تسجيل الدخول— لم أقل إنها تكفي، ولم أتهرب مما حدث. لكنكِ تستخدمين الحادث في كل مرة تريدين فيها إجباري على فعل ما تريدين. اقتربت من مكتبه، ووضعت كفيها على حافته. — لأنك مدين لي يا آسر. نظر إليها بجمود. — أنا مسؤول عما حدث في الحادث، لكنني لست مدينًا لكِ بعلاقة لا أريدها. بدت كلماتُه كأنها أصابت موضعًا حساسًا فيها، فاعتدلت في وقفتها، وحاولت أن تخفي انزعاجها بابتسامة باهتة. — كنت أظن أنك تحبني أكثر من ذلك. — وأنا كنت أظن أن ما بيننا أعمق من الأشياء التي اكتشفت لاحقًا أنها أهم عندكِ مني. تبدلت ملامحها، وفهمت إلى أين يتجه حديثه. — أتقصد المال مرة أخرى؟ — أقصد كل مرة كان فيها ما أستطيع تقديمه لكِ أهم من وجودي معكِ. كل مرة تحوّل فيها حديثنا إلى ما تريدين شراءه، أو ما ينبغي أن أفعله لأثبت لكِ أنني أستطيع منحكِ الحياة التي تريدينها. — وهل من الخطأ أن ترغب المرأة في حياة جيدة مع الرجل الذي تحبه؟ — ليس خطأ. لكن هناك فرقًا بين أن ترغبي في حياة جيدة معه، وبين أن يصبح ما يملكه أهم من الرجل نفسه. صمتت ياسمين، ثم ضحكت ضحكة قصيرة خالية من المرح. — يبدو أنك أعددت قائمة طويلة من الاتها
كانت ياسمين تتجه نحو مكتب آسر بخطوات واثقة، تحمل حقيبتها الفاخرة بذراع، بينما تنساب خصلات شعرها المرتبة على كتفيها. اختارت إطلالة أنيقة بعناية؛ معطفًا بلون العاج فوق ثوب أسود يبرز رشاقتها، وحذاءً بكعب رفيع، تتناغم معه مجوهرات ذهبية رقيقة. أما عطرها، فكان يسبقها كلما تقدمت في الممر، مانحًا حضورها لمسة من الفخامة التي اعتادت أن تحيط بها نفسها. توقفت أمام الباب الزجاجي لمكتب آسر، وألقت نظرة سريعة على انعكاس صورتها فيه، ثم طرقت الباب. — تفضلي. جاءها صوته من الداخل. فتحت الباب ودخلت، لكن آسر، ما إن رفع رأسه ورآها، حتى تجمدت ملامحه للحظة. لم يكن يتوقع رؤيتها هنا، ولا سيما بعد الطريقة التي انتهت بها علاقتهما. غير أن دهشته لم تدم طويلًا؛ فقد أعاد نظره إلى الملفات أمامه، مستعيدًا هدوءه قبل أن يسألها بفتور: — ياسمين، لماذا أتيتِ؟ ابتسمت، وأغلقت الباب خلفها، ثم تقدمت نحوه وكأنها عادت إلى مكان تعرفه جيدًا. — اشتقت لك يا حبيبي. جلست على الكرسي المجاور لمكتبه، ووضعت حقيبتها على ركبتيها، ثم تأملته بنظرة طويلة، كأنها تنتظر منه أن يبادلها ابتسامتها أو يسألها عن أحوالها. لكنه لم ي
لم تُخفِ صبا دهشتها من الكلمات التي خرجت من فمها، ولم تجد ما تقوله لتبرر اقتراحها المفاجئ. أدركت، في اللحظة نفسها التي أنهت فيها جملتها، أنها كشفت عن شيء كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها. أما سليم، فظل ينظر إليها لثوانٍ، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة. لقد لاحظ غيرتها في مرات سابقة، لكنه لم يكن متأكدًا من حقيقة ما يراه. أما الآن، فقد منحته كلماتها إجابة لم يكن يتوقع أن يسمعها بهذه الصراحة، وإن جاءت في صورة اقتراح بدا بعيدًا كل البعد عما أرادته حقًا. ومع ذلك، لم يشأ أن يستغل ارتباكها أو يزيد من حرجها. — هل تريدين حقًا أن أرافق أليسار إلى الحفل بدلًا منكِ؟ لم تجبه صبا. اكتفت بالنظر إلى النافذة، وكأن الطريق الممتد أمامها أصبح فجأة أكثر إثارة للاهتمام من الحديث الذي يدور بينهما. ابتسم سليم مرة أخرى، لكنه لم يلحّ عليها، بل قال بهدوء: — أنا دعوتكِ أنتِ يا صبا، ولا أريد الذهاب مع أليسار. التفتت إليه دون أن تقصد، فتابع: — أليسار صديقة قديمة، عرفتها أيام الجامعة. لا أكثر من ذلك، ووجودها في حياتي لا يغيّر شيئًا مما قلته لكِ عن مشاعري. لم تعرف صبا كيف تستقبل كلماته. كان جزء منها ي
لم يكن قرار ندى بالعودة إلى الشركة سهلًا، لكنها، بعد تفكير طويل، أدركت أنها لا تريد أن تتخلى عن حلمها في هندسة وتصنيع السيارات بسبب تجربة سيئة، مهما كانت قاسية. لم تكن عودتها تعني أنها سامحت آسر، ولا أنها تجاوزت ما حدث بينهما. لقد عادت من أجل نفسها، ومن أجل حلم عملت طويلًا لتحقيقه، أما علاقتها به، فقد حسمت أمرها بشأنها منذ اللحظة التي اتخذت فيها قرار العودة. ستظل علاقتها بآسر مهنية بحتة، لا أكثر. ارتدت ملابسها، وحملت حقيبتها، ثم غادرت متجهة إلى الشركة. وما إن وصلت حتى توجهت مباشرة إلى مكتب آسر. طرقت الباب، فسمعت صوته يأذن لها بالدخول. فتحت الباب ودخلت، لتجده جالسًا خلف مكتبه، منهمكًا في العمل. رفع رأسه فور أن رآها، وظهرت على ملامحه لمحة من المفاجأة سرعان ما أخفاها. — آنسة ندى، تفضلي. تقدمت وجلست أمامه، محافظة على هدوئها، بينما أغلق آسر الملف الذي كان يراجعه ووضعه جانبًا. — شكرًا لكِ على قرار العودة، آنسة ندى. أقدّر أنكِ منحتِ الشركة فرصة أخرى. حركت ندى رأسها قليلًا، ثم أجابت بوضوح: — لم أعد من أجل أحد. لا أريد أن أضيّع حلمي في هندسة وتصنيع السيارات بسبب تجربة سيئة. تأملها
— حقًا؟ مبارك لكِ! — شكرًا لكِ. تنفست أليسار الصعداء في سرها. الآن فهمت سبب اهتمام سليم بها؛ فصبا امرأة حامل، ومن الطبيعي أن يراعي الآخرون ظروفها ويحرصوا على راحتها. لم يخطر ببالها أن يكون للطفل أي صلة بسليم، ولم تجد سببًا يدعوها إلى التفكير في الأمر أصلًا. عاد الحديث بعد ذلك إلى العمل، فتحدث كرم عن بعض التفاصيل المتعلقة بالمشروع، قبل أن يلتفت سليم إلى أليسار. — كما أخبرتكما، أليسار تفكر في الاستثمار في شركتي، ولهذا رتبنا هذا اللقاء لمناقشة الأمر. رفعت صبا رأسها نحوه، وكأنها وجدت أخيرًا تفسيرًا واضحًا لما سمعته عن موعده معها. — إذن، إنه موعد عمل. قالتها بصوت خافت توقفت لحظة، ثم عادت إلى طبقها، متظاهرة بأن الأمر لا يعنيها. لكن سليم لاحظ الطريقة التي أسرعت بها إلى إخفاء عينيها عنه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، لم تستطع صبا رؤيتها. لقد فهم ما لم تقله، ولم يكن بحاجة إلى سؤالها كي يدرك أن هدوءها يخفي شيئًا آخر. أما أليسار، فاستأنفت الحديث عن الاستثمار، دون أن تنتبه إلى النظرات العابرة التي تبادلها سليم وصبا، أو إلى المعنى الذي حملته ابتسامته. --- بعد مدة، ا
