تسجيل الدخولفي مساء ذلك اليوم...
وعلى الجانب الآخر من المدينة... كانت سماء تجلس في مكتبها. أغلقت الملف الذي أمامها. ثم نظرت إلى شاشة هاتفها. ظهر اسم رائد بين قائمة جهات الاتصال. ابتسمت ابتسامة خفيفة. وهمست: ــ لا يمكن الوصول إلى رجل مثلك بالقوة... بل بالصبر. أغلقت الهاتف. ثم أمسكت بمفكرتها الصغيرة. وبدأت تكتب خطة الأيام القادمة. كانت تعلم... أن الجرح الذي تركته هبة في قلب رائد... قد أصبح الباب الوحيد للوصول إليه. أغلقت سماء مفكرتها ببطء. ثم نهضت من مقعدها. كانت قد رتبت كل شيء في ذهنها. لم تكن تريد أن تقتحم حياة رائد. بل أن تدخلها خطوةً... بعد خطوة. حتى يبدو وجودها طبيعيًا. في صباح اليوم التالي... توجهت إلى الفندق الذي شهد آخر لقاء جمع رائد بهبة. دخلت بهدوء. دخلت سماء بهو الفندق بخطوات هادئة. تلفتت حولها للحظات، ثم توجهت نحو أحد الموظفين الذي كان يعمل هناك منذ سنوات. ابتسم لها باحترام. ــ أهلًا آنسة سماء، كيف يمكنني مساعدتك؟ بادلتْه الابتسامة. ثم أخرجت من حقيبتها وشاحًا مطويًا بعناية. ــ هل تذكر الشابة التي كانت تأتي إلى هنا مع الأستاذ رائد قبل عدة أشهر؟ فكر الموظف قليلًا. ثم قال: ــ نعم... أتذكرها. نظرت سماء إلى الوشاح بين يديها. ثم قالت بهدوء: ــ في ذلك اليوم... نسيت هذا الوشاح داخل دورة المياه. كنت قد احتفظت به لأعيده إليها إذا سنحت الفرصة... لكن ما حدث بعدها جعل الأمر مستحيلًا. ساد الصمت للحظة. ثم مدت الوشاح إليه. ــ أريد منك خدمة. تناوله الموظف باهتمام. ــ تفضلي. قالت بنبرة هادئة: ــ إذا حضر الأستاذ رائد إلى الفندق يومًا... أعطه هذا الوشاح. وقل له إن عاملات النظافة عثرن عليه مؤخرًا أثناء ترتيب قسم المفقودات. نظر الموظف إلى الوشاح. ثم أومأ برأسه. ــ حسنًا. أضافت سماء بعد تردد قصير: ــ وإذا جاء... هل يمكنك أن تتصل بي؟ لدي بعض الأمور المتعلقة بالشركة، وأرغب في مقابلته إن سنحت الفرصة. ابتسم الموظف. ــ بكل تأكيد، آنسة سماء. ابتسمت له شاكرة. ــ أشكرك. استدارت وغادرت الفندق بهدوء. بينما بقي الموظف ينظر إلى الوشاح في يده بعد يومين... عاد رائد إلى الفندق لحضور اجتماع عمل. انتهى الاجتماع مع اقتراب المساء. وحين همّ بالمغادرة... استوقفه أحد الموظفين. ــ أستاذ رائد... عذرًا. التفت إليه. ــ نعم؟ ناول الموظف كيسًا ورقيًا صغيرًا. ــ أثناء ترتيب أحد المخازن وجدنا هذا. وبعد مراجعة السجلات... تبين أن السيدة التي كانت برفقتك قبل أشهر نسيته هنا. رأى رائد الكيس... فتجمد مكانه. تناوله ببطء. ثم فتحه. كان بداخله وشاح تعرف عليه فورًا. وشاح كانت هبة ترتديه في إحدى المرات. ظل يحدق فيه طويلًا. وكأن الزمن عاد به إلى ذلك اليوم. أغلق عينيه. وأطلق زفرة مثقلة بالألم. شكر الموظف بصوت خافت. ثم اتجه إلى أحد المقاعد في زاوية هادئة من بهو الفندق. جلس وحده... والوشاح بين