Masukأشرقت شمس يوم جديد...
لكنها لم تحمل لأروى أي بداية جديدة. كانت تجلس في المقعد الخلفي لسيارة الشرطة. يداها مقيدتان بالأصفاد. وعيناها معلقتان بالنافذة الصغيرة. كانت الشوارع تعج بالحركة. موظفون يتجهون إلى أعمالهم. طلاب يركضون للحاق بمدارسهم. أم تمسك يد طفلها وتعبر الطريق. وبائع يفتح متجره بابتسامة. راقبت كل ذلك بصمت. وشعرت لأول مرة... أن العالم لم يتغير. الناس ما زالوا يعيشون... يضحكون... ويتذمرون من ازدحام الطرق. أما هي... فكأن الزمن توقف عند تلك الليلة. أغمضت عينيها. وتذكرت أنها كانت، في مثل هذا الوقت من الأمس، تحلم بأول يوم لها في شركة الرائدة للأعمال. ابتسمت بحزن. وهمست داخلها: "كم يستطيع يوم واحد أن يسرق من الإنسان..." في الجهة الأخرى... ترجل رائد من سيارته أمام مركز الشرطة. تقدم بخطوات هادئة. استقبله أحد الضباط باحترام. ــ صباح الخير، أستاذ رائد. أومأ برأسه. ثم قال مباشرة: ــ أريد أن أرى المتهمة. نظر الضابط إلى سجل أمامه. ثم قال: ــ وصلت متأخرًا يا سيدي. غادرت قبل أقل من نصف ساعة. عقد رائد حاجبيه. ــ إلى أين؟ ــ أُحيلت إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات. ساد الصمت. ثم سأل: ــ وهل انتهى كل شيء هنا؟ أجاب الضابط: ــ نعم. بقيت الإجراءات القانونية فقط. شكره رائد بهدوء. ثم استدار وغادر. ركب سيارته. لكنها لم تتحرك. فتح الملف الذي سلمه إليه مالك الشاعري في الليلة الماضية. وقع نظره على الصفحة الأولى. الاسم: أروى الحازمي. العمر: 23 سنة. المهنة: محاسبة متدربة. لا سوابق جنائية. ظل يقرأ السطور نفسها أكثر من مرة. ثم أغلق الملف ببطء. أسند رأسه إلى المقعد. وأغمض عينيه. لم يشعر بالغضب... ولم يشعر بالراحة. كان يشعر بفراغ كبير. حتى لو عوقبت... فلن تعود هبة. توقفت سيارة الشرطة أمام مبنى النيابة العامة. ترجل أحد العناصر. ثم فتح الباب الخلفي. ــ انزلي. نزلت أروى ببطء. رفعت رأسها. تأملت المبنى الضخم. لم تكن تعرف الكثير عن المحاكم والنيابات. لكنها أدركت... أنها دخلت طريقًا يصعب الرجوع منه. اقتادها الشرطي عبر الممرات الطويلة. حتى توقفت أمام باب خشبي كبير. فتح الباب. وقال بهدوء: ــ تفضلي. دخلت أروى. كانت الغرفة واسعة. يتوسطها مكتب خشبي أنيق. وقف خلفه رجل في منتصف الثلاثينيات. يرتدي بدلة رسمية داكنة. ملامحه هادئة... ونظرته ثابتة. لم يكن قاسيًا... ولا متعاطفًا. جلس بهدوء. ثم فتح الملف أمامه. ورفع بصره إليها. وقال بصوت رزين: ــ أنا معتصم الشمري... المدعي العام المكلف بهذه القضية. جلست أروى بصمت. فتح معتصم الملف. وقلب عدة صفحات. ثم قال: ــ قبل أن نبدأ... أريد أن تعرفي شيئًا. رفعت أروى عينيها نحوه. قال بهدوء: ــ أنا لا أبحث عن إدانة أحد... ولا عن تبرئة أحد. أنا أبحث عن الحقيقة فقط. ساد الصمت. كانت أروى تنظر إليه... لكن كلماتها بقيت حبيسة صدرها. بدأ معتصم يراجع أقوالها المسجلة. ثم رفع رأسه وسأل: ــ هل تؤكدين اعترافك الذي أدليتِ به في مركز الشرطة؟ أجابته دون تردد: ــ نعم. نظر إليها طويلًا. لم يكن يتوقع هذا الهدوء. في مثل هذه القضايا... كان المعتاد أن يتراجع المتهم أو يحاول تبرير نفسه. أما هي... فكانت ثابتة بشكل أربكه. قلب الصفحة التالية. ثم سأل: ــ هل تعرضتِ لأي ضغط أو تهديد دفعك إلى الاعتراف؟ نظرت إليه مباشرة. ثم قالت: ــ لا. ــ هل أجبرك أحد على قول ما قلتِه؟ ــ لا. أغلق معتصم قلمه للحظة. وظل يتأملها. كانت تجيب بثقة... لكن شيئًا في عينيها لم يكن يشبه عيون المجرمين الذين اعتاد مقابلتهم. لم ير خوفًا من العقوبة... بل رأى إنسانة تعاقب نفسها قبل أن يعاقبها القانون. ومع ذلك... لم يكن أمامه سوى ملف مكتمل. واعتراف صريح. ولا دليل يناقضه. قال بهدوء: ــ هل لديك أي شيء آخر ترغبين في إضافته قبل إنهاء التحقيق؟ ساد الصمت. خفضت أروى رأسها. ثم همست: ــ أتمنى فقط... أن تنال هبة حقها. توقف معتصم عن الكتابة. رفع عينيه إليها. كانت هذه أول جملة تقولها خارج إطار الأسئلة. ولأول مرة... شعر أن هذه القضية تخفي ألمًا أكبر مما تحمله أوراق الملف. لكنه لم يعلق. أغلق الملف بهدوء. ثم قال: ــ انتهى التحقيق. سيُرفع الملف إلى المحكمة. وسيصدر القرار وفقًا لما يثبته القانون. وقف الشرطي عند الباب. وأشار إلى أروى. نهضت بهدوء. وقبل أن تغادر... التفت معتصم إليها للحظة. ثم قال: ــ مهما كانت النتيجة... أتمنى أن يأتي يوم... ترتاحين فيه من هذا الحمل الذي تحملينه. لم تجبه. اكتفت بإيماءة خفيفة. ثم خرجت من الغرفة. تابعها معتصم بعينيه حتى أُغلق الباب. نظر إلى الملف مرة أخرى. ووضع يده فوقه. ثم قال في نفسه بصوت لم يسمعه أحد: "الملف واضح... لكن صاحبة الملف... ليست كذلكــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.