Masukالفصل الخامس عشر
شعرت صبا بشيء يشتعل داخلها فور أن وقعت عيناها على سليم. غضب مفاجئ… حاد… غير متوقع. خفضت نظرها بسرعة، وكأنها تحاول الهروب من المشهد كله. لكن قبل أن تستوعب ما يحدث، تقدمت سلمى نحوهما بابتسامة هادئة. قالت بلطف: "مساء الخير." رفع كرم نظره ورد بابتسامة: "مساء النور." أما صبا فاكتفت بهز رأسها دون أن تنظر إليها. نظرت سلمى بينهما ثم قالت: "ما رأيكما أن تنضما إلينا؟ نحن أيضًا هنا للعشاء." تردد كرم للحظة. لكن أسلوبها المهذب لم يترك له مجالاً للرفض. قال: "بالطبع، لا مشكلة." جلست سلمى، وتبعها سليم بصمت. — داخلها، كانت سلمى تفكر: "هذه فرصة… يجب أن أستغلها لأتقرب من كرم أكثر." أما كرم، فكان يراقب بصمت: "ما طبيعة العلاقة بين صبا وسليم…؟" — جلس الأربعة على الطاولة. بدأ الحديث بشكل طبيعي بين كرم وسلمى وسليم. قالت سلمى بابتسامة: "كنت مشغولة في الأيام الماضية، لهذا لم آتِ إلى الشركة." أضافت: "لكنني سأبدأ من الغد بشكل منتظم." رد كرم: "هذا جيد، المشروع يحتاج متابعة دقيقة." أما صبا… فكانت صامتة تماماً. لم ترفع نظرها. لم تنظر إلى سليم ولو لمرة. لاحظ كرم ذلك. ولاحظه سليم أيضاً. قالت سلمى وهي تنظر إلى صبا: "هل أنتِ بخير اليوم؟ تبدين متعبة." رفعت صبا نظرها قليلاً وقالت بهدوء: "أنا بخير… فقط متعبة قليلاً." في تلك اللحظة، نظر إليها سليم لبضع ثوانٍ فقط. لم يقل شيئاً. لكن كرم لاحظ تلك النظرة. وشعر بشيء غريب. "هذا ليس تصرف زوجين…" "في البداية ظننت أنه زوجها… خاصة بعد ما قيل عن الطلاق…" "لكن هذا البرود… هذه المسافة…" "هل أنا مخطئ؟" بقي صامتاً، لكنه بدأ يعيد التفكير في كل شيء. — من جهة أخرى، كانت سلمى تراقب أيضاً. لاحظت البرود الواضح بينهما. وتذكرت ذلك اليوم… عند سلم الطوارئ. حين رأت صبا تبكي. بدأ شعور خفي بالارتياح يتسلل إليها. "ربما… لا يوجد شيء بينهما." — استمر العشاء. حديث عن العمل… عن المشروع… عن الخطط القادمة. وصبا… ما زالت صامتة. في منتصف العشاء، وضعت يدها على الطاولة بهدوء. ثم قالت: "أعتذر… سأغادر. أنا متعبة." نظر إليها كرم وقال: "دعيني أوصلك." هزت رأسها بسرعة: "لا، لا داعي. سأذهب وحدي." نظر إليها قليلاً، ثم قال: "حسناً… انتبهي لنفسك." اكتفت بإيماءة خفيفة، ثم غادرت. — بعد دقيقتين… وصلت رسالة إلى هاتفها. فتحتها. "انتظريني عند موقف السيارات. أريد التحدث معك." توقفت في مكانها. نظرت إلى الشاشة للحظات. "هل أذهب…؟" "أنا متعبة… ولا أريد رؤيته…" "هل أستطيع التحكم في نفسي؟" تنهدت بعمق. ثم أغلقت الهاتف. ووضعته داخل حقيبتها. وقررت… أن تتجاهله. وأكملت طريقها نحو الخارج. — فجأة… شعرت بيد قوية تمسك بذراعها. التفتت بصدمة. سليم. — قبلها بدقائق… كان سليم قد