Masukارتفعت ضحكات أروى وهي تحاول أن تخفي خجلها بعد إحدى مزحات سمير، بينما كانت أناملها تعبث بملعقة الحلوى دون أن تشعر.
لم تتذكر آخر مرة شعرت فيها بهذا القدر من الراحة. كان وجوده إلى جوارها كافيًا ليجعل العالم يبدو أقل قسوة. ابتسم سمير وهو يراقب ملامحها. ــ ما الذي يشغلك؟ رفعت نظرها إليه، ثم هزت رأسها. ــ لا شيء... ابتسم ابتسامة صغيرة. ــ أعرف هذه النظرة. أنتِ تفكرين في شيء. ضحكت بخفة. ــ أفكر في أول يوم لي داخل الشركة. أخشى أن أرتكب خطأ منذ اللحظة الأولى. رفع كأس الماء أمامه. ــ كل بداية يرافقها خوف. لكنك ستنجحين. أنا واثق. ابتسمت وهي تنظر إلى عينيه. ــ عندما تقول ذلك... أشعر أن كل شيء سيكون بخير. ساد بينهما صمت قصير. لم يكن صمتًا مزعجًا. بل كان من النوع الذي لا يحتاج إلى كلمات. في الطابق العلوي من الفندق، كانت الأجواء مختلفة تمامًا. جلس رائد إلى جوار هبة داخل قاعة خاصة أعدت بعناية لاستقبال أفراد العائلة. كانت الطاولة تتوسط القاعة، تحيط بها باقات من الزهور البيضاء، بينما انعكس ضوء الثريا الكريستالية على الأكواب الزجاجية المصطفة بعناية. جلست هبة مستقيمة، تحاول أن تخفي توترها بابتسامة هادئة. أما رائد، فكان يراقبها بين الحين والآخر، وكأنه يطمئنها بنظراته أكثر من كلماته. دخل والداه بعد دقائق. وقف رائد احترامًا. اقترب من والده وصافحه، ثم انحنى قليلًا ليقبل يد والدته. بادلت الأم ابنها ابتسامة دافئة قبل أن تلتفت نحو هبة. وقفت هبة بسرعة. ــ مساء الخير. ابتسمت الأم ابتسامة رسمية. ــ أهلًا يا ابنتي. أما الأب فاكتفى بإيماءة خفيفة وهو يجلس في مكانه. بدأ العشاء بهدوء. تبادلوا الأحاديث العامة. عن العمل. وعن السفر. وعن المشاريع الجديدة. كانت هبة تجيب بأدب كلما سألها أحدهما. لكنها كانت تشعر أن كل كلمة تخرج منها تخضع لميزان دقيق. وضعت الأم شوكتها جانبًا. ثم نظرت إلى ابنها مباشرة. ــ قلت إن لديك أمرًا مهمًا تريد إخبارنا به. ابتسم رائد. أمسك يد هبة برفق فوق الطاولة. ثم قال بثقة هادئة. ــ نعم... أريد الزواج من هبة. ساد الصمت. اختفت الابتسامة عن وجه والدته ببطء. أما والده فظل يحدق إليه دون أن يعلق. التفتت الأم نحو هبة. ــ منذ متى تعرفتما؟ أجاب رائد قبل أن تتحدث هي. ــ منذ أكثر من عامين. نظرت الأم إلى ابنها طويلًا. ثم أعادت بصرها إلى هبة. ــ وما الذي تعملين به يا ابنتي؟ ابتسمت هبة بخجل. ــ أعمل في قسم المحاسبة بإحدى شركات المجموعة. هزت الأم رأسها. ــ وعائلتك؟ انخفضت نبرة صوت هبة قليلًا. ــ والدي متوفى... وأعيش مع والدتي وأخي الأكبر. تبادل الوالدان نظرة صامتة. كانت قصيرة... لكنها حملت اعتراضًا واضحًا. شعر رائد بذلك. فعقد أصابعه بهدوء. وقال محاولًا كسر الصمت. ــ هبة إنسانة خلوقة... وهذا يكفيني. ابتسم والده ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه. ــ الأخلاق وحدها لا تكفي أحيانًا يا رائد. قطبت هبة حاجبيها. بينما بدأت تشعر أن الجلسة تسير نحو طريق لم تكن تتمناه. في الطابق السفلي، طلب النادل فنجاني قهوة بعدما انتهيا من تناول العشاء. انتشرت رائحة البن في المكان. تنهدت أروى وهي ترفع الفنجان بين يديها. ــ لا أصدق أنني سأبدأ العمل أخيرًا. ابتسم سمير. ــ وبعد أشهر قليلة ستصبحين موظفة محترفة. ضحكت. ــ لا تسبق الأحداث. ما زلت متدربة. نظر إليها بثقة. ــ أعرف قدراتك أكثر منك. احمر وجهها خجلًا. خفضت رأسها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها. رن هاتف سمير فجأة. اهتز فوق الطاولة. لمح الاسم الذي ظهر على الشاشة. فتغيرت ملامحه للحظة قصيرة جدًا. رفع الهاتف. أغلق الرنين دون أن يجيب. لاحظت أروى ذلك. ــ ألا يبدو الأمر مهمًا؟ رفع كتفيه بلا مبالاة. ــ مجرد أحد الزملاء. اليوم إجازتي... ولا أريد أن يفسدها أحد. ابتسمت برضا. أما هو... فأعاد الهاتف إلى جيبه بهدوء. وبقيت عيناه للحظة شاردتين في الفراغ. في الأعلى، انقطع الصمت أخيرًا. قال والد رائد بصوت هادئ، لكنه حازم. ــ لن أعارض اختيارك الآن... لكنني أريد وقتًا للتفكير. أما والدته فلم تخفِ انزعاجها. اكتفت بالنظر إلى هبة نظرة طويلة، قبل أن تقول بلطف يخفي الكثير. ــ سنتحدث لاحقًا. ابتسمت هبة بصعوبة. وأومأت برأسها. لكن قلبها لم يعد مطمئنًا كما كان قبل ساعة. في الخارج... كان المطر قد اشتد. أصبحت قطراته تضرب زجاج الفندق بقوة. نهض سمير من مكانه. التقط مفاتيح السيارة. ثم مد يده إلى أروى مبتسمًا. ــ يبدو أن علينا المغادرة قبل أن تغرق الطرقات. وضعت يدها في يده وهي تضحك. ــ لا بأس... لطالما أحببت المطر. خرجا من الفندق بخطوات هادئة. كان الهواء باردًا، ورائحة الأرض المبتلة تملأ المكان. رفعت أروى وجهها نحو السماء، وأغمضت عينيها لثوانٍ، مستمتعة بملامسة المطر لوجهها. أما خلف نوافذ الطابق العلوي... فكان شخص آخر ينظر إلى المطر نفسه. دون أن يعلم... أن تلك الليلة ستكون آخر ليلة هادئة في حياته.ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.