Home / الرومانسية / أسيرة اللون القرمزي / الفصل التاسع: خلف الستار القرمزي

Share

الفصل التاسع: خلف الستار القرمزي

Author: هاري
last update publish date: 2026-06-09 07:31:15

الساعة تشير إلى الثالثة فجراً. الصمت في القصر ليس صمتاً عادياً، إنه صمتٌ ثقيل، مشحون بالتوتر الكهربائي. وقفتُ داخل الممر السري، أراقب من الفتحة الصغيرة القبو الذي يقع في الأسفل. كانت الإضاءة خافتة، لكنني رأيتُه؛ "إياد".

لم يكن وحده. كان يقف أمام خزانة حديدية ضخمة، يفتحها بمفتاحٍ ذهبي لا يملكه غيره. كان الطبيب يقف بجانبه، ملامحه توحي بالخوف لا بالطاعة.

"هل هي جاهزة؟" سأل إياد بصوته الأجش الذي اخترق جدران الممر.

أجاب الطبيب بصوتٍ مرتجف: "نعم، سيدي. لكن التكاليف... المنظمة بدأت تسأل عن سبب تأخرك."

ضحك إياد ضحكةً باردة جعلتني أرتجف في مكاني. "المنظمة لا تملك ما أملكه أنا. نور ليست مجرد قطعة في اللعبة، هي اللعبة بأكملها."

توقفت أنفاسي. أنا "اللعبة"؟ هل يظن أنني مجرد دمية؟ شعرتُ بنار الغضب تشتعل في صدري، لكنني أجبرت نفسي على الثبات. وفجأة، حدث ما لم يكن في الحسبان. التفت إياد ببطء نحو المرآة التي كنت أختبئ خلفها، وكأنه يشعر بوجودي.

"اخرج،" قال بصوتٍ حاد، ليس لي، بل لشيءٍ كان يتحرك في زاوية القبو.

خرجت "مريم" الخادمة من الظلال، رأسها مطأطأ، وجسدها يرتجف. قلبي توقف. مريم! لقد كُشفت!

"كنتُ أعلم أنكِ تسرقين الوقت خلف ظهري، يا مريم،" قال إياد وهو يقترب منها بخطواتٍ مفترسة. "هل ظننتِ أن القصر غافلٌ عنك؟"

لم أعد أستطيع البقاء مكتوفة الأيدي. إذا قُتلت مريم، فسيُقتل كل أمل لي في النجاة. لكن، قبل أن أتحرك، رأيتُ شيئاً غريباً. إياد لم يقتل مريم، بل أمسك بذقنها ورفع وجهها، ونظرة عينيه لم تكن نظرة قاتل، بل كانت نظرة... تحدٍّ.

"اذهبي،" همس لها. "وأخبريها أنني بانتظارها. الممر السري ليس سراً بالنسبة لي، يا نور."

تجمدتُ في مكاني. لقد كان يعلم! كان يعلم بكل حركاتي، وبوجود مريم، وبكل محاولاتي. كل ما حدث كان مجرد "عرض" أعده لي ليرى إلى أي مدى سأصل.

فجأة، فُتح الباب السري الذي كنت أختبئ خلفه، ودخل إياد. لم يكن يحمل سلاحاً، بل كان يحمل كأساً من النبيذ، ونظراته تلمع بذلك الشغف المسموم.

"لعبة ممتعة، أليس كذلك؟" قال وهو يتقدم نحوي.

تراجعتُ حتى اصطدم ظهري بالجدار. "أنت... أنت كنت تراقبني طوال الوقت؟"

اقترب أكثر، حتى أصبحتُ أحس بحرارة أنفاسه على وجهي. وضع يده على الجدار بجانب رأسي، محاصراً إياي. "أنا لا أراقبكِ، يا نور. أنا أؤلف قصتكِ. وأنتِ، رغم ذكائكِ، بدأتِ تنجذبين إليّ في كل خطوة تحاولين فيها الهروب مني."