استأذن بحجة الذهاب إلى الحمام. لكنه لم يتجه إليه. خرج من الباب… فرآها واقفة، تمسك هاتفها. قرأ الموقف فوراً. "لن تنتظر." اقترب منها بسرعة. وأمسك بذراعها. — قالت بغضب: "اتركني!" لكنه لم يتوقف. سحبها معه نحو موقف السيارات. حاولت الإفلات. لكن قبضته كانت قوية. قالت بحدة: "قلت لك توقف!" رد ببرود: "سنتحدث… وبعدها اذهبي." قالت: "لا أريد التحدث معك." لم يرد. فتح باب السيارة. وأدخلها بالقوة. ثم أغلق الباب. التف حول السيارة وجلس في مقعد السائق. — انطلق بالسيارة. أخرج هاتفه. واتصل بسلمى. فتح مكبر الصوت. قال: "سأغادر… لدي عمل طارئ." جاء صوت سلمى عبر الهاتف، ناعمًا: "حسنًا… لا بأس." ثم قالت بنبرة خفيفة: "حبيبي." وأغلقت الخط. — ساد الصمت داخل السيارة. لكن صبا… كانت قد سمعت كل شيء. نظرت إليه ببطء. ثم… ضحكت. ضحكة ساخرة… مؤلمة. قالت: "أرى أنك أصبحت حبيبها رسميًا." توقفت للحظة، ثم أضافت: "إذاً… لماذا لا تطلقني وتريح نفسك؟"مدت يدها نحوها ووضعتها على كتفها. "هاتفِي ليس معي." ثم قالت بهدوء: "ولم أرد أن أتعبك معي أكثر." هزت ندى رأسها. "أنا لا يهمني التعب." صمتت لحظة. ثم أضافت: "أنتِ صديقتي، ومن حقي أن أعرف عندما يحدث لكِ شيء كهذا." نظرت صبا إليها. ثم قالت: "أنتِ ساعدتِني كثيرًا في الفترة الأخيرة." ابتسمت بحزن. "حتى إنك أخذتِ عدة إجازات من العمل من أجلي." ثم حاولت تخفيف الجو قائلة: "إذا أخذتِ إجازة أخرى، سيطردونكِ." نظرت إليها ندى للحظة. ثم لم تستطع منع نفسها من احتضانها. بادلتها صبا العناق، وأغمضت عينيها. قالت بصوت خافت: "سامحيني." شدت ندى ذراعيها حولها أكثر. "فقط لا تفعليها بي مرة أخرى." ابتسمت صبا رغم الدموع التي تجمعت في عينيها. في ذلك العناق، شعرت للمرة الأولى منذ دخولها المشفى أن هناك شخصًا لا يريد منها شيئًا سوى أن تكون بخير. وهذا الشعور وحده كان كافيًا ليخفف شيئًا من ثقل اليوم. ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ غادرت ندى المشفى بعد أن اطمأنت إلى صبا، وبعد أن وعدتها بأنها ستعود في الصباح. بقيت صبا وحدها في الغرفة. كان الليل قد بدأ يحيط بالنوافذ، بينم
وما إن أُغلق الباب حتى قالت صبا: "سأغادر اليوم." رفع سليم عينيه إليها. "لا." توقفت. "ماذا؟" قال بهدوء: "لن تخرجي." حدقت فيه. "الطبيب سمح لي." "سمح لكِ بالمغادرة، ولم يقل إن المغادرة أفضل لكِ." شعرت صبا بالضيق. لم تكن تريد أن تبقى في المشفى، ولا أن تتحول حياتها منذ الآن إلى مجموعة من التعليمات التي يضعها الآخرون من أجلها. قالت: "سليم..." قاطعها دون أن يرفع صوته: "أنتِ تحتاجين إلى الراحة." ردت بحدة لم تخطط لها: "وأنا لا أريد أن أبقى تحت حمايتك طوال الوقت." سكت سليم. نظرت إليه صبا، وكانت مشاعر كثيرة