LOGINوضعت صبا الكتاب مجددًا بين يديها، وعادت إلى القراءة، وكأن الحديث انتهى بالنسبة إليها. أما سليم، فظل واقفًا عند الباب لثوانٍ. نظر إليها بصمت. كانت جالسة فوق السرير، وقد مدت ساقيها أمامها، وعيناها تتحركان بهدوء بين سطور الكتاب، وكأن وجوده في الغرفة لم يعد يعني لها شيئًا. لم تسأله لماذا يريد دعوة سلمى. لم تسأله ماذا ينوي والده أن يفعل. ولم تبدُ عليها حتى علامات الغضب. وهذا الأمر أزعجه أكثر مما توقع. قال: "صبا." رفعت عينيها عن الكتاب. "نعم؟" قال بعد لحظة: "غدًا، عندما تأتي سلمى..." قاطعته بهدوء: "لا تقلق. لن أفتعل مشكلة." نظر إليها. "لم أقل إنك ستفعلين." أعادت عينيها إلى الكتاب. "إذن لا داعي لأن تشرح." ظل صامتًا للحظات. ثم قال: "أبي يراقب كل شيء." أجابته دون أن تنظر إليه: "لاحظت." "لذلك أريد منكِ أن تتصرفي بشكل طبيعي." توقفت عن القراءة. رفعت عينيها إليه وقالت: "ما معنى طبيعي بالنسبة إليك؟" لم يجب فورًا. تابعت: "هل تريدني أن أجلس بجانبك؟" ثم أضافت بنبرة ساخرة: "أم أمسك يدك أمامه؟" ظل صامتًا. قالت: "أم أبتسم لك كلما نظرت إليك؟" بقي سليم على هدوئه. ابتس
كان رائد جالسًا فوق السرير، وقد أسند ظهره إلى الوسادة، بينما كانت ملامحه أكثر جدية من المعتاد.رفع يده نحو الباب حين سمع طرقًا خفيفًا."ادخل."فُتح الباب، ودخل سليم.أغلق الباب خلفه، ثم تقدم نحو والده."هل تحتاج شيئًا؟"رفع رائد رأسه، ثم عدّل من جلسته ببطء.لكن بدل أن يجيبه، ظل ينظر إليه بنظرات حادة لثوانٍ.شعر سليم أن والده يريد الحديث في أمر مختلف.توقف أمام السرير وقال:"ما الأمر؟"قال رائد دون مقدمات:"لا تقل لي إن سلمى تلك هي من غدرت بك وتخلت عنك حينها."تجمد سليم للحظة.لم يتوقع أن يبدأ والده الحديث بهذه الطريقة.ظل صامتًا.لكن صمته كان كافيًا.تغيرت نظرات رائد فورًا، وكأنه حصل على الإجابة التي كان يبحث عنها.قال بحدة واضحة:"إذن هي."لم يجب سليم.تابع رائد:"هل ما زالت علاقتكما قائمة؟"تنفس سليم ببطء وقال:"أبي، هذا شيء يخصني."قاطعه رائد قبل أن يكمل:"لا، ليس كذلك."صمت سليم.أشار رائد بيده نحو الخارج."وصبا؟"لم يجب سليم مباشرة.اقترب رائد منه قليلًا، وقال:"لا تقل إنك تمثل على أن علاقتك بصبا جيدة فقط بسبب ما ناقشناه قبل."تغيرت ملامح سليم للحظة، لكنه استعاد هدوءه سريعًا."لا
استيقظت صبا في صباح اليوم التالي على أصوات خافتة قادمة من المطبخ.فتحت عينيها ببطء، ثم ألقت نظرة إلى الجهة الأخرى من السرير. كان سليم قد غادره بالفعل.نهضت واتجهت إلى الحمام، وبعد دقائق خرجت وهي ترتب شعرها قبل أن تتوجه إلى المطبخ.وجدت رائد جالسًا إلى الطاولة، يحتسي قهوته بهدوء.ما إن رآها حتى ابتسم."صباح الخير.""صباح الخير."أشار إلى المقعد المقابل له."تعالي، اجلسي."جلست صبا، ثم نظرت حولها."أين سليم؟""