لمست أصابعه وجهي برقةٍ مرعبة. شعرتُ بالخوف، نعم، لكنني شعرتُ بشيءٍ آخر أيضاً: انجذابٌ لم أستطع تفسيره. قوة حضوره جعلتني أنسى الملفات، وأنسى الانتقام، وأنسى كل شيء.

"غداً،" قال بصوتٍ خافت، "سأعطيكِ ما تريدين. سأعطيكِ الحقيقة كاملة. لكن بشرط..."

"ما هو؟" سألتُ بصوتٍ مخنوق.

ابتسم ابتسامةً جعلت قلبي يخفق بعنف. "أن تعترفي، ولو لمرة واحدة، أنكِ لا تريدين الهروب بقدر ما تريدين أن تكوني لي."

تجمدت أنفاسي في حلقي، وصوت دقات قلبي كان يتردد في أرجاء القبو كقرع طبول حربٍ وشيكة. كلمات "إياد" لم تكن مجرد جملة، كانت اعترافاً بامتلاكه لزمام أموري، اعترافاً بأنه يرى في داخلي ما أحاول أنا نفسي إنكاره.

"أنتَ واهم،" همستُ، محاولةً سحب جسدي من تحت قبضته التي لم تكن تؤلمني، بل كانت تبقيني في مكانه. "أنت لا تمتلكني، أنت فقط سجنت جسدي، لكن إرادتي... إرادتي لا تزال حرة."

اقترب إياد أكثر، حتى تلاشت المسافة بيننا تماماً. شعرت برائحته، خليط من خشب الصندل، التبغ الباهظ، وبرودة القبو التي لا ترحم. نظر إلى عينيّ بنظرةٍ فاحصة، وكأنه يقرأ كل فكرةٍ عبرت ذهني منذ لحظة دخولي هذا القصر.

"الحرية؟" ضحك إياد بخفة، وهي ضحكة كانت تخلو من السخرية، بل كانت مشبعةً بمرارةٍ غامضة. "هل الحرية هي أن تعيشي في خوفٍ دائم؟ أن تراقبي الظلال في كل زاوية، وتنتظري الفجر ليس لبدء يومٍ جديد، بل لتنتهي ليلةٌ أخرى من الهروب؟ يا نور، أنتِ لستِ حرةً، أنتِ فقط لم تقرري بعد السجن الذي تختارينه."

حاولتُ أن أبحث في عينيه عن أي أثرٍ للرحمة، أو حتى للكراهية. لم أجد سوى "الهوس". هوسٌ من نوعٍ خاص، هوسٌ بشخصٍ يراه إياد بطلاً في قصته، بينما أراه أنا وحشاً في كابوسي.

"ماذا تريد مني؟" صرختُ، وقد بدأ صبري ينفد. "لقد سرقتَ سنواتي، دمرتَ حياتي، والآن تريدني أن أعترف بأنني أريد البقاء؟ أنت لا تعرف شيئاً عن الحب، إياد. أنت تعرف فقط كيف تملك، كيف تسيطر، كيف تحطم!"

فجأة، تغيرت ملامحه. تلاشت برودة القبو من وجهه، وحل محلها شيءٌ يشبه الألم الحاد. تراجع خطوة إلى الوراء، لكنه لم يترك مساحةً لي للهرب. نظر إلى يده التي كانت تلمس وجهي، ثم نظر إليّ بعمق.

"أنا لا أعرف الحب؟" قال بصوتٍ خافت، هز كياني. "ربما. لكنني أعرف شيئاً واحداً: منذ اللحظة التي رأيتكِ فيها، في ذلك اليوم العادي، في تلك المدينة التي كنتِ تظنين أنها تنتمي إليكِ... عرفت أنكِ النقطة التي سأنهي فيها كل شيء. لقد كنتِ دائماً في مركز عالمي، حتى قبل أن تعرفي من أنا."

