تسجيل الدخولغادرت أروى الحديقة وهي تشعر أن قلبها أصبح أخف من الهواء.
كانت تمشي إلى جانب سمير بخطوات هادئة، بينما لم تفارق الابتسامة شفتيها منذ أن أخبرته بخبر قبولها في شركة الرائدة للأعمال. كان الطريق المؤدي إلى المطعم يمر بمحاذاة شارع واسع، تصطف على جانبيه الأشجار المزينة بأضواء صفراء دافئة، تعكس على الأرصفة لوحة هادئة لا يفسدها سوى أصوات السيارات العابرة. رفعت أروى وجهها نحو السماء. الغيوم كانت تزداد كثافة شيئًا فشيئًا. ابتسمت وقالت وهي تمد كفها تستقبل أولى قطرات المطر الخفيفة: ــ يبدو أن السماء قررت الاحتفال معي. نظر إليها سمير وضحك. ــ أو ربما تريد أن تفسد سهرتنا. أخرجت لسانها له بطفولة. ــ لن تستطيع. ضحك من جديد، ثم فتح باب السيارة لها. في الجهة الأخرى من المدينة... كانت سيارة سوداء فاخرة تشق طريقها بهدوء بين شوارع العاصمة. داخلها جلس رائد جلال خلف المقود. كانت يداه تمسكان عجلة القيادة بثبات، بينما انعكست أضواء الشارع على ساعته الفضية الفاخرة. رغم ملامحه الهادئة... كان الشرود يملأ عينيه. قطع الصمت صوت فتاة تجلس إلى جواره. ــ إلى ماذا تفكر؟ التفت إليها للحظة. ابتسم ابتسامة خفيفة. ــ في الاجتماع الذي تركته من أجلك. ابتسمت هبة وهي تهز رأسها. ــ إذا كنت ستظل تفكر في العمل، فلماذا خططت لهذه الأمسية؟ تنهد رائد. ثم أمسك يدها برفق. ــ لأن هناك أمورًا أهم من العمل. احمر وجه هبة بخجل. خفضت بصرها إلى يده التي احتضنت يدها. ثم قالت بصوت خافت: ــ ما زلت متوترة. ــ من لقاء والدي؟ هزت رأسها. ــ أخشى ألا أتلقى الترحيب الذي تتوقعه. ابتسم رائد بثقة. ــ لا تشغلي بالك. سيحبانك عندما يتعرفان عليك. نظرت إليه. كانت تعرف أنه يحاول طمأنتها. لكن شيئًا في داخلها ظل يخبرها بأن هذه الليلة لن تمر بسهولة. في حي آخر... كانت سماء المنصور تقف داخل مرسمها الواسع. لوحات كثيرة تحيط بها من كل جانب. وألوان الزيت تملأ الطاولة أمامها. لكنها لم تكن ترسم. كانت تحدق في لوحة بيضاء منذ أكثر من عشر دقائق. دخلت مساعدتها بهدوء. ــ آنسة سماء... لديك اتصال. رفعت سماء رأسها. ــ ممن؟ ــ والدك. تناولت الهاتف. أجابت ببرود. ــ نعم أبي. جاءها صوته حازمًا. "هل ستأتين الليلة؟" ــ لا أظن. "رائد سيكون هناك." ساد الصمت لثوانٍ. ثم ضحكت سماء بخفة. ــ وهل تظن أنني أطارده؟ "أنت تعرفين أن عائلته تناسبنا." اقتربت من النافذة. وأخذت تراقب المطر الذي بدأ يهطل خارج المرسم. ــ سأفكر بالأمر. أنهت المكالمة. ثم وضعت الهاتف جانبًا. تمتمت بصوت منخفض. ــ سأفكر... لكن عينيها كانتا تقولان شيئًا آخر. في الفندق، لم يصل شيء من ذلك التوتر إلى الطابق المخصص للمطعم. كانت أروى تضحك بخجل بعد إحدى مزحات سمير، وتظن أن هذه الأمسية لن تحمل سوى الذكريات الجميلةو كان المطعم مزدحمًا على غير العادة. وبينما كانت أروى تتصفح قائمة الطعام... لاحظت أن سمير ينظر إلى هاتفه للحظة. ظهر اسم المتصل. لكنه أغلق الشاشة سريعًا. رفعت رأسها. ــ ألا تريد الرد؟ ابتسم وهو يضع الهاتف في جيبه. ــ لا... هذه الليلة لك وحدك. شعرت بالسعادة. ولم تسأله مرة أخرى. بعد دقائق... بدأ النادل يضع الأطباق على الطاولة. امتلأ المكان برائحة الطعام. وبدأت بينهما أحاديث بسيطة. عن الدراسة. وعن أول يوم تدريب. وعن أحلامهما الصغيرة. قالت أروى وهي تحرك الملعقة داخل كوب العصير: ــ أتمنى أن أثبت نفسي في الشركة. ابتسم سمير. ــ ستفعلين. ــ أخشى أن أرتكب أخطاء. ــ ومن لا يخطئ في بدايته؟ رفعت نظرها إليه. ــ وهل أخطأت في أول يوم عمل؟ ضحك. ــ لو أخبرتك بما فعلته في أول أسبوع... لفقدتِ ثقتك بي. انفجرت ضاحكة. ولأول مرة منذ أيام... شعر سمير براحة حقيقية وهو يراها تضحك. وفي الطابق العلوي من الفندق نفسه... كان رائد يقف أمام والديه. جلست والدته تنظر إلى هبة بنظرات يصعب تفسيرها. بينما كان والده يلتزم الصمت. أما هبة... فكانت تشعر بأن أنفاسها أصبحت أثقل مع كل ثانية تمر. لم تكن تعلم... أن هذه الجلسة ستكون بداية سلسلة من الأحداث... ستغيّر حياة أشخاص لم تلتقِ بهم بعد. أما في الطابق السفلي... كانت أروى تضحك من جديد... غير مدركة أن الرجل الموجود فوقها بطابق واحد فقط... سيصبح يومًا أكثر شخص تتمنى ألا تراه في حياتها.