INICIAR SESIÓNوفي أعماق العتمة، جلس “حممد” أمام بلّورة تنبض بضوءٍ أزرق بارد.
مرّر أصابعه على سيفه كمن يربّت على وحشٍ يستيقظ، وقال بابتسامةٍ تميل نحو الشر: – تأخّرت يا صديقي… لكن كلّما طال الانتظار، ازدادت لذّة اللقاء. وضع السيف أمامه كما يُقدّم العريس عروسه، ثم همس: – اقترب… لأهديك موتًا يليق بصداقةٍ قديمة. وفي مكانٍ آخر، كانت الشفا تفتح رسالة لا تعرف من أين جاءت. ابتسامتها الطفولية بدأت تذوب، بينما همس خفيّ يمرّ في أذنها: "ليس كل ما يلمع دفئًا… أحيانًا يكون ضوءًا من فم الجحيم." كان الليل يتثاءب فوق الطريق المؤدي إلى الشمال، والريح تقلب رائحة المطر والبارود معًا. على حافة الغابة توقّف المهدي، يراقب ضوءًا بعيدًا يشبه نبض قريةٍ نسيها العالم. تسلّل إلى ذهنه طيف تلك الأرض التي غادرها؛ يوم غادرها أحمد إلى الحرب، واختطفت بشرى، وتولّى إسماعيل أمنها، فبنى حولها أسوارًا من حديد وخوف. (أدرك أن: إسماعيل لم يبنِ نظاماً، بل سجنًا نفسيًا، حيث القانون هو الخوف والحقيقة هي ما يقرره السوط. هذا هو جوهر الدكتاتورية التي تولّد الجهل والجمود أشعره حدسه الخفيف صفيرًا خافتًا، كنبضٍ غامض بين أصابعه. لم يكن إشعارًا رسميًا، بل نذير خطرٍ يهمس بين أنامله. رفع رأسه، والظلال بين الأشجار بدأت تتحرك… أقدام بلا صوت، أنفاس متقطعة، شيء يقترب بخفة صيادٍ يعرف فريسته. مدّ يده نحو سيفه وهمس كما لو يخاطب الغابة نفسها: – من هناك؟ حسّ المهدي بحدسِه الخفيف، صفيرًا غامضًا كان يهمس بين أنامله. رفع رأسه، والظلال بين الأشجار بدأت تتلوى؛ أقدامٌ تسرق الخطى، وأنفاسٌ متقطعة لشيءٍ يقترب بخفة صيادٍ يعرف فريسته جيداً. مدّ يده نحو سيفه، مخاطباً صمت الغابة: "من هناك؟". من عتمة الأشجار، انبثقت هيئة مغلّفة بالسواد، كأنها "مومياء" قُدّت من ذاكرة قديمة. تألقت عيناها كليليْنِ في محجرين، وانطلقت نحوه كالبرق. انحرف المهدي، فاصطدم الفولاذ بالفولاذ، وانبثقت شرارة زرقاء أضاءت وجهه المتجهم. لم يكن يقاتل عدواً، بل كائناً يألف إيقاعه؛ شهيقٌ عند الهجوم، وزفيرٌ عند الدفاع، ورائحةٌ غامضة بدأت تداعب ذاكرته. طغيان الأنوثة وسطوة النصل هما سلاحها الرادع حين انقضّ عليها بجسده الصخري، رامياً بكل ثقله في طعنةٍ حاسمة، لكنه واجه "سراباً" من اللحم النابض. تفادته بانثناءة خصرٍ إعجازية؛ خصرٌ ضامر كأنه خُلق ليُطوّق براحة يد واحدة، يحمل فوقه ثقل صدرٍ عارم، نهدان عظيمان يتموجان خلف القماش المجهد، يقاومان الجاذبية بجموحٍ يشتت انتباه النصل. ومع كل روغان، كانت مؤخرتها المكتنزة، ذات التكوين الناضج والطافح بالخصوبة، ترتدّ بإغراءٍ فطري، لترسم في