تختلط داخلها. الخوف على طفلها. الغضب مما حدث. والضيق من شعورها بأن الجميع بدأ يتعامل معها وكأنها عاجزة عن اتخاذ قرار بشأن حياتها. قالت: "ولا أريد أن تتحول حياتي إلى سجن بسبب خوفك على الطفل." تغيرت ملامحه قليلًا. لكنه لم يرفع صوته. "أنتِ لا تفهمين ما حدث." رفعت عينيها إليه. "بل أفهمه جيدًا." وضعت يدها فوق بطنها. "شخص حاول قتل طفلي... وأنا الآن أريد أن أعود إلى حياتي." قال سليم: "صبا، لا تكوني عنيدة. هذا في مصلحتك." هزت رأسها
كان سليم لا يزال واقفًا بالقرب من سرير صبا عندما فُتح باب الغرفة. دخل الطبيب، وفي يده ملف التحاليل. رفع سليم عينيه إليه فورًا، بينما اعتدلت صبا قليلًا في جلستها، وقد التقطت نظرة الطبيب قبل أن يتحدث. كانت تنتظر هذه اللحظة منذ ساعات. منذ الأمس، وهي تحاول إقناع نفسها بأن ما حدث ربما لم يكن سوى مضاعفات مفاجئة للحمل، أو خطأً عابرًا لا علاقة لأحد به. لكن شيئًا في داخلها لم يكن يصدق ذلك. تقدم الطبيب نحو السرير وقال بهدوء: "ظهرت نتيجة التحاليل." ساد الصمت. سأل سليم مباشرة: "وماذا أظهرت؟" فتح الطبيب الملف، ثم قال: "كما توقعنا... هناك مادة دوائية في دم صبا، ولا يفترض أن تكون موجودة في جسدها أصلًا." شعرت صبا بأن جسدها تجمد. لم تنظر إلى سليم. بقيت عيناها على الطبيب، وكأنها تخشى أن تسمع الجملة التالية. تابع الطبيب: "والأمر المقلق أن الكمية الموجودة في جسدك أكبر بكثير مما توقعنا." اتسعت عيناها. "أكبر؟" أومأ الطبيب. "نعم." ثم قلب إحدى الأوراق، وقال: "والأهم أن آثار المادة تشير إلى أنها لم تدخل جسدك دفعة واحدة." توقف قليلًا. "بل يبدو أنك تناولتها عل
لماذا طلبت مني الحضور؟" لم يجب. ابتسمت أكثر، محاولة أن تخفي توترها. ثم قالت: "هل اشتقت لي؟" رفع سليم عينيه إليها. لم تكن في نظرته أي إجابة. لا حنين. ولا دفء. فقط هدوء بارد جعل ابتسامتها تتلاشى تدريجيًا. أدار شاشة الحاسوب نحوها. ضغط زر التشغيل. ظهر التسجيل. في البداية، لم تفهم ما الذي ينظر إليه. ثم ظهرت يدها. وهي تضع شيئًا في الكوب. تجمد وجهها. اتسعت عيناها. استمر التسجيل. رأت نفسها وهي تنقل الكوب إلى جانب صبا. ثم رأت صبا وهي تشرب منه. توقفت أنفاس سلمى للحظة. أوقف سليم التسجيل. ساد صمت ثقيل. رفع عينيه إليها. قال بهدوء: "هل تريدين أن تخبريني بنفسك بما فعلتِ؟" فتحت سلمى فمها. لكن الكلمات اختفت. ثم قالت بسرعة: "سليم... الأمر ليس كما تظن." رفع حاجبه قليلًا. "حقًا؟" "أنا لم..." قاطعها: "رأيت التسجيل." بدأت الدموع تتجمع في عينيها. قالت: "كنت غاضبة فقط." "غاضبة؟" كان صوته هادئًا. لكن هدوءه لم يترك لها مكانًا للاختباء. هزت رأسها بسرعة. "كنت خائفة." سألها: "من ماذا؟" بدأت دموعها تنهمر. "من أن أخسرك."