أحسستُ بقشعريرة تسري في جسدي. هل كان يراقبني حقاً منذ سنوات؟ هل كل تلك الصدف التي جمعتني به لم تكن صدفاً؟ أدركتُ حينها أنني كنتُ "أسيرة" قبل أن أخطو داخل هذا القصر بكثير.

أخرج من جيب معطفه قلادةً ذهبية صغيرة، كانت معقدة التصميم، وبها حجرٌ قرمزي يتوهج في عتمة القبو. وضعها في يدي، وأغلق أصابعي عليها بإحكام.

"هذه القلادة ليست مجرد زينة، يا نور. إنها مفتاح. ليس للمستودع القرمزي، بل لأسراري. غداً، في الثالثة فجراً، عندما تفتحين الباب الرئيسي للقبو، ستجدين الحقيقة. كل الحقائق. عندها فقط، سأترككِ تقررين: هل ستحرقين هذا القصر بمن فيه، أم ستختارين أن تكوني الملكة على عرش هذا الظلام معي؟"

تراجعتُ إلى الوراء، والقلادة تحرق كفي. لم أكن أعرف ما إذا كان هذا عرضاً للسلام أم فخاً جديداً. "ولماذا تعطيني هذا المفتاح؟ لماذا الآن؟"

التفت إياد وابتعد نحو مخرج القبو، تاركاً إياي في عتمة المكان. "لأنني بدأتُ أملّ من مطاردتكِ، يا نور. أريد أن أرى ما إذا كان قلبكِ سيختار الحقيقة، أم سيختارني أنا."

خرج، وأُغلق الباب خلفه بقوة، تاركاً إياي وحدي في ظلام القبو. كان صدى كلماته يتردد في أذني. هل كان إياد يتلاعب بمشاعري؟ أم أن هذا الرجل المعقد فعلاً وجد فيّ شيئاً يربطه بالحياة؟

نظرتُ إلى القلادة في كفي. كان الحجر القرمزي يتلألأ وكأنه عينٌ تراقبني. في تلك اللحظة، لم أعد أشعر بالخوف. شعرتُ بالمسؤولية. لقد أصبحتُ الآن حاملةً للسر، ومالكةً للمفتاح. الطريق إلى الحقيقة بات مفتوحاً، لكن الثمن... الثمن كان قلبي.

هل سأكون قوية بما يكفي لمواجهة إياد، أم أنني سأنجرف في تيار هذا الحب المظلم؟

نظرتُ إلى الممر السري المؤدي إلى غرفتي. كان عليّ أن أقرر. غداً في الثالثة فجراً، لن تكون هناك عودة. إما أن أتحرر، أو أن أكتشف أن سجن "إياد" هو المكان الوحيد الذي أجد فيه نفسي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل العشرون: الهروب الكبير

    كانت الغابة من حولنا تتنفس الغموض، وأشجارها العتيقة تبدو كحراسٍ صامتين لشاهدةٍ على انهيار عالمٍ بأكمله. لم نكن نعرف إلى أين تتجه بنا أقدامنا، لكننا كنا نعرف جيداً أن التوقف يعني الموت. كان المطر قد توقف، لكن الأرض الموحلة تحت أقدامنا كانت تعيق حركتنا، وتجعل كل خطوةٍ معركةً ضد الجاذبية والإرهاق. كان إياد يترنح بجانبي، وقد بدأ فقدان الدم يؤثر على توازنه، لكن يده لم تترك يدي أبداً؛ كانت قبضته هي الحبل الوحيد الذي يربطني بالحياة في هذا العالم الذي فقد توازنه.توقفنا في منطقةٍ كثيفة الأشجار، حيث لم يعد ضوء القمر قادراً على اختراق الغصون المتشابكة. استند إياد إلى جذع شجرة بلوط ضخمة، وأنزل رأسه بين يديه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وصوت أنفاسه المتقطعة كان يمزق سكون الليل. "لا يمكننا المضي قدماً بهذه السرعة يا نور،" قال بصوتٍ خافت، مغموسٍ بالألم. "الجرح... إنه يزداد سوءاً."جلستُ بجانبه على الأرض، وبدأتُ أفتح حقيبة الإسعاف الصغيرة التي كنت قد انتزعتها من داخل القبو قبل هروبنا. كانت يدي ترتجف، ليس من الخوف، بل من الغضب الذي كان يغلي في عروقي. لقد خسرنا القصر، خسرنا كل ما كان يربطنا بهويتنا، وأ