يديه. كان يمرر أصابعه فوقه بصمت. كأنه يخشى أن تضيع آخر ذكرى بقيت له منها. بعد دقائق... دخلت سماء إلى الفندق لمحت رائد كان يجلس وحده... منحني الرأس. ترددت للحظة. ثم اقتربت بخطوات هادئة. توقفت بجانبه. وقالت بصوت منخفض: ــ أستاذ رائد... رفع رأسه ببطء. نظر إليها. ثم أومأ برأسه تحيةً دون أن يتكلم. لاحظت الوشاح بين يديه. وفهمت أنه يعيش لحظة صعبة. جلست على المقعد المقابل له. ولم تتحدث لعدة ثوانٍ. احترامًا لصمته. ثم قالت برفق: ــ هناك ذكريات... يكفي أن نلمسها حتى تعود كما لو أنها حدثت بالأمس. ظل رائد صامتًا. لكن ملامحه كانت تزداد إرهاقًا. تابعت سماء بصوت هادئ: ــ أعرف أن الفقد لا ينسى... ولا يوجد أحد يستطيع أن يملأ مكان من رحل. لكن... لا تحمل كل هذا الألم وحدك. مدت يدها ببطء. وربتت برفق على كتفه. كانت لمسة قصيرة... خالـية من أي مبالغة. كأنها مواساة صادقة. بقي رائد ساكنًا. ثم قال بعد صمت طويل: ــ بعض الأشخاص... عندما يرحلون... يأخذون جزءًا من حياتنا معهم. خفضت سماء بصرها. وقالت بهدوء: ــ وربما... يتركون جزءًا منهم داخلنا أيضًا. ساد الصمت بينهما. لم يكن صمتًا مريحًا... لكنه لم يكن ثقيلًا كما كان قبل دقائق. نهضت سماء من مكانها. وقالت بابتسامة هادئة: ــ أعتذر إن أطلت عليك. أتمنى أن تجد السلام الذي تبحث عنه يومًا ما. أومأ رائد برأسه. ــ شكرًا. استدارت وغادرت. أما هو... فبقي ينظر إلى الوشاح بين يديه. ثم طواه بعناية. ووضعه داخل جيب معطفه. ونهض مغادرًا الفندق.مرت عدة أيام منذ عودة أروى من رحلة العمل.وببطء...بدأت حياتها تستعيد هدوءها المعتاد.لم تعد تفاصيل الرحلة تلاحقها في كل لحظة، وعادت إلى روتينها اليومي الذي اعتادته.تستيقظ في الصباح، تستعد للذهاب إلى الشركة، تقضي ساعات عملها بين الملفات والمهمات، ثم تعود إلى منزلها في المساء.ومع ذلك، كان هناك شيء واحد لم تسمح لروتينها الجديد أن يغيره.نوال.كلما سنحت لها الفرصة، كانت تذهب لزيارتها.وكانت حالة نوال قد تحسنت بشكل ملحوظ.لم تعد الأيام ثقيلة كما كانت في البداية، وأصبح بإمكانها الجلوس لفترات أطول، والتحدث مع أروى دون أن تشعر بالإرهاق سريعًا.وكان ذلك وحده كافيًا ليمنح أروى بعض الطمأنينة.---في أحد الأيام...خرجت أروى من الشركة بعد انتهاء دوامها.كانت الشمس تميل إلى الغروب، والشارع مزدحمًا بالمارة والسيارات.حملت حقيبتها على كتفها، وسارت باتجاه المستشفى.كانت تفكر في نوال.ماذا يمكن أن تحضر لها هذه المرة؟ربما بعض الفاكهة...أو كتابًا خفيفًا تقرأه عندما تشعر بالملل.ابتسمت وحدها عندما تذكرت أن نوال أصبحت تشتكي من طول فترة بقائها في المستشفى أكثر مما تشتكي من مرضها.لكن ابتسامتها اختفت فج
