LOGINلم يكن صباح ذلك اليوم يشبه أي صباح آخر.
فتحت الشرطية باب الزنزانة الحديدي. نظرت إلى أروى وقالت بهدوء: ــ استعدي... موعد الجلسة. نهضت أروى ببطء. كان وجهها هادئًا على غير عادتها. لم يعد الخوف يسيطر عليها... بل شعور ثقيل بالاستسلام. وضعت الشرطية الأصفاد في معصميها. ثم خرجت بها من الممر الطويل. كل خطوة كانت تسمع صداها بوضوح. وكأنها تسير نحو نهاية حياة... لا نحو جلسة محاكمة. بعد دقائق... توقفت سيارة الشرطة أمام مبنى المحكمة. أنزلت أروى تحت حراسة مشددة. دخلت القاعة بخطوات ثابتة. رفعت رأسها للحظة. رأت عشرات المقاعد. وفي الصفوف الأمامية... جلس عمها. بدا أكبر من عمره بسنوات. لكن ما إن وقعت عيناه عليها... حتى ابتسم لها ابتسامة صغيرة. ابتسامة حاول بها أن يمنحها بعض القوة. بادلتها بابتسامة خافتة... ثم جلست في المكان المخصص لها. دخل معتصم الشمري يحمل ملف القضية. جلس في مكانه بهدوء. ثم دخل مالك الشاعري ممثلًا لعائلة هبة. وبعده بدقائق... دخل رائد. جلس بصمت. لم ينظر إلى أحد. ولم يلتفت نحو أروى. كانت عيناه معلقتين بالمقعد الذي كان يجب أن تجلس عليه هبة... لو لم يحدث ذلك الحادث. وقف الجميع. ودخل القاضي. بدأت الجلسة. تلا كاتب المحكمة بيانات القضية. ثم أذن القاضي للمدعي العام بالكلام. وقف معتصم الشمري. فتح الملف. ثم قال بصوت ثابت: ــ بتاريخ... وقع حادث سير أودى بحياة الآنسة هبة. وأضاف: ــ تشير التحقيقات إلى أن المتهمة أروى الحازمي أقرت بقيادتها للمركبة وقت وقوع الحادث، وأكدت اعترافها أمام الشرطة والنيابة العامة دون أن تدعي تعرضها لأي إكراه أو ضغط. قلب صفحة أخرى. ــ كما أثبت تقرير الخبرة الفنية أن المركبة لم يُعثر فيها على عطل ميكانيكي ثبت أنه كان السبب المباشر للحادث. وتابع: ــ وأكدت المعاينة أن الطريق كان مبتلًا بسبب الأمطار، وأن الحادث وقع في ظروف جوية صعبة. ثم أغلق الملف. وقال بهدوء: ــ وتبقى للمحكمة سلطة تقدير الوقائع والحكم وفق الأدلة المقدمة. جلس في مكانه. لم يطلب تشديد العقوبة... ولم يطلب التخفيف. بل اكتفى بعرض الوقائع كما فرض عليه القانون. أشار القاضي إلى محامي الدفاع. وقف المحامي الذي كلفه عم أروى. كان رجلًا تجاوز الخمسين من عمره. رتب أوراقه. ثم قال: ــ سيدي القاضي... لا أحد ينكر أن الحادث كان مأساويًا. ولا أحد يستطيع إعادة الضحية إلى الحياة. توقف لحظة. ثم أكمل: ــ لكن الملف نفسه يثبت أن الحادث وقع أثناء أمطار غزيرة، وعلى طريق زلق، ولم يثبت وجود أي نية إجرامية لدى موكلتي. نظر إلى أروى. ثم تابع: ــ موكلتي شابة في الثالثة والعشرين من عمرها. لا سوابق لها. وكانت على وشك بدء أول وظيفة في حياتها. وهي منذ اللحظة الأولى لم تحاول الهرب... ولم تنكر مسؤوليتها. بل اعترفت بما حدث. وأضاف بنبرة هادئة: ــ لذلك ألتمس من عدالتكم أخذ هذه الظروف بعين الاعتبار، والنظر إلى القضية بوصفها حادثًا مؤلمًا لا فعلًا مقصودًا. أنهى مرافعته. وجلس. وقف مالك الشاعري. نظر إلى القاضي. وقال باختصار: ــ عائلة الضحية تثق بعدالة المحكمة، وتطلب تطبيق القانون بما يحفظ حق ابنتها. ثم جلس. ساد الصمت. رفع القاضي نظره نحو أروى. وقال: ــ المتهمة أروى الحازمي... هل تؤكدين اعترافك؟ رفعت رأسها. كانت هذه أول مرة تنظر فيها إلى رائد. لم تعرف من يكون. لكنها رأت في عينيه... حزنًا لم ترَ مثله من قبل. خفضت بصرها سريعًا. ثم قالت: ــ نعم... أؤكد اعترافي. انسحب القاضي للمداولة. لم تستغرق سوى وقت قصير. فالملف... كان مكتملًا. والاعتراف... واضحًا. عاد الجميع إلى أماكنهم. وقف القاضي. ثم نطق بالحكم. ــ بعد الاطلاع على أوراق الدعوى، وسماع أقوال الأطراف، وثبوت مسؤولية المتهمة عن الحادث، وبالنظر إلى عدم وجود سوابق جنائية، وإلى الظروف التي وقع فيها الحادث... حكمت المحكمة على المتهمة أروى الحازمي بالسجن خمس سنوات. ساد الصمت. لم تصرخ أروى. ولم تبكِ. أغلقت عينيها فقط. وأخذت نفسًا عميقًا. وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ الليلة التي سال فيها المطر. أما عمها... فأخفض رأسه بصمت. ورائد... بقي جالسًا مكانه. كان ينظر إلى الفراغ. ثم نهض ببطء وغادر القاعة. في الممر الخارجي... لحق به مالك الشاعري. توقف رائد دون أن يلتفت. وقال بصوت منخفض: ــ خمس سنوات... صمت لحظة. ثم أكمل: ــ هل تساوي حياة إنسان خمس سنوات؟ أجابه مالك بهدوء: ــ المحكمة لم تحكم بقيمة حياة هبة... بل حكمت وفق ما أثبتته الأدلة. لم يرد رائد. واصل السير. لكن بداخله... كان يشعر أن الحكم قد صدر... بينما العدالة التي يبحث عنها... لم تصدر بعد.ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.