Masukأحيانًا يمنحنا القدر أجمل أيامنا... ليجعل لحظة سقوطنا أكثر قسوة."
قبل ساعات قليلة... لم تكن أروى تعرف أن تلك الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها ستكون الأخيرة. كانت تقف أمام مرآتها الصغيرة، تدير جسدها بخجل، وتتأمل الفستان الأزرق الذي احتضن قوامها الرشيق. مدت يدها برفق فوق قماشه الناعم، ثم ابتسمت. كم كانت تحب هذا الفستان... ليس لأنه الأجمل في خزانتها. بل لأنه يحمل ذكرى لا تنساها. ذكرى اليوم الذي عاد فيه سمير يركض نحوها كطفل صغير، يحمل علبة هدايا، ويصر على أن تفتحها أمامه. وعندما ارتدته للمرة الأولى، ظل يحدق بها طويلًا قبل أن يقول بابتسامته المعتادة: "أقسم أن اللون الأزرق خُلق من أجلك." ضحكت يومها حتى دمعت عيناها. وها هي ترتديه من جديد... لأنه سيحب رؤيتها به. ولأن لديها خبرًا تنتظر أن تخبره به منذ الصباح. تنهدت بسعادة. ثم أمسكت رسالة القبول من فوق مكتبها. نظرت إليها للمرة العاشرة، وربما أكثر. مررت أصابعها فوق اسمها المكتوب في أعلى الورقة. أروى الحازمي. ابتسمت من جديد. وأغلقت الرسالة بعناية. ــ أخيرًا... همست بها وكأنها تخشى أن تسمعها الدنيا فتسرق منها فرحتها. رن هاتفها. ظهر اسم سمير على الشاشة. اتسعت ابتسامتها فورًا. ــ مرحبًا. جاءها صوته هادئًا. "هل أنت جاهزة؟" ــ منذ نصف ساعة. ضحك بخفة. "كنت أعلم." ــ وأنت؟ "سأكون أمام منزلك بعد عشر دقائق." ــ لا تتأخر. "أعدك." انتهت المكالمة. لكن ابتسامتها بقيت معلقة على شفتيها. خرجت من غرفتها بخفة. كانت زوجة عمها ترتب الأكواب في المطبخ. التفتت إليها. ثم توقفت عن الحركة. ــ ما شاء الله... من هذه الجميلة؟ ضحكت أروى وهي تدور حول نفسها. ــ هل يعجبك الفستان؟ ابتسمت المرأة. ــ الفستان جميل... لكن السعادة في عينيك أجمل. اقتربت أروى منها. احتضنتها بسرعة. ــ ادعي لي. ربتت المرأة على ظهرها. ــ الله يفتح لك أبواب الخير يا ابنتي. ابتعدت أروى وهي تبتسم. ثم خرجت من المنزل. كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على المدينة. السماء مغطاة بغيوم رمادية. ونسيم بارد يمر بين الأشجار. كل شيء كان يخبر بقرب المطر. إلا قلب أروى... فقد كان يرى الدنيا مشرقة. وقفت أمام المنزل. كل دقيقة تمر كانت تبدو أطول من التي قبلها. نظرت إلى ساعة يدها. السابعة تمامًا. وفي اللحظة نفسها... ظهرت سيارة سمير عند آخر الشارع. توقفت أمامها بهدوء. خرج منها مبتسمًا. فتح ذراعيه مازحًا. ــ هل تنتظرين شخصًا غيري؟ ضحكت وهي تضرب كتفه بخفة. ــ تأخرت دقيقة كاملة. رفع حاجبيه باستغراب مصطنع. ــ دقيقة؟ إذن أنا أستحق العقاب. ــ بالتأكيد. ــ وما هو؟ ابتسمت بخبث. ــ ستدفع ثمن العشاء. ضحك من قلبه. ــ اتفقنا. فتح لها باب السيارة. فجلست وهي تخفي ابتسامتها. ثم استدار إلى مقعد القيادة. وقبل أن يشغل المحرك... نظر إليها للحظة. ــ اشتقت إليك. خفضت عينيها خجلًا. ــ وأنا أيضًا. ساد صمت جميل. ذلك النوع من الصمت... الذي لا يحتاج إلى كلمات. بدلًا من الذهاب مباشرة إلى المطعم... قاد سمير السيارة نحو الحديقة العامة. توقفت السيارة. نظر إليها مبتسمًا. ــ لدينا وقت قبل الحجز. ــ إذن لنتمش قليلًا. سارا بين الأشجار. كانت الأرض مبتلة من مطر خفيف هطل عصرًا. ورائحة التراب تملأ المكان. اقتربا من البحيرة الصغيرة. جلست أروى على مقعد خشبي. وأخذت تراقب أسراب البط وهي تعبر الماء. جلس سمير بجانبها. ــ قلتِ إن لديك خبرًا. التفتت إليه. لم تستطع إخفاء حماسها. أخرجت الرسالة من حقيبتها. ناولتها له. فتحها بفضول. بدأ يقرأ. ثم رفع رأسه إليها. ــ شركة الرائدة للأعمال؟ أومأت بسرعة. ــ تم قبولي محاسبة متدربة. ابتسم. ابتسامة واسعة هذه المرة. ثم قال بثقة: ــ كنت أعلم أنهم سيختارونك. سألته بخجل. ــ حقًا؟ ــ لأنك تستحقين. شعرت أروى أن العالم كله أصبح أخف. ضحكت. ثم قالت وهي تنظر إلى الماء: ــ أول راتب سأحصل عليه... سأشتري هدية لعمي. ابتسم سمير. ــ حتى في لحظة فرحك... تفكرين بالآخرين. هزت كتفيها. ــ لأنه كان أبي بعد وفاة والدي. لو لم يقف بجانبي... لما وصلت إلى هنا. ظل ينظر إليها بصمت. ثم قال بهدوء: ــ لهذا أحببتك يا أروى. بينما كانت أروى ترسم أحلام الغد، كان القدر يرسم لها طريقًا آخر... طريقًا لم يكن في نهايته سوى الدموع.ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.