تغيرت ملامح أروى فورًا. ــ لا. ــ متأكدة؟ ــ نعم. أجابتها دون تردد هذه المرة. ــ لم يحدث شيء. ثم أضافت: ــ كنا نعمل فقط. توقفت لحظة، وكأنها تستعيد تفاصيل الرحلة. ــ وفي اليوم التالي لم أره إلا عندما عدنا. نظرت ليان إليها باهتمام. فأكملت: ــ بقيت في غرفتي أرتاح معظم الوقت، ثم التقينا في المطار. كانت أروى تقول الحقيقة كما تعرفها. فهي لم تكن تعرف ما حدث بعد أن فقدت وعيها. لم تكن تعرف أن رائد حملها بنفسه إلى الفندق. ولم تكن تعرف أنه بقي بجانبها حتى استعادت وعيها. بالنسبة إليها... لم يحدث بينهما شيء يتجاوز حدود العمل. ظلت ليان صامتة للحظات. ثم قالت: ــ هذا غريب. رفعت أروى حاجبها. ــ ماذا؟ ــ أنتِ لستِ أول فتاة تذهب مع رائد في رحلة عمل. ثم عقدت حاجبيها. ــ فلماذا حذرتك سماء أنتِ تحديدًا؟ لم تجد أروى جوابًا. نظرت إلى شاشة حاسوبها. ثم قالت بهدوء: ــ لا أعرف. لكن السؤال بقي عالقًا في ذهنها. لماذا هي تحديدًا؟ --- في الطابق العلوي... كان رائد جالسًا خلف مكتبه، منشغلًا بمراجعة بعض الملفات. ساد الهدوء في المكتب، إلى أن سمع طرقًا خفيفًا على الباب. رفع عينيه عن
عادت أروى إلى مكتبها بعد لقائها بسماء، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.جلست أمام حاسوبها، وضعت الملفات إلى جانبها، ثم حاولت العودة إلى عملها وكأن شيئًا لم يحدث.فتحت أحد المستندات.قرأت السطر الأول.ثم أعادته مرة أخرى.لكن الكلمات لم تدخل إلى ذهنها.أغلقت الملف ببطء، وأسندت ظهرها إلى الكرسي.كانت كلمات سماء لا تزال تتردد في رأسها."أتمنى أن يكون رائد قد عاملكِ بلطف."ثم..."هو لا يعرف كيف يتصرف مع الفتيات أحيانًا."وأخيرًا..."على الأغلب شعر بالمسؤولية لأنك موظفة في شركته."رفعت أروى عينيها نحو الشاشة.لم تكن ساذجة.كانت تعرف أن بعض الكلمات تحمل معنى أبعد من ظاهرها.لكنها لم تستطع أن تحدد بالضبط ما الذي أرادت سماء قوله.هل كانت تحاول تحذيرها؟أم أنها كانت مجرد امرأة فضولية أرادت معرفة طبيعة العلاقة بين أروى ورائد؟تنهدت أروى.ــ ربما أنا أبالغ في التفكير.لكنها لم تقتنع بكلماتها.في تلك اللحظة، رفعت ليان رأسها من خلف مكتبها.لاحظت شرود أروى منذ فترة، فنهضت واتجهت نحوها.وقفت بجانب مكتبها وقالت:ــ أروى؟لم تجب أروى فورًا.ــ أروى!انتبهت أخيرًا، ورفعت رأسها.ــ نعم؟ابتسمت ليان.ــ أين ذهبت
كانت أروى تسير في ممرات الشركة، تحمل بين يديها بعض الملفات التي طلبت منها ليان مراجعتها.كان يومها يسير بصورة طبيعية، لكن شيئًا واحدًا استطاع أن يسرق انتباهها من بين كل ما حولها.سمير.رأته من بعيد.كان يقف بالقرب من أحد الموظفين، يتحدث معه حول بعض الأمور المتعلقة بالعمل.توقفت خطوات أروى دون أن تشعر.بقيت عيناها معلقتين به لثوانٍ.لم تقترب منه.لم تحاول أن تلفت انتباهه.حتى إنها لم تسمح لنفسها بأن تطيل النظر إليه.لكن مجرد رؤيته كان كافيًا لإعادة الكثير من الأشياء التي ظنت أنها دفنتها منذ سنوات.ثلاث سنوات.ثلاث سنوات كاملة مرت منذ آخر مرة كان فيها سمير جزءًا من حياتها.