Share

الفصل الرابع عشر

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-08 07:54:15

أشرقت شمس يوم جديد...

لكنها لم تحمل لأروى أي بداية جديدة.

كانت تجلس في المقعد الخلفي لسيارة الشرطة.

يداها مقيدتان بالأصفاد.

وعيناها معلقتان بالنافذة الصغيرة.

كانت الشوارع تعج بالحركة.

موظفون يتجهون إلى أعمالهم.

طلاب يركضون للحاق بمدارسهم.

أم تمسك يد طفلها وتعبر الطريق.

وبائع يفتح متجره بابتسامة.

راقبت كل ذلك بصمت.

وشعرت لأول مرة...

أن العالم لم يتغير.

الناس ما زالوا يعيشون...

يضحكون...

ويتذمرون من ازدحام الطرق.

أما هي...

فكأن الزمن توقف عند تلك الليلة.

أغمضت عينيها.

وتذكرت أنها كانت، في مثل هذا الوقت من الأمس، تحلم بأول يوم لها في شركة الرائدة للأعمال.

ابتسمت بحزن.

وهمست داخلها:

"كم يستطيع يوم واحد أن يسرق من الإنسان..."

في الجهة الأخرى...

ترجل رائد من سيارته أمام مركز الشرطة.

تقدم بخطوات هادئة.

استقبله أحد الضباط باحترام.

ــ صباح الخير، أستاذ رائد.

أومأ برأسه.

ثم قال مباشرة:

ــ أريد أن أرى المتهمة.

نظر الضابط إلى سجل أمامه.

ثم قال:

ــ وصلت متأخرًا يا سيدي.

غادرت قبل أقل من نصف ساعة.

عقد رائد حاجبيه.

ــ إلى أين؟

ــ أُحيلت إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات.

ساد الصمت.

ثم سأل:

ــ وهل انتهى كل شيء هنا؟

أجاب الضابط:

ــ نعم.

بقيت الإجراءات القانونية فقط.

شكره رائد بهدوء.

ثم استدار وغادر.

ركب سيارته.

لكنها لم تتحرك.

فتح الملف الذي سلمه إليه مالك الشاعري في الليلة الماضية.

وقع نظره على الصفحة الأولى.

الاسم: أروى الحازمي.

العمر: 23 سنة.

المهنة: محاسبة متدربة.

لا سوابق جنائية.

ظل يقرأ السطور نفسها أكثر من مرة.

ثم أغلق الملف ببطء.

أسند رأسه إلى المقعد.

وأغمض عينيه.

لم يشعر بالغضب...

ولم يشعر بالراحة.

كان يشعر بفراغ كبير.

حتى لو عوقبت...

فلن تعود هبة.

توقفت سيارة الشرطة أمام مبنى النيابة العامة.

ترجل أحد العناصر.

ثم فتح الباب الخلفي.

ــ انزلي.

نزلت أروى ببطء.

رفعت رأسها.

تأملت المبنى الضخم.

لم تكن تعرف الكثير عن المحاكم والنيابات.

لكنها أدركت...

أنها دخلت طريقًا يصعب الرجوع منه.

اقتادها الشرطي عبر الممرات الطويلة.

حتى توقفت أمام باب خشبي كبير.

فتح الباب.

وقال بهدوء:

ــ تفضلي.

دخلت أروى.

كانت الغرفة واسعة.

يتوسطها مكتب خشبي أنيق.

وقف خلفه رجل في منتصف الثلاثينيات.

يرتدي بدلة رسمية داكنة.

ملامحه هادئة...

ونظرته ثابتة.

لم يكن قاسيًا...

ولا متعاطفًا.

جلس بهدوء.

ثم فتح الملف أمامه.

ورفع بصره إليها.

وقال بصوت رزين:

ــ أنا معتصم الشمري...

المدعي العام المكلف بهذه القضية.

جلست أروى بصمت.

فتح معتصم الملف.

وقلب عدة صفحات.

ثم قال:

ــ قبل أن نبدأ...

أريد أن تعرفي شيئًا.

رفعت أروى عينيها نحوه.

قال بهدوء:

ــ أنا لا أبحث عن إدانة أحد...