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل التاسع عشر: أقنعة الخيانة

    كان الظلام في الأنفاق تحت قصر "أرينور" خانقاً، محملاً برائحة العفونة والتراب الرطب، لكنه كان بالنسبة لي ولك، يا إياد، رائحة الحياة التي انتزعناها من براثن الموت. لم يكن خروجنا عبر تلك الأنفاق هروباً عادياً؛ كان زحفاً في أحشاء الأرض، حيث كانت الجدران الحجرية القديمة تبدو وكأنها تراقب حركتنا. لم أكن أسمع سوى صوت أنفاسنا المتلاحقة وصوت ارتطام أقدامنا بالصخور. كان إياد يتكئ بجسده المنهك عليّ، وكان جرح كتفه لا يزال ينزف، يقطر دماً امتزج بتراب الأنفاق، لكنه لم يتوقف عن المضي قدماً، كانت إرادته أصلب من الحجر الذي يحيط بنا.بعد ساعات من الزحف، وصلنا إلى مخرجٍ مخفي خلف جدارٍ من اللبلاب المتسلق في أطراف الغابة المحيطة بالقصر. خرجنا إلى الهواء الطلق، وكان المطر لا يزال يهطل بغزارة، يغسل عن وجوهنا غبار المعركة، لكنه لم يغسل تلك الرعشة التي تسكن أعماقنا. توقفنا للحظة لنلتقط أنفاسنا. كان القصر في الخلف يشتعل، ألسنة اللهب تتصاعد منه كأنها صرخاتٍ حزينة، وكان دخانه الأسود يلطخ سماء الليل.في تلك اللحظة، ظهر من بين الأشجار ظلٌ مألوف. لم تكن حركةً عسكرية، بل كانت مشيةً واثقة ومستفزة. توقف الرجل، وأشعل س

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الثامن عشر: في قلب الظلام

    لم يعد القصر قصراً. لقد تحول في غضون لحظات إلى متاهة من الجحيم، حيث اختلط صوت الرصاص الصامت—المكتوم بواسطة كاتمات الصوت—بصوت خطوات الأقدام التي كانت تطأ الرخام ببرودٍ قاتل. كنتُ أقف في مركز القبو، يداي لا تزالان مثبتتين على لوحة التحكم، لكن عينيّ كانتا عالقتين في الشاشات التي تعرض الممرات التي يغزوها الموت.رأيتُ إياد عبر الكاميرا رقم 7. كان يتحرك ببراعة القطة المفترسة في الممر الشرقي. لم يكن يقاتل من أجل البقاء فحسب، كان يقاتل من أجل فكرة، من أجل إرث، وربما من أجلي. سقط أحد المقتحمين، ثم آخر، قبل أن يدرك المهاجمون أنهم لا يواجهون حارساً عادياً، بل وحشاً محاصراً يعرف كل زاوية من زوايا هذا القصر. كان إياد يختفي في الظلال ويظهر خلفهم، حركةٌ واحدة، انحناءةٌ دقيقة، ثم إطلاق نارٍ مدروس. لم يكن يهدر رصاصةً واحدة."إياد، إنهم يحيطون بك من جهة المكتبة!" صرختُ في الميكروفون المربوط بالسماعات الخفية التي يرتديها.أجابني صوته، وكان هادئاً بشكلٍ مرعب رغم القتال: "استمري في عزل الممرات يا نور. لا تسمحي لهم بالوصول إلى القبو. سأفتح لكِ طريقاً للخروج إذا تدهورت الأمور، لكن لا تخرجي قبل أن أؤكد لك."