بعد خروج فرح من مكتبها بمدة، دخل كرم، فوجد صبا منهمكة في مراجعة بعض الأوراق. اقترب من مكتبها، وأسند يده إلى حافته قائلًا: — ما رأيكِ أن نتناول الغداء معًا؟ رفعت صبا عينيها إليه، ثم ألقت نظرة سريعة على الساعة قبل أن تغلق الملف أمامها. — لا بأس، يمكننا الذهاب. ابتسم كرم، وانتظرها حتى جمعت أغراضها، ثم غادرا المكتب معًا. --- ما إن دخلا المطعم حتى أخذ كرم يتفحص المكان بحثًا عن طاولة مناسبة، قبل أن تقع عيناه على سليم الجالس إلى إحدى الطاولات برفقة أليسار. مال قليلًا نحو صبا وقال: — سليم هنا. رفعت صبا رأسها تلقائيًا، وما إن وقعت عيناها عليه حتى التقت نظراتهما. توقفت للحظة قصيرة، ثم سحبت نظرها سريعًا، وكأنها لم تره. لم تكن قد تجاوزت ما حدث بينهما في الليلة الماضية؛ فما زالت تتذكر قربه منها، وقبلته التي باغتتها، واعترافه الذي تركها عاجزة عن معرفة ما ينبغي لها فعله بمشاعرها. كان مجرد النظر إليه كافيًا لاستعادة كل ذلك، ولهذا آثرت أن تتجنب عينيه قبل أن يفضح ارتباكها ما تحاول إخفاءه. لاحظ سليم وجودهما، فأشار إلى كرم بيده، داعيًا إياهما إلى الاقتراب. توجه كرم وصبا نحو
انتهى الاجتماع بعد نقاش طويل حول تفاصيل المشروع وخططه المستقبلية.جمع كرم ملفاته وهو يبدو راضياً عن مجريات اللقاء.وقف مساعده أولاً معتذراً وقال إنه سيتكفل بدفع الفاتورة.خرج المساعد من الغرفة تاركاً صبا وكرم وحدهما.ساد صمت خفيف لبضع ثوانٍ بينهما.ابتسم كرم بخجل بسيط وقال: "يبدو أننا بدأنا اللقاء
عاد سليم وصبا إلى المنزل في صمت شبه كامل.كان الطريق بينهما هادئاً، لا يقطعه سوى صوت السيارة.ما إن وصلا حتى دخل سليم مباشرة إلى الغرفة.التقط ملابسه واتجه إلى الحمام دون أن ينطق بكلمة.وقفت صبا للحظات تراقب الباب المغلق ثم توجهت إلى غرفة المعيشة.فتحت حاسوبها المحمول وجلست تراجع بعض الملفات المتبق
جلست صبا في مكتبها تحاول التركيز على الملفات أمامها، لكن عقلها كان مزدحماً بالأفكار.كانت تقرأ الأرقام والتقارير دون أن تستوعبها فعلياً.فجأة، قطع رنين هاتفها الصمت داخل المكتب.نظرت إلى الشاشة لتجد اسم نسرين يظهر أمامها.شعرت بتردد قبل أن ترد، لكنها أجابت في النهاية.قالت نسرين بصوت دافئ: "صبا حبي
في صباح اليوم التالي، استيقظت صبا على ضوء الشمس المتسلل إلى غرفتها.شعرت بثقل في رأسها وإرهاق يسيطر على جسدها.أدركت أنها استيقظت متأخرة على غير عادتها تماماً.اعتادت أن تستيقظ باكراً لتحضير الإفطار قبل أن يستيقظ سليم.حاولت تذكر متى نامت في الليلة الماضية، لكنها لم تستطع.يبدو أنها غفت بعد ساعات ط