ذهب ليحضر هاتفه."ثم تأملها قليلًا."كيف نمتِ؟""جيدًا."ابتسم رائد براحة."هذا جيد."تناولت صبا كوب العصير، لكنها توقفت عندما قال رائد:"بالمناسبة، قررت أن أبقى هنا عدة أيام."رفعت عينيها إليه."عدة أيام؟"ضحك رائد."لا تنظري إليّ هكذا. لن أزعجكما."ابتسمت صبا بسرعة."لم أقصد ذلك.""أعرف."ارتشف قهوته، ثم قال بنبرة أكثر جدية:"لكنني لم أقتنع بعد."عقدت صبا حاجبيها."بماذا؟"نظر إليها مباشرة."بأنكما تعيشان معًا بشكل طبيعي."صمتت صبا للحظة.وقبل أن تجيبه، دخل سليم إلى المطبخ.نظر إلى والده."بماذا لم تقتنع؟"ابتسم رائد."كنت أتحدث عنك.""لاحظت."جلس سليم إلى جانب صبا، بينما ظل رائ
بقي رائد جالسًا في غرفة المعيشة، بينما جلست صبا وسليم أمامه. كان واضحًا من ملامحه أنه لم يأتِ لمجرد زيارة قصيرة، لكن وجوده في الشقة لم يكن يزعج صبا. على العكس، كانت تشعر بشيء من الراحة لوجوده، فهو لطالما عاملها كابنة له. ابتسم رائد وهو ينظر إليهما. "أريد أن أخبركما بشيء." رفع سليم عينيه إليه. "ماذا؟" أخذ رائد نفسًا هادئًا، ثم قال: "قررت أن أبقى عندكما فترة." ساد الصمت لثوانٍ. نظرت صبا إليه باستغراب، بينما ظل سليم ينظر إلى والده دون أن تتغير ملامحه كثيرًا. سأله: "كم من الوقت؟" ضحك رائد. "لم أحدد بعد." رفع سليم حاجبه. "أبي..." قاطعه رائد مبتسمًا: "لا تقلق. لن أحتل منزلك." نظر إلى صبا. "بما أنني عرفت أن زوجة ابني حامل بحفيدي، لا أستطيع أن آتي لعدة ساعات ثم أعود وكأن شيئًا لم يحدث." ابتسمت صبا بخجل. "يمكنك البقاء بالطبع." نظر إليها رائد برضا. "كنت أعرف أنك لن ترفضيني." ثم التفت إلى سليم. "أما أنت، فلا أعتقد أنك ستعترض." أجابه سليم ببرود: "افعل ما تريد." ضحك رائد. "هذه طريقتك في الترحيب بي؟" "أنت قررت بالفعل." ابتسم رائد. "صحيح." ثم نظر إلى صبا. "وأنا أري
في المساء عادت صبا إلى الشقة بعد يوم طويل. ما إن فتحت الباب حتى توقفت للحظة. شعرت بالرائحة نفسها. رائحة سليم. لم تكن تعرف لماذا أصبحت تميزها بهذه السرعة، لكنها أصبحت مألوفة لها على نحو غريب. رفعت رأسها قليلًا. "إنه هنا." أغلقت الباب واتجهت نحو مصدر الرائحة. كلما اقتربت، أصبحت أوضح. حتى وصلت إلى المطبخ. توقفت عند الباب. كان سليم يقف أمام الموقد، يرتدي قميصًا منزليًا بأكمام مطوية، بينما كان جهاز لوحي موضوعًا إلى جانبه. كان يراجع شيئًا على الشاشة بين الحين والآخر، ثم يعود إلى الطعام. بقيت صبا تراقبه للحظات. كان المشهد غير مألوف بالنسبة إليها. لم تتخيل يومًا أن ترى سليم في المطبخ يعد الطعام بنفسه. قالت: "أنت تطبخ؟" التفت إليها. "كما ترين." اقتربت قليلًا. "لم أتوقع ذلك." عاد إلى ما يفعله. "لا تبالغي." ثم أضاف: "طلبت من الطاهي أن يخبرني بما يجب أن تأكليه." نظرت إليه باستغراب. "ولماذا؟" أجاب دون أن ينظر إليها: "لأنك لا تهتمين أحيانًا بما تأكلين." سكتت صبا. ثم ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها دون قصد. جلست على أحد الكراسي، بينما واصل سليم إعداد الطعام. لم يتحدث أ
