LOGINوكانت أروى تمارس حياتها داخل السجن كما اعتادت خلال السنوات الثلاث الماضية. تستيقظ مع بزوغ الفجر. ترتب فراشها. تتجه إلى ورشة العمل. ثم تعود إلى زنزانتها مع نهاية اليوم. لم تعد تنتظر شيئًا. ولم تعد تحلم بشيء. كانت تعيش يومها... ثم تتركه يرحل كما رحلت الأيام التي سبقته. في ذلك الصباح... توقفت إحدى الحارسات أمام باب الزنزانة. ونادت بصوت هادئ: ــ أروى الحازمي. رفعت أروى رأسها. ــ نعم؟ ــ لديك زيارة. تبادلت النظرات مع هناء. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. وقالت: ــ لا بد أنه مالك. بعد دقائق... دخلت غرفة الزيارات. كان مالك يجلس في مكانه المعتاد. لكن شيئًا فيه بدا مختلفًا. لم تكن ملامحه مثقلة بالحزن كما اعتادت. بل كان هناك هدوء... وشيء يشبه الراحة. جلست أمامه. وظلت تنظر إليه لثوانٍ. ثم قالت: ــ هناك شيء تغير. رفع مالك حاجبيه مبتسمًا. ــ ماذا تقصدين؟ أجابته وهي تراقب وجهه: ــ منذ سنوات... وأنت تأتي إلي بالوجه نفسه. أما اليوم... فكأن لديك خبرًا تخفيه. ابتسم مالك. ابتسامة حقيقية... لم ترها أروى على وجهه منذ وفاة أسامة. شعرت بأن قلبها بدأ يخفق بسرعة. وقالت: ــ
ثلاث سنوات... وبصيص أمل مرت ثلاث سنوات... ثلاث سنوات كاملة منذ أُغلقت أبواب السجن خلف أروى الحازمي. ثلاث سنوات... كانت كافية لتغير ملامح إنسانة بأكملها. لم يعد الزمن يعني لها شيئًا. لم تعد تعد الأيام كما كانت في البداية. فقد أدركت أن الانتظار... لا يجعل الوقت يمر أسرع. كانت أروى تقف في ورشة العمل. تخيط قطعة قماش بهدوء. تحرك الإبرة بخبرة اكتسبتها خلال السنوات الماضية. لم تعد السجينة الجديدة التي ترتبك من أبسط الأمور. بل أصبحت من أكثر السجينات انضباطًا. وكانت تساعد كل سجينة جديدة تدخل الورشة. دون أن تنتظر شكرًا من أحد. همست إحدى السجينات الجديدات لهناء: ــ أهي دائمًا هكذا؟ ابتسمت هناء بحزن. وقالت: ــ لا... لم تكن هكذا يوم عرفتها. كانت تبتسم كثيرًا. وتضحك من قلبها. وتتشاجر معي على أتفه الأسباب. ثم نظرت إلى أروى. وأضافت: ــ لكن الحياة... تستطيع أن تغير الإنسان أكثر مما نتخيل. رفعت أروى رأسها. ابتسمت ابتسامة خفيفة لهناء. ثم عادت إلى عملها. كانت قد سمعت كل شيء. لكنها لم تعلق. أما خارج السجن... فكانت نوال الحازمي لا تزال تتلقى العلاج. تحسنت حالتها قليلًا.
عامٌ سرق ما تبقى مر عام... لكنه لم يكن عامًا عاديًا. في السجن... لا تُقاس السنوات بعدد الأيام. بل بما تنتزعه من الإنسان. هناك... يمر الوقت ببطء شديد. لكن عندما ينظر المرء إلى الوراء... يكتشف أن الزمن سرق منه أشياءً كثيرة دون أن يشعر. مر عام على وفاة أسامة الحازمي. عام كامل... لم تخرج فيه أروى من أسوار السجن إلا في أحلامها. وعام آخر... لم تسمع فيه كلمة "عمي" إلا داخل قلبها. كانت ترددها أحيانًا... ثم تتذكر أنه لن يجيبها مرة أخرى. تغيرت أروى كثيرًا. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تحاول أن ترسم ابتسامة رغم الألم. اختفت ابتسامتها شيئًا فشيئًا. وأصبح الصمت رفيقها الدائم. كانت تستيقظ قبل الجميع. ترتب فراشها. ثم تتجه إلى الورشة. تؤدي عملها بإتقان. وتعود إلى زنزانتها. دون أن تتحدث إلا قليلًا. حتى ضحكتها... التي كانت هناء تبذل جهدًا لتعيدها إلى وجهها... اختفت. وصارت شيئًا من الماضي. كانت هناء تراقبها كل يوم. وفي إحدى الليالي... جلست بجوارها وقالت برفق: ــ أتذكرين كيف كنت تغضبين عندما أخيط الثوب بطريقة خاطئة؟ رفعت أروى رأسها. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تدم أكثر
