الأيام...خرجت أروى من الشركة بعد انتهاء دوامها.كانت الشمس تميل إلى الغروب، والشارع مزدحمًا بالمارة والسيارات.حملت حقيبتها على كتفها، وسارت باتجاه المستشفى.كانت تفكر في نوال.ماذا يمكن أن تحضر لها هذه المرة؟ربما بعض الفاكهة...أو كتابًا خفيفًا تقرأه عندما تشعر بالملل.ابتسمت وحدها عندما تذكرت أن نوال أصبحت تشتكي من طول فترة بقائها في المستشفى أكثر مما تشتكي من مرضها.لكن ابتسامتها اختفت فج

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 85

    تغيرت ملامح أروى فورًا. ــ لا. ــ متأكدة؟ ــ نعم. أجابتها دون تردد هذه المرة. ــ لم يحدث شيء. ثم أضافت: ــ كنا نعمل فقط. توقفت لحظة، وكأنها تستعيد تفاصيل الرحلة. ــ وفي اليوم التالي لم أره إلا عندما عدنا. نظرت ليان إليها باهتمام. فأكملت: ــ بقيت في غرفتي أرتاح معظم الوقت، ثم التقينا في المطار. كانت أروى تقول الحقيقة كما تعرفها. فهي لم تكن تعرف ما حدث بعد أن فقدت وعيها. لم تكن تعرف أن رائد حملها بنفسه إلى الفندق. ولم تكن تعرف أنه بقي بجانبها حتى استعادت وعيها. بالنسبة إليها... لم يحدث بينهما شيء يتجاوز حدود العمل. ظلت ليان صامتة للحظات. ثم قالت: ــ هذا غريب. رفعت أروى حاجبها. ــ ماذا؟ ــ أنتِ لستِ أول فتاة تذهب مع رائد في رحلة عمل. ثم عقدت حاجبيها. ــ فلماذا حذرتك سماء أنتِ تحديدًا؟ لم تجد أروى جوابًا. نظرت إلى شاشة حاسوبها. ثم قالت بهدوء: ــ لا أعرف. لكن السؤال بقي عالقًا في ذهنها. لماذا هي تحديدًا؟ --- في الطابق العلوي... كان رائد جالسًا خلف مكتبه، منشغلًا بمراجعة بعض الملفات. ساد الهدوء في المكتب، إلى أن سمع طرقًا خفيفًا على الباب. رفع عينيه عن

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 84

    عادت أروى إلى مكتبها بعد لقائها بسماء، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.جلست أمام حاسوبها، وضعت الملفات إلى جانبها، ثم حاولت العودة إلى عملها وكأن شيئًا لم يحدث.فتحت أحد المستندات.قرأت السطر الأول.ثم أعادته مرة أخرى.لكن الكلمات لم تدخل إلى ذهنها.أغلقت الملف ببطء، وأسندت ظهرها إلى الكرسي.كانت كلمات سماء لا تزال تتردد في رأسها."أتمنى أن يكون رائد قد عاملكِ بلطف."ثم..."هو لا يعرف كيف يتصرف مع الفتيات أحيانًا."وأخيرًا..."على الأغلب شعر بالمسؤولية لأنك موظفة في شركته."رفعت أروى عينيها نحو الشاشة.لم تكن ساذجة.كانت تعرف أن بعض الكلمات تحمل معنى أبعد من ظاهرها.لكنها لم تستطع أن تحدد بالضبط ما الذي أرادت سماء قوله.هل كانت تحاول تحذيرها؟أم أنها كانت مجرد امرأة فضولية أرادت معرفة طبيعة العلاقة بين أروى ورائد؟تنهدت أروى.ــ ربما أنا أبالغ في التفكير.لكنها لم تقتنع بكلماتها.في تلك اللحظة، رفعت ليان رأسها من خلف مكتبها.لاحظت شرود أروى منذ فترة، فنهضت واتجهت نحوها.وقفت بجانب مكتبها وقالت:ــ أروى؟لم تجب أروى فورًا.ــ أروى!انتبهت أخيرًا، ورفعت رأسها.ــ نعم؟ابتسمت ليان.ــ أين ذهبت