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل السابع عشر: نذير العاصفة

    كان الهدوء في قصر "أرينور" تلك الليلة مريباً، ثقيلاً لدرجة أنني كنت أشعر بضغط الهواء في أذنيّ. لم يكن مجرد صمتٍ عادي؛ كان صمتاً مشحوناً، وكأن أركان القصر نفسها تحبس أنفاسها استعداداً لشيءٍ وشيك. قضيت الساعات الماضية في القبو، محاطةً بشاشات المراقبة التي كانت تعرض أروقة القصر الخالية، بينما كان إياد يتنقل بين الخرائط والأسلحة، يراجع خطط الدفاع ببرودٍ يثير الأعصاب، بينما كان "كريم" يقبع في الغرفة المخصصة له في الطابق العلوي، تحت حراسةٍ خفية لم تكن ترضيه.وقفتُ أمام الشاشات، أراقب حركة الظلال في الممرات. كانت الأنوار الخافتة تتراقص على الجدران، وتخلق أشكالاً مشوهة تزيد من حدة توتري. كان عقلي لا يزال عالقاً في الحوار الذي دار بيننا منذ ساعات، والشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبي مثل السم البطئ. لماذا عاد كريم الآن؟ وكيف عرف بمكاني؟ كلما نظرتُ إلى انعكاسي في الشاشة السوداء، كنت أرى وجهاً لامرأةٍ تغيرت كثيراً منذ أن دخلت هذا القصر؛ لم أعد تلك الفتاة التي تبحث عن أمانٍ مفقود، بل أصبحت امرأةً تدرك أن الأمان في هذا العالم هو مجرد كذبةٍ نختلقها لنستمر.التفتُّ نحو إياد. كان يفكك سلاحه بهدوء، ثم يعيد ت

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل السادس عشر: ظلال الماضي تعود

    كان الهدوء في قصر "أرينور" يميل إلى الكآبة تلك الليلة، وكأن القصر نفسه يشعر بالتوتر الذي يسري في أروقتنا بعد اختراقنا لنظام المنظمة. كنتُ وإياد في القبو، محاطين بشاشاتٍ تعرض خرائط تقنية وتفاصيلَ عن تحركات "الظلال". فجأة، دوّى صوت جرس الباب الرئيسي في أرجاء القصر، وهو صوتٌ لم نعتد سماعه في هذا الوقت المتأخر من الليل.تصلب إياد في مكانه، وسحب سلاحه بلمحة بصر. "لا أحد يأتي إلى هنا،" همس بنبرةٍ خافتة ومحذرة. "ابقِ هنا، نور. لا تتحركي."نظرتُ إلى الكاميرات الأمنية التي قمنا بتفعيلها. عند البوابة الرئيسية، كان يقف رجلٌ يرتدي معطفاً طويلاً، مبللاً بمياه الأمطار التي بدأت تهطل بغزارة. لم يكن يرتدي زياً عسكرياً، بل ملابس مدنية أنيقة، وكان يبدو كشخصٍ جاء ليطرق باباً يعرفه جيداً. حين رفع رأسه نحو الكاميرا، توقف نبضي تماماً."كريم؟" همستُ بذهول.كان كريم، صديق طفولتي، الشخص الذي ظننتُ أنني فقدته في حادثة اختفاء والدي قبل سنوات. كان هو الشخص الوحيد الذي شاركني ذكريات قبل أن يتحول عالمي إلى هذا الجحيم. كيف وصل إلى هنا؟ وكيف عرف مكان هذا القصر؟نزل إياد معي إلى البهو الرئيسي، كان جسده مشدوداً كوتر ق