لم تستطع الاقتراب. ظلت تنظر إليه من بعيد. وعيناها تمتلئان بالدموع. اقترب منها مالك. وقال بصوت هادئ: ــ خذي وقتك. لن يجبرك أحد. أخذت نفسًا عميقًا. ثم تقدمت ببطء شديد. كل خطوة... كانت أصعب من التي قبلها. حتى وقفت أمام عمها. مدت يدها المرتجفة. ولمست طرف الغطاء برفق. ثم همست بصوت اختنق بالبكاء: ــ عمي... لقد عدت... لكن ليس كما كنت أتمنى. أخفضت رأسها. وانهمرت دموعها فوق يديها. ثم قالت: ــ سامحني... كنت أحلم أن يكون أول لقاء بيننا بعد خروجي من السجن... أن أعود إلى البيت... وأراك تنتظرني عند الباب... لكنني اليوم... أودعك بدلًا من أن أعود إليك. ساد صمت ثقيل. ولم يُسمع في المكان... إلا صوت بكائها المكتوم شعرت أروى بانقباض شديد في صدرها. أصبحت أنفاسها متسارعة. وتجمدت يداها. نزل الجميع من السيارة. وقفت أروى مكانها للحظات... وكأن قدميها ترفضان التقدم. ثم بدأت تمشي ببطء. خطوة... تلو الأخرى. حتى وصلت إلى المكان الذي وُضع فيه النعش. توقفت.بقيت أروى واقفة...تحدق في وجه عمها للمرة الأخيرة.كان يبدو هادئًا.هادئًا على نحوٍ لم تعهده فيه من قبل.مدت يدها المرتجفة
وقفت أروى أمام باب الزنزانة. كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء. وقلبها ما زال يرفض تصديق ما سمعه قبل دقائق. تقدمت الحارسة نحوها وهي تحمل حقيبة صغيرة. قالت بهدوء: ــ هذه أماناتك... ارتدي ملابسك. نظرت أروى إلى الحقيبة دون أن تمد يدها. كانت تعرف تلك الحقيبة جيدًا. آخر مرة رأتها... كان يوم دخلت السجن. تناولتها ببطء. وجلست على المقعد الخشبي. ثم فتحتها. في الأعلى... كان الفستان مطويًا بعناية. مدت يدها نحوه. ولمست القماش بأطراف أصابعها. كأنها تلامس قطعة من حياتها القديمة. رفعته ببطء... وبقيت تحدق فيه طويلًا. لم يكن مجرد فستان. كان آخر ما ارتدته... قبل أن تتحطم حياتها. أغمضت عينيها. فعادت الذكريات دفعة واحدة. تذكرت ذلك اليوم... حين أصر سمير أن يهديه لها ظل يقنعها حتى قبلته على استحياء. وتذكرت كيف ارتدته وهي تنظر إلى نفسها بخجل. وكيف شعرت يومها... أنها بدأت ترى الحياة بشكل أجمل. ثم... تذكرت هبة. وكلماتها القصيرة التي ما زالت عالقة في ذاكرتها. وتذكرت بعد ذلك... صوت ارتطام السيارات. وصراخ الناس. والدماء. ثم وجه هبة... وهو يفارق الحياة أمامها. ارتجفت يدا
يرتدي ثيابًا سوداء. ويبدو شاحب الوجه. نهض فور أن رآها. وحاول أن يرسم ابتسامة. لكنه فشل. تقدمت أروى ببطء. ثم نظرت حولها. وقالت باستغراب: ــ أين عمي؟ ظل مالك صامتًا. ازدادت حيرتها. وأعادت السؤال: ــ ألم يأتِ معك؟ لم يجب. بدأ قلبها يخفق بعنف. وقالت وهي تبتسم ابتسامة متوترة: ــ هل هو مريض؟ لهذا لم يستطع الحضور؟ رفع مالك عينيه إليها. ثم قال بصوت هادئ يخفي خلفه ألمًا كبيرًا: ــ أروى... قبل أن أخبرك بأي شيء... هناك طلب وافقت عليه إدارة السجن. عقدت حاجبيها. ــ طلب؟ ــ نعم... ستخرجين اليوم تحت حراسة. اتسعت عيناها بدهشة. ــ سأخرج؟ لكن... لماذا؟ ساد الصمت. ثم قالت بسرعة، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها: ــ هل... هل عمي بخير؟ لم يجب مالك. نظر إليها فقط. وكان ذلك الصمت... أخطر من أي جوابأخذت أروى تحدق في وجه مالك.كانت تنتظر منه أن يطمئنها...أن يقول إن عمها بخير.لكن صمته...كان يزداد ثقلًا مع كل ثانية.تقدمت خطوة نحوه.وقالت بصوت مرتجف:ــ مالك...تكلم.أرجوك.خفض بصره إلى الأرض.ولم يستطع أن ينطق.ارتفع خوفها أكثر.وقالت بسرعة:ــ هل أصيب بحادث؟أنا... أنا سأر