ولا عن تبرئة أحد.

أنا أبحث عن الحقيقة فقط.

ساد الصمت.

كانت أروى تنظر إليه...

لكن كلماتها بقيت حبيسة صدرها.

بدأ معتصم يراجع أقوالها المسجلة.

ثم رفع رأسه وسأل:

ــ هل تؤكدين اعترافك الذي أدليتِ به في مركز الشرطة؟

أجابته دون تردد:

ــ نعم.

نظر إليها طويلًا.

لم يكن يتوقع هذا الهدوء.

في مثل هذه القضايا...

كان المعتاد أن يتراجع المتهم أو يحاول تبرير نفسه.

أما هي...

فكانت ثابتة بشكل أربكه.

قلب الصفحة التالية.

ثم سأل:

ــ هل تعرضتِ لأي ضغط أو تهديد دفعك إلى الاعتراف؟

نظرت إليه مباشرة.

ثم قالت:

ــ لا.

ــ هل أجبرك أحد على قول ما قلتِه؟

ــ لا.

أغلق معتصم قلمه للحظة.

وظل يتأملها.

كانت تجيب بثقة...

لكن شيئًا في عينيها لم يكن يشبه عيون المجرمين الذين اعتاد مقابلتهم.

لم ير خوفًا من العقوبة...

بل رأى إنسانة تعاقب نفسها قبل أن يعاقبها القانون.

ومع ذلك...

لم يكن أمامه سوى ملف مكتمل.

واعتراف صريح.

ولا دليل يناقضه.

قال بهدوء:

ــ هل لديك أي شيء آخر ترغبين في إضافته قبل إنهاء التحقيق؟

ساد الصمت.

خفضت أروى رأسها.

ثم همست:

ــ أتمنى فقط...

أن تنال هبة حقها.

توقف معتصم عن الكتابة.

رفع عينيه إليها.

كانت هذه أول جملة تقولها خارج إطار الأسئلة.

ولأول مرة...

شعر أن هذه القضية تخفي ألمًا أكبر مما تحمله أوراق الملف.

لكنه لم يعلق.

أغلق الملف بهدوء.

ثم قال:

ــ انتهى التحقيق.

سيُرفع الملف إلى المحكمة.

وسيصدر القرار وفقًا لما يثبته القانون.

وقف الشرطي عند الباب.

وأشار إلى أروى.

نهضت بهدوء.

وقبل أن تغادر...

التفت معتصم إليها للحظة.

ثم قال:

ــ مهما كانت النتيجة...

أتمنى أن يأتي يوم...

ترتاحين فيه من هذا الحمل الذي تحملينه.

لم تجبه.

اكتفت بإيماءة خفيفة.

ثم خرجت من الغرفة.

تابعها معتصم بعينيه حتى أُغلق الباب.

نظر إلى الملف مرة أخرى.

ووضع يده فوقه.

ثم قال في نفسه بصوت لم يسمعه أحد:

"الملف واضح...

لكن صاحبة الملف...

ليست كذلك

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 79

    دخلت أروى غرفة رائد وهي تحمل الملفات التي طلب منها مراجعتها.كانت الغرفة هادئة، والإضاءة خافتة نسبيًا، بينما كانت مجموعة كبيرة من المستندات مرتبة فوق الطاولة.أشار رائد إلى المقعد المقابل له.ــ اجلسي.جلست أروى بهدوء.ثم وضعت الملفات أمامها.ــ من أين نبدأ؟دفع إليها أحد الملفات.ــ من هنا.فتحت الملف وبدأت بقراءة البيانات الموجودة فيه.كان رائد يجلس إلى الجانب الآخر من الطاولة، يراجع بعض الأوراق بنفسه.في البداية، لم يتبادلا سوى كلمات قليلة.كل واحد منهما كان منشغلًا بالعمل.أروى، رغم التعب الذي كان واضحًا عليها، حاولت التركيز بكل ما تستطيع.كانت تريد إنهاء المهمة بسرعة حتى تتمكن من العودة إلى غرفتها والنوم.لكن المستندات كانت كثيرة.والأرقام تحتاج إلى مراجعة دقيقة.مر وقت طويل...ثم توقفت أروى فجأة.أعادت النظر إلى أحد الجداول.قارنت الرقم الموجود فيه بالرقم الموجود في المستند الآخر.ثم قالت:ــ أستاذ رائد...رفع عينيه إليها.ــ ماذا؟أشارت إلى الورقة.ــ أعتقد أن هناك خطأ هنا.اقترب رائد قليلًا.ــ أين؟أشارت إلى أحد الأرقام.ــ هذه القيمة مختلفة عن الموجودة في التقرير الأصلي.أخذ