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الخامس عشر: اختراق النظام

    كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مريب، لا يكسره سوى طنين أجهزة الخادم (Server) المكدسة في زوايا القبو. لم تعد هذه المساحة مجرد سجنٍ أو مخبأ، بل تحولت إلى غرفة عمليات حربية. الهواء هنا كان ثقيلاً، مشحوناً بالأدرينالين والتوتر؛ فقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، اللحظة التي قررنا فيها أن ننتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. جلستُ أمام الشاشات المتعددة، كانت أصابعي تتحرك بسرعةٍ تكاد تكون غير مرئية على لوحة المفاتيح. خلفي، كان إياد يقف كحارسٍ لا يغفل، عيناه تتنقلان بين الشاشات والباب الفولاذي للقبو، يده تقبض على سلاحه كأن الخطر قد يقتحم علينا المكان في أي ثانية. كانت نظراته تلاحق كل حركة أقوم بها، لم يكن يراقب فقط، بل كان يحلل، وكأنه يرى في سرعة بديهتي انعكاساً للرجل الذي كان يثق به: والدي. "نور، المنظمة بدأت تلاحظ ثغرات في جدار الحماية الخاص بهم،" همس إياد، صوته كان عميقاً وهادئاً بشكلٍ مرعب. "لديهم بروتوكول تدمير ذاتي (Kill Switch). إذا اكتشفوا أننا داخل نظامهم، سيقومون بمسح كل شيء، بما في ذلك الأدلة التي نحتاجها لإثبات تورطهم." توقفتُ للحظة، استجمعتُ تركيزي. "لن يمسحوا شيئاً، إياد. أنا لا أحاول اختر

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الرابع عشر: أطلال الماضي

    كان القبو يغرق في سكونٍ ثقيل، سكونٌ لا يقطعه إلا صوت دوران المراوح في أجهزة الحاسوب التي تئن تحت وطأة البيانات المشفرة، وأنفاسي المتلاحقة التي بدأت تهدأ تدريجياً. بعد أن نجحنا في فك الشفرات، لم تعد الملفات مجرد ورقٍ أو بياناتٍ رقمية؛ تحولت إلى أشباحٍ من ماضٍ لم أعش تفاصيله، لكنني أعيش تبعاته في كل

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الثالث عشر: عهد الظلال

    وقفتُ في وسط القبو، محاطةً بجدرانٍ من الملفات والصور التي كانت يوماً ما تمثل كابوسي، والآن باتت تمثل خريطة طريقي. الهواء في الأسفل كان لا يزال بارداً، لكنه لم يعد يبعث على الرعب؛ فقد تغير شيء ما في داخلي، شيءٌ عميقٌ كسر الطوق الذي كان يربط روحي بالخوف.كان إياد يقف على بعد خطواتٍ مني، يراقبني بصمت،

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الثاني عشر: صرخة الصمت

    تراجع الباب الحديدي الضخم إلى الخلف ببطءٍ مهيب، كاشفاً عن عتمةٍ ليست كباقي العتمة؛ كانت عتمةً محملةً برائحة الغبار الممزوجة برائحةٍ قديمة، شيءٌ يشبه عطر إياد، لكنه أكثر حدةً وقسوة. في تلك اللحظة، لم تعد الساعة تشير إلى الزمن، بل توقف كل شيء. الهواء الذي تسلل من الداخل كان بارداً، جعل جلدي يقشعر، لك

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الحادي عشر: خيوط الحقيقة

    كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل عندما استيقظتُ من غفوةٍ قصيرة لم تكن أكثر من كابوسٍ متصل. لم يغمض لي جفن، فجسدي كان في حالة استنفار دائم. في هذا القصر، حتى الهواء بدا مشحوناً، وكأن الجدران نفسها تراقب أنفاسي. قمتُ من فوق السرير، ومشيت بخطواتٍ وأجلة نحو المرآة الكبيرة في زاوية الغرفة.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status