ثلاث سنوات تغير فيها الكثير.ربما تغيرت هي...وربما تغير هو أيضًا.خفضت عينيها عن مكانه، ثم تابعت سيرها.لكن سؤال ليان عاد إليها من جديد."هل ما زلتِ تحبينه؟"تنفست ببطء.لم تكن تملك إجابة.وفي الحقيقة...لم تكن متأكدة حتى من رغبتها في معرفة الإجابة.وضعت يدها على جبينها عندما شعرت بثقل بسيط في رأسها.ربما كان التعب لا يزال أقوى مما ظنت.لذلك قررت أن تتوقف قليلًا.اتجهت نحو دورة مياه الموظفات.---دخلت أروى إلى الحمام
بعد عودتها من الرحله مرّ يوم أروى في الشركة بصورة طبيعية.لم يحدث شيء استثنائي منذ الصباح، وكأن الأيام قررت أخيرًا أن تمنحها بعض الهدوء بعد ما مرت به خلال رحلة العمل.كانت تتحرك بين المكاتب كالمعتاد، ترتب الملفات، تراجع بعض الأوراق، وتساعد ليان في إنهاء المهام المتراكمة.ورغم أنها استعادت جزءًا كبيرًا من نشاطها، فإن التعب لم يختفِ تمامًا.كان يظهر في عينيها حين تظن أن لا أحد يراقبها.وفي الطريقة التي تتوقف بها أحيانًا لثوانٍ، تأخذ نفسًا عميقًا، ثم تعود إلى عملها وكأن شيئًا لم يكن.لاحظت ليان ذلك أكثر من مرة.لكنها لم تعلق.كانت تعرف أن أروى لا تحب أن يشعر الآخرون بالقلق عليها.ومع اقتراب منتصف النهار، كان القسم هادئًا نسبيًا.كانت أروى جالسة خلف مكتبها، تقلب صفحات أحد الملفات، بينما كانت ليان منشغلة أمام حاسوبها.وفجأة...صدر طرق خفيف على باب القسم.رفعت ليان رأسها.أما أروى فرفعت عينيها عن الملف.تكرر الطرق مرة أخرى.ثم انفتح الباب.ظهر سمير.تغيرت ملامح أروى قليلًا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.قال سمير بابتسامة هادئة:ــ مرحبا أما أروى فقالت بهدوء:ــ تفضل.دخل سمير إلى القسم،
بعد أن فتحت عينيهاكان الهدوء يملأ الغرفة.لم تكن أروى تعرف كم مر من الوقت.كل ما شعرت به في البداية هو ثقل غريب في رأسها، وكأنها استيقظت من نوم طويل جدًا.حاولت تحريك يدها.ثم فتحت عينيها ببطء.ظل بصرها مشوشًا لثوانٍ.نظرت إلى السقف.ثم إلى الغرفة من حولها.لم تكن في المستشفى.كانت في غرفتها بالفندق.حاولت أن تتذكر ما حدث.الاجتماع...الملفات...ثم الدوار.وضعت يدها على جبينها.ــ آه...خرج صوتها ضعيفًا.عندها تحرك الشخص الجالس بالقرب من النافذة.كان رائد.رفع عينيه إليها فورًا.نهض من مكانه واقترب من السرير.ــ استيقظتِ.نظرت إليه أروى باستغراب.ــ ماذا حدث؟توقف أمامها.ثم قال:ــ فقدتِ وعيكِ بعد الاجتماع.اتسعت عيناها قليلًا.ــ فقدت الوعي؟ــ نعم.حاولت أروى أن تتذكر.ثم قالت:ــ أنا آسفة.قطب رائد حاجبيه.ــ على ماذا؟خفضت عينيها.ــ عطلت الرحلة.نظر إليها للحظات.ــ لم تعطلي شيئًا.لكن نبرته كانت أكثر هدوءًا من المعتاد.ــ الطبيب فحصكِ.رفعت أروى عينيها إليه.ــ هل قال إنني بخير؟ــ قال إنكِ بحاجة إلى الراحة.تنفست براحة.ثم حاولت الجلوس.لكن رأسها دار قليلًا.مد رائد يده ليسند







