ログインلم يتوقف المطر منذ أن غادرا الفندق.
كان يهطل بهدوء في البداية، ثم أخذ يشتد شيئًا فشيئًا حتى أصبحت قطراته ترتطم بزجاج السيارة بإيقاع متواصل، بينما راحت ماسحات الزجاج تتحرك ذهابًا وإيابًا، تفتح للطريق نافذة صغيرة سرعان ما تغلقها الأمطار من جديد. جلست أروى إلى جوار سمير، تضم معطفها حول كتفيها، وعيناها معلقتان بالشارع الذي بدا أكثر هدوءًا من المعتاد. قالت وهي تبتسم: ــ أحب هذا الوقت من الليل... نظر إليها سريعًا قبل أن يعيد تركيزه إلى الطريق. ــ لأن الشوارع تصبح فارغة؟ هزت رأسها. ــ لا... لأن المدينة تتوقف عن الضجيج، وكأنها تمنح الجميع فرصة ليرتاحوا قليلًا. ابتسم ابتسامة خفيفة. ــ حتى أنتِ لا تتوقفين عن رؤية الجمال في كل شيء. ضحكت بخجل. ــ وهل هذه صفة سيئة؟ ــ بل جميلة... ونادرة. ساد الصمت لثوانٍ، لم يقطعه سوى صوت المطر. ثم التفتت إليه فجأة. ــ نسيت أن أسألك... ماذا عن مشروعك الجديد؟ كنت تقول إنه مهم جدًا. قبض سمير على المقود قليلًا. ــ نعم... إذا نجح، فسأحصل على الترقية التي أنتظرها منذ سنوات. أشرق وجهها. ــ كنت أعلم أنك ستنجح. ابتسم، لكنه لم يجب. كان يفكر في شيء آخر تمامًا. اهتز هاتفه الموضوع بجوار علبة التروس. أضاءت الشاشة للحظات. وقبل أن تتمكن أروى من قراءة الاسم، مد يده وأغلق الرنين بهدوء. رمقته بنظرة متعجبة. ــ يبدو أن الجميع يبحث عنك الليلة. تنهد مبتسمًا. ــ العمل لا يعرف الإجازات. ــ ألا يجب أن ترد؟ ــ ليس الآن. ثم التفت إليها مبتسمًا. ــ وعدتك أن تكون هذه الليلة لنا. ابتسمت، واقتنعت بإجابته دون أن تسأل أكثر. في الطابق العلوي من الفندق، كانت الأجواء أبعد ما تكون عن الهدوء الذي تركه رائد في الأسفل. وقفت هبة أمام المرآة داخل دورة المياه، وأخذت تغسل وجهها بالماء البارد. كانت تحاول أن تخفي ارتجاف يديها. لم تكن كلمات والدة رائد قاسية صراحة... لكنها كانت كافية لتجعلها تشعر بأنها غير مرغوب بها. رفعت رأسها ببطء. التقت عيناها بانعكاس امرأة أخرى تقف خلفها. كانت ترتدي معطفًا أنيقًا بلون العاج، وشعرها الأسود منسدل بعناية فوق كتفيها. ابتسمت لها ابتسامة هادئة. ــ يبدو أن الأمسية لم تكن سهلة. التفتت هبة باستغراب. ــ هل نعرف بعضنا؟ هزت المرأة رأسها. ــ لا... لكنني أعرف من تكونين. ساد صمت قصير. ثم اقتربت بخطوات واثقة حتى وقفت إلى جوارها أمام المرآة. فتحت حقيبتها الصغيرة، وأخرجت أحمر شفاه، ثم قالت وهي تنظر إلى انعكاسهما: ــ رائد رجل مميز... ومن الطبيعي أن يلفت الأنظار. ابتسمت هبة بخجل. ــ نعم... أغلقت المرأة حقيبتها بهدوء. ثم أضافت، بنبرة بدت عادية، لكنها حملت بين كلماتها معنى أثقل: ــ المشكلة ليست في الوصول إلى قلبه... بل في الثمن الذي قد يدفعه من يبقى إلى جانبه. قطبت هبة حاجبيها. ــ ماذا تقصدين؟ التفتت إليها بابتسامة هادئة. ــ لا شيء... اعتبريها نصيحة من امرأة تعرف هذا العالم أكثر منك. ثم مرّت بجوارها، وتوقفت عند الباب. دون أن تلتفت، قالت: ــ أحيانًا... أجمل ما يمكن أن تقدميه لمن تحبين، هو أن تبتعدي عنه. وانصرفت. بقيت هبة واقفة مكانها. تحدق في الباب المغلق. تحاول أن تفهم سبب شعورها المفاجئ بالاختناق. لم تكن تعرف اسم تلك المرأة. ولم تدرك أن ذلك اللقاء القصير سيظل يطارد ذاكرتها حتى آخر لحظة. كان رائد يقف قرب النافذة في القاعة، يراقب المطر وهو ينساب فوق الزجاج. اقترب منه والده. قال بصوت هادئ: ــ ما زلت تملك فرصة لتعيد التفكير. استدار رائد نحوه. ــ لا أحتاج إلى التفكير. أنا أحبها. تنهد والده. ــ الحب لا يكفي لإدارة حياة كاملة. ــ لكنه يكفي لاتخاذ قرار الزواج. وقبل أن يجيب والده، دخلت هبة إلى القاعة. حاولت أن تبدو طبيعية. لكن رائد لمح شحوب وجهها فورًا. اقترب منها. ــ هل أنت بخير؟ أومأت سريعًا. ــ نعم... فقط أشعر بقليل من الصداع. نظر إليها بقلق. ــ هل تريدين أن نغادر؟ ابتسمت ابتسامة باهتة. ــ لا... لكن... أظن أنني سأعود إلى المنزل. اتسعت عيناه. ــ سأوصلك. هزت رأسها بسرعة. ــ لا داعي. ابق مع والديك... لا أريد أن أكون سببًا في إنهاء الأمسية بهذه الطريقة. تردد رائد. ثم أمسك يدها برفق. ــ اتصلي بي عندما تصِلين. ابتسمت له. ــ أعدك.ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.