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 82

    كانت أروى تسير في ممرات الشركة، تحمل بين يديها بعض الملفات التي طلبت منها ليان مراجعتها.كان يومها يسير بصورة طبيعية، لكن شيئًا واحدًا استطاع أن يسرق انتباهها من بين كل ما حولها.سمير.رأته من بعيد.كان يقف بالقرب من أحد الموظفين، يتحدث معه حول بعض الأمور المتعلقة بالعمل.توقفت خطوات أروى دون أن تشعر.بقيت عيناها معلقتين به لثوانٍ.لم تقترب منه.لم تحاول أن تلفت انتباهه.حتى إنها لم تسمح لنفسها بأن تطيل النظر إليه.لكن مجرد رؤيته كان كافيًا لإعادة الكثير من الأشياء التي ظنت أنها دفنتها منذ سنوات.ثلاث سنوات.ثلاث سنوات كاملة مرت منذ آخر مرة كان فيها سمير جزءًا من حياتها.ثلاث سنوات تغير فيها الكثير.ربما تغيرت هي...وربما تغير هو أيضًا.خفضت عينيها عن مكانه، ثم تابعت سيرها.لكن سؤال ليان عاد إليها من جديد."هل ما زلتِ تحبينه؟"تنفست ببطء.لم تكن تملك إجابة.وفي الحقيقة...لم تكن متأكدة حتى من رغبتها في معرفة الإجابة.وضعت يدها على جبينها عندما شعرت بثقل بسيط في رأسها.ربما كان التعب لا يزال أقوى مما ظنت.لذلك قررت أن تتوقف قليلًا.اتجهت نحو دورة مياه الموظفات.---دخلت أروى إلى الحمام

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 82

    بعد عودتها من الرحله مرّ يوم أروى في الشركة بصورة طبيعية.لم يحدث شيء استثنائي منذ الصباح، وكأن الأيام قررت أخيرًا أن تمنحها بعض الهدوء بعد ما مرت به خلال رحلة العمل.كانت تتحرك بين المكاتب كالمعتاد، ترتب الملفات، تراجع بعض الأوراق، وتساعد ليان في إنهاء المهام المتراكمة.ورغم أنها استعادت جزءًا كبيرًا من نشاطها، فإن التعب لم يختفِ تمامًا.كان يظهر في عينيها حين تظن أن لا أحد يراقبها.وفي الطريقة التي تتوقف بها أحيانًا لثوانٍ، تأخذ نفسًا عميقًا، ثم تعود إلى عملها وكأن شيئًا لم يكن.لاحظت ليان ذلك أكثر من مرة.لكنها لم تعلق.كانت تعرف أن أروى لا تحب أن يشعر الآخرون بالقلق عليها.ومع اقتراب منتصف النهار، كان القسم هادئًا نسبيًا.كانت أروى جالسة خلف مكتبها، تقلب صفحات أحد الملفات، بينما كانت ليان منشغلة أمام حاسوبها.وفجأة...صدر طرق خفيف على باب القسم.رفعت ليان رأسها.أما أروى فرفعت عينيها عن الملف.تكرر الطرق مرة أخرى.ثم انفتح الباب.ظهر سمير.تغيرت ملامح أروى قليلًا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.قال سمير بابتسامة هادئة:ــ مرحبا أما أروى فقالت بهدوء:ــ تفضل.دخل سمير إلى القسم،

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 81

    بعد أن فتحت عينيهاكان الهدوء يملأ الغرفة.لم تكن أروى تعرف كم مر من الوقت.كل ما شعرت به في البداية هو ثقل غريب في رأسها، وكأنها استيقظت من نوم طويل جدًا.حاولت تحريك يدها.ثم فتحت عينيها ببطء.ظل بصرها مشوشًا لثوانٍ.نظرت إلى السقف.ثم إلى الغرفة من حولها.لم تكن في المستشفى.كانت في غرفتها بالفندق.حاولت أن تتذكر ما حدث.الاجتماع...الملفات...ثم الدوار.وضعت يدها على جبينها.ــ آه...خرج صوتها ضعيفًا.عندها تحرك الشخص الجالس بالقرب من النافذة.كان رائد.رفع عينيه إليها فورًا.نهض من مكانه واقترب من السرير.ــ استيقظتِ.نظرت إليه أروى باستغراب.ــ ماذا حدث؟توقف أمامها.ثم قال:ــ فقدتِ وعيكِ بعد الاجتماع.اتسعت عيناها قليلًا.ــ فقدت الوعي؟ــ نعم.حاولت أروى أن تتذكر.ثم قالت:ــ أنا آسفة.قطب رائد حاجبيه.ــ على ماذا؟خفضت عينيها.ــ عطلت الرحلة.نظر إليها للحظات.ــ لم تعطلي شيئًا.لكن نبرته كانت أكثر هدوءًا من المعتاد.ــ الطبيب فحصكِ.رفعت أروى عينيها إليه.ــ هل قال إنني بخير؟ــ قال إنكِ بحاجة إلى الراحة.تنفست براحة.ثم حاولت الجلوس.لكن رأسها دار قليلًا.مد رائد يده ليسند

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status