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 78

    لم تكن أروى قد خططت لهذا السفر يومًا.حتى صباح ذلك اليوم، كانت تظن أن أقصى ما سيحدث هو يوم عمل طويل داخل الشركة، وبعض الملفات التي تحتاج إلى مراجعة قبل نهاية الدوام.لكنها وجدت نفسها بعد وقت قصير تقف داخل المطار، تحمل حقيبتها الصغيرة وتسير إلى جانب رائد، وهي لا تزال غير مستوعبة كيف تغير كل شيء بهذه السرعة.كانت تنظر حولها بصمت.المطار مزدحم بالمسافرين.أصوات الإعلانات تأتي من كل اتجاه.وعربات الحقائب تتحرك بسرعة بين الناس.شعرت أروى بشيء من الارتباك.لم تكن قد سافرت منذ زمن طويل، ولم تعد تتذكر حتى آخر مرة جلست فيها داخل طائرة.لاحظ رائد شرودها.ــ هل هذه أول مرة تسافرين بالطائرة منذ فترة طويلة؟نظرت إليه للحظة.ــ نعم.ثم أضافت بصوت خافت:ــ منذ سنوات.لم يعلق.اكتفى بالنظر إلى الساعة ثم تابع طريقه.كانت أروى تمشي خلفه بخطوات هادئة، تحاول ألا تبدو متوترة.وعندما وصلا إلى بوابة الصعود، جلست إلى جواره في انتظار الإعلان.كانت تمسك حقيبتها فوق ساقيها بكلتا يديها.وبين حين وآخر، كانت تنظر إلى الطائرات من خلال الزجاج.شعرت بمزيج غريب من التوتر والرهبة.---بعد وقت قصير...جلسا داخل الطائرة.

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 77

    كان صباحًا عاديًا في الشركة.جلست أروى أمام مكتبها تراجع بعض الملفات التي تراكمت عليها منذ بداية الأسبوع.كانت تحاول أن تنهي عملها قبل نهاية الدوام، خصوصًا أنها لم تعد تريد ارتكاب أي خطأ آخر بعد ما حدث معها.كانت عيناها تنتقلان بين الأوراق والشاشة باستمرار.وبينما كانت تكتب بعض الملاحظات...وصلت ليان إلى مكتبها.ــ أروى، هل انتهيتِ من الملف؟رفعت أروى رأسها.ــ تقريبًا، بقيت بعض الأرقام فقط.ابتسمت ليان.ــ منذ أن خُصم نصف راتبك وأنتِ تعملين وكأنكِ تريدين شراء الشركة.ضحكت أروى بخفة.ــ لا تذكّريني.ثم عادت إلى عملها.لكنها لم تكن تعرف أن يومها الهادئ لن يستمر طويلًا.---في الطابق العلوي...كان رائد يقف أمام نافذة مكتبه.على مكتبه حقيبة صغيرة وبعض الملفات.كان من المفترض أن يسافر في رحلة عمل مهمة في ذلك اليوم.وكانت جميع الاستعدادات قد اكتملت.إلا أن هناك مشكلة واحدة.دخل سكرتيره إلى المكتب.كان وجهه شاحبًا قليلًا.ــ أستاذ رائد...التفت إليه.ــ ماذا هناك؟ــ أعتذر، لكنني لا أستطيع مرافقتك في الرحلة.تغيرت ملامح رائد.ــ لماذا؟ــ منذ الصباح وأنا أشعر بتعب شديد، والطبيب نصحني ألا أس

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 76

    أشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 75

    أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 74

    مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status