بعد قليل، حاولت صبا النهوض. وضعت يدها على طرف السرير، ثم دفعت جسدها ببطء حتى وقفت. لم يكن الألم شديدًا، لكن الخوف كان حاضرًا في كل حركة. لم تكن تريد أن تفعل شيئًا قد يؤذي طفلها. لاحظ سليم حذرها. سألها: "إلى أين؟" أشارت إلى الحمام. "الحمام." لم يمنحها فرصة لإضافة شيء. اقترب منها، ثم حملها فجأة. اتسعت عينا صبا. "سليم!" لم يجبها. حملها حتى وصل إلى باب الحمام، ثم أنزلها بهدوء. شعرت صبا بالحرج. لكن شيئًا آخر أربكها أكثر. كان قريبًا منها جدًا. وصلت إليها رائحته الخاصة؛ الثي جعلتها تفكر في القتراب منه اكثر توقفت للحظة. اضطرب قلبها على نحو أزعجها. خفضت عينيها بسرعة. لا تتوهمي يا صبا. دخلت الحمام وأغلقت الباب خلفها. وضعت يدها على صدرها، وأخذت نفسًا عميقًا. "ما بكِ؟" تمتمت لنفسها: "إنه مجرد حمل." حاولت إقناع نفسها بذلك، لكنها لم تستطع منع ذلك الارتباك الصغير من البقاء في صدرها. وبعد دقائق، خرجت. وجدت سليم ينتظرها. وقبل أن تعترض، حملها مجددًا. قالت بخجل: "أستطيع المشي." أجابها ببرود: "لم أقل إنكِ لا تستطيعين." ثم أعادها إلى
استيقظت صبا في صباح اليوم التالي على ضوء الشمس المتسلل من بين ستائر غرفة المشفى. فتحت عينيها ببطء. لبضع ثوانٍ، بقيت تحدق في السقف دون أن تفهم أين هي. كان جسدها مثقلًا بالتعب، ورأسها ما يزال غارقًا في ضباب النوم. ثم عادت إليها أحداث الأمس دفعة واحدة. المطعم... الألم المفاجئ... النزيف... والخوف الذي شعرت به وهي لا تعرف ما الذي يحدث لطفلها. تحركت يدها تلقائيًا نحو بطنها. وضعتها عليه بحذر، وكأنها تريد أن تطمئن بنفسها إلى وجوده. تنفست ببطء. كان الألم قد خف كثيرًا، لكن القلق لم يختفِ. لاحظ رائد حركتها. كان جالسًا على المقعد القريب من السرير، وقد قضى الليل في المشفى رغم إصرارها على أنه يستطيع العودة إلى المنزل. نهض عندما رأى أنها استيقظت، واقترب منها. قال بحنان: "كيف تشعرين الآن يا ابنتي؟" التفتت إليه صبا، ورسمت ابتسامة صغيرة على وجهها. "أفضل." ظهر الارتياح على ملامح رائد. "الحمد لله." جلس مجددًا بالقرب منها، وبقي يراقبها لبضع لحظات. أما صبا، فظلت يدها فوق بطنها. لم تكن تستطيع منع نفسها من التفكير في سؤال واحد. هل طفلها بخير حقًا؟ وكأن الطبيب سمع ما يدور في ذهنها، د
بعد تناول الغداء، عادت صبا إلى العمل مع كرم.كان الصمت بينهما مريحاً هذه المرة.جلست خلف مكتبها وبدأت تكمل ما تبقى من مهام اليوم.لم تسمح لأفكارها أن تشتتها.ركزت على الملفات أمامها بدقة.مرّ الوقت سريعاً دون أن تشعر.انتهى الدوام أخيراً.أغلقت حاسوبها بسرعة.حملت حقيبتها وخرجت مسرعة من الشركة.طوا
تأخرت صبا في العمل ذلك اليوم أكثر من المعتاد.كانت تجلس مع كرم في قاعة الاجتماعات يناقشان تفاصيل دقيقة في المشروع.قال كرم وهو ينظر إلى الساعة: "لقد تجاوزنا التاسعة مساءً."ابتسمت صبا بإرهاق: "لم أشعر بالوقت."أجابها: "هذا لأنكِ تندمجين تماماً في العمل."أغلقت حاسوبها أخيراً.ودّعته عند باب الشركة.
خرجت صبا من المستشفى برفقة كرم بعد الاطمئنان على إصابتها.كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على المدينة.التفت إليها كرم بنبرة جادة قائلاً: "يجب أن تعودي إلى المنزل وترتاحي."رفعت صبا يدها المصابة قليلاً وقالت: "إنها مجرد التواء بسيط."عقد حاجبيه قائلاً: "الطبيب أوصى بالراحة."ابتسمت بخفة: "الطبيب قال ر
عادت صبا إلى المنزل في وقت متأخر من المساء. فتحت الباب بهدوء ودخلت إلى الداخل. لاحظت أن المنزل كان ساكناً تماماً. لم تجد أي أثر لوجود سليم. لم تشعر بالدهشة هذه المرة. اعتادت غيابه المستمر في الفترة الأخيرة. توجهت مباشرة إلى غرفة النوم. جلست على حافة السرير تفكر بهدوء. كانت تعلم أنها يجب أن