دخلت أروى غرفة رائد وهي تحمل الملفات التي طلب منها مراجعتها.كانت الغرفة هادئة، والإضاءة خافتة نسبيًا، بينما كانت مجموعة كبيرة من المستندات مرتبة فوق الطاولة.أشار رائد إلى المقعد المقابل له.ــ اجلسي.جلست أروى بهدوء.ثم وضعت الملفات أمامها.ــ من أين نبدأ؟دفع إليها أحد الملفات.ــ من هنا.فتحت الملف وبدأت بقراءة البيانات الموجودة فيه.كان رائد يجلس إلى الجانب الآخر من الطاولة، يراجع بعض الأوراق بنفسه.في البداية، لم يتبادلا سوى كلمات قليلة.كل واحد منهما كان منشغلًا بالعمل.أروى، رغم التعب الذي كان واضحًا عليها، حاولت التركيز بكل ما تستطيع.كانت تريد إنهاء المهمة بسرعة حتى تتمكن من العودة إلى غرفتها والنوم.لكن المستندات كانت كثيرة.والأرقام تحتاج إلى مراجعة دقيقة.مر وقت طويل...ثم توقفت أروى فجأة.أعادت النظر إلى أحد الجداول.قارنت الرقم الموجود فيه بالرقم الموجود في المستند الآخر.ثم قالت:ــ أستاذ رائد...رفع عينيه إليها.ــ ماذا؟أشارت إلى الورقة.ــ أعتقد أن هناك خطأ هنا.اقترب رائد قليلًا.ــ أين؟أشارت إلى أحد الأرقام.ــ هذه القيمة مختلفة عن الموجودة في التقرير الأصلي.أخذ
لم تكن أروى قد خططت لهذا السفر يومًا.حتى صباح ذلك اليوم، كانت تظن أن أقصى ما سيحدث هو يوم عمل طويل داخل الشركة، وبعض الملفات التي تحتاج إلى مراجعة قبل نهاية الدوام.لكنها وجدت نفسها بعد وقت قصير تقف داخل المطار، تحمل حقيبتها الصغيرة وتسير إلى جانب رائد، وهي لا تزال غير مستوعبة كيف تغير كل شيء بهذه السرعة.كانت تنظر حولها بصمت.المطار مزدحم بالمسافرين.أصوات الإعلانات تأتي من كل اتجاه.وعربات الحقائب تتحرك بسرعة بين الناس.شعرت أروى بشيء من الارتباك.لم تكن قد سافرت منذ زمن طويل، ولم تعد تتذكر حتى آخر مرة جلست فيها داخل طائرة.لاحظ رائد شرودها.ــ هل هذه أول مرة تسافرين بالطائرة منذ فترة طويلة؟نظرت إليه للحظة.ــ نعم.ثم أضافت بصوت خافت:ــ منذ سنوات.لم يعلق.اكتفى بالنظر إلى الساعة ثم تابع طريقه.كانت أروى تمشي خلفه بخطوات هادئة، تحاول ألا تبدو متوترة.وعندما وصلا إلى بوابة الصعود، جلست إلى جواره في انتظار الإعلان.كانت تمسك حقيبتها فوق ساقيها بكلتا يديها.وبين حين وآخر، كانت تنظر إلى الطائرات من خلال الزجاج.شعرت بمزيج غريب من التوتر والرهبة.---بعد وقت قصير...جلسا داخل الطائرة.
كان صباحًا عاديًا في الشركة.جلست أروى أمام مكتبها تراجع بعض الملفات التي تراكمت عليها منذ بداية الأسبوع.كانت تحاول أن تنهي عملها قبل نهاية الدوام، خصوصًا أنها لم تعد تريد ارتكاب أي خطأ آخر بعد ما حدث معها.كانت عيناها تنتقلان بين الأوراق والشاشة باستمرار.وبينما كانت تكتب بعض الملاحظات...وصلت ليان إلى مكتبها.ــ أروى، هل انتهيتِ من الملف؟رفعت أروى رأسها.ــ تقريبًا، بقيت بعض الأرقام فقط.ابتسمت ليان.ــ منذ أن خُصم نصف راتبك وأنتِ تعملين وكأنكِ تريدين شراء الشركة.ضحكت أروى بخفة.ــ لا تذكّريني.ثم عادت إلى عملها.لكنها لم تكن تعرف أن يومها الهادئ لن يستمر طويلًا.---في الطابق العلوي...كان رائد يقف أمام نافذة مكتبه.على مكتبه حقيبة صغيرة وبعض الملفات.كان من المفترض أن يسافر في رحلة عمل مهمة في ذلك اليوم.وكانت جميع الاستعدادات قد اكتملت.إلا أن هناك مشكلة واحدة.دخل سكرتيره إلى المكتب.كان وجهه شاحبًا قليلًا.ــ أستاذ رائد...التفت إليه.ــ ماذا هناك؟ــ أعتذر، لكنني لا أستطيع مرافقتك في الرحلة.تغيرت ملامح رائد.ــ لماذا؟ــ منذ الصباح وأنا أشعر بتعب شديد، والطبيب نصحني ألا أس
أشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع
أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م
مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