فتح سليم عينيه ببطء. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب وجود صبا إلى جوار سريره. كانت واقفة على مسافة قريبة منه، تنظر إليه بصمت. وما إن التقت عيناها بعينيه حتى ارتبكت، وكأنها أدركت فجأة مدى قربها منه. تراجعت خطوة إلى الخلف. قال سليم بصوت هادئ تغلب عليه آثار النوم: "ماذا تفعلين؟" ترددت صبا. "لا شيء." ثم أسرعت في إضافة: "كنت... أتأكد فقط أنك في المنزل." رفع سليم حاجبه. مد يده إلى هاتفه الموضوع على الطاولة، وألقى نظرة على الساعة. كانت عقاربها تشير إلى وقت متأخر من الليل. رفع عينيه إليها مجددًا. "في هذا الوقت؟" ازداد ارتباكها. "لم أكن أعرف أنك نائم." ظل ينظر إليها لحظات، ثم سأل: "هل كنتِ تبحثين عن شيء؟" هزت رأسها. "لا." لم يقتنع تمامًا، لكنه لم يضغط عليها. وبعد لحظة قال بنبرة هادئة: "هل هذا أيضًا بسبب رائحتي؟" اتسعت عينا صبا. "ماذا؟" كرر سليم: "رائحتي." شعرت بالحرج. لم تتوقع أنه لاحظ اقترابها منه، والأسوأ أنه فهم السبب. قالت بسرعة: "لا، الأمر ليس كذلك." "إذن ما الأمر؟" تنهدت وهي تحاول ترتيب أفكارها. "منذ بداية الحمل... حاسة الشم لدي أصبحت غريبة." بقي سليم ص
عادت صبا إلى المنزل في وقت متأخر من المساء. فتحت الباب بهدوء ودخلت إلى الداخل. لاحظت أن المنزل كان ساكناً تماماً. لم تجد أي أثر لوجود سليم. لم تشعر بالدهشة هذه المرة. اعتادت غيابه المستمر في الفترة الأخيرة. توجهت مباشرة إلى غرفة النوم. جلست على حافة السرير تفكر بهدوء. كانت تعلم أنها يجب أن
جلست صبا أمام حاسوبها تحاول التركيز في العمل.لكنها كانت تفكر فيما حدث قبل قليل.استغربت من برود مشاعرها عندما رأت سليم يصطحب سلمى لتناول الغداء.توقعت أن تشعر بالغيرة أو الألم.لكنها لم تشعر سوى بهدوء غريب.أدركت أن شيئاً ما تغيّر داخلها.بدأت تقتنع بأنها فعلاً تتخطى حبها له.شعرت بشيء من الراحة ر
بعد انتهاء الاجتماع، عمّ الهدوء داخل القاعة.بدأ الحاضرون بجمع أوراقهم والاستعداد للمغادرة.وقف سليم فجأة وقال بصوت رسمي: "أعتذر منكم، لدي عمل آخر مهم."حيّا الجميع بسرعة.ثم غادر القاعة دون أن ينظر إلى صبا.تابعت صبا خروجه بعينيها للحظة.شعرت براحة غريبة بعد مغادرته.وكأن وجوده كان يضغط على أعصابه
دخل سليم الغرفة بهدوء وهو يخلع سترته. لمح صبا جالسة على طرف السرير غارقة في أفكارها. لم تلاحظ دخوله في البداية. اتجه نحو الخزانة ليأخذ ملابس النوم. كان يتحرك بهدوء كعادته. شعرت صبا أن هذه فرصتها أخيراً. أخذت نفساً عميقاً محاولة جمع شجاعتها. قالت بصوت هادئ: "سليم… أريد التحدث معك." توقف عن ا