الفضاء منحنياتٍ I تجعل القاتل ينسى مقتوله. حين ضاقت المسافة، اندفعت نحوه، فالتقت الشفرات في عناقٍ معدنيٍّ عنيف، تطايرت منه شرارات زرقاء لثمت وجهيهما للحظة. لم يكتفيا بالنصول؛ بل تنازلا عن موسيقى الفولاذ ليتحول القتال إلى "عراكٍ وحشي" بجمالٍ طاغٍ. سددت له لكمةً خاطفة بكفها الصغيرة لكن الصلبة، تركت كدمةً أرجوانية على فكه، بينما ردّ هو بدفعةٍ من منكبيه العريضين أطاحت بها نحو جذع شجرة ضخم. اندفعت نحوه بركلةٍ دائرية كشفت عن ساقٍ مرمرية ممتلئة تضج بالصلابة. صدّ الضربة بذراعه الغليظة، ليدفعها نحو الحائط، فارتطم صدرها العارم بصدره العريض في التحامٍ أخرس الأنفاس. في تلك اللحظة، غرق المهدي في "بحرٍ من الدفء"؛ شعر بنبض قلبيهاهما يتسارع كطبول الحرب، وفاحت منها رائحة الأنوثة الخام، مسكٌ دافئ يخرج من مسام جلدها المتعرّق. ألقى المهدي غمد سيفه الذي بات عبئاً، وقرر ترويض هذا "الإعصار الأنثوي" بيديه. في كل التحام، كان يشعر بدفء جسدها الذي يغلي؛ مؤخرتها المكتنزة تصطدم بفخذيه مع كل محاولة منها للالتفاف حوله، وصدرها الذي يضيق به رداؤها يضغط على قلبه في "عناق الموت". لكنها لم تنحنِ. عادت إليه كالريح، لتصطدم أجسادهم مرة أخرى؛ هنا كدمة على ساقها المرمرية من أثر صدّه الخشن، وهناك خدشٌ على صدره من أظافرها التي تقاتل كالخناجر. كان اللحم يئنّ، والجلد يتغير لونه، لكن الشهوة القتالية كانت تغطي على كل ألم. حاولت الالتفاف حوله، فلفّت ساقيها القويتين حول خصره في حركةٍ قتالية، لكنها بالنسبة له كانت كعناقٍ من الجحيم اللذيذ. مؤخرتها الثقيلة استقرت لثوانٍ فوق فخذيه الصلبين، فزلزلت وقاره، وجعلت "المهدي" الذي يشتهي الدم يشعر بخطر الغرق في هذا الجسد. تراجعت، واستلّت خنجرها الصغير؛ كانت تدور حوله كفراشةٍ تحوم حول حريق، واحتك ظهرها الناعم بصدره للحظة، فخلف وراءه مساراً من النار والارتباك. استعرت المعركة في أمتارها الأخيرة. كانت تقاتل بشراسة لبوةٍ جُرح كبرياؤها، ومؤخرتها المكتنزة تتمايل مع كل ركلة، وصدرها يضجّ خلف الثوب الممزق كأنه يستغيث. حاولت مباغتته بقفزةٍ بهلوانية في الهواء، لكن المهدي، بغريزة المقاتل الذي لا يرحم، انحنى تحتها. وفي تلك اللحظة التي كان فيها جسدها معلقاً في الفضاء، مكشوفاً ببطنه المسطح وخصره الضامر، سدد ضربته الحزينة. لم يكن جرحاً عابراً، بل كان "شقاً" شطر السكون. نصل الخنجر غاص في خاصرتها الناعمة لعدة سنتيمترات، ليرسم خطاً من القاني وسط بياضٍ باهر. صرخ النصل في لحمها، وسقطت بجسدها الممتلئ على الأرض بوقارٍ مهزوم. انزلق الدم الأرجواني، دافئاً وغزيراً، ليبلل تضاريس خصرها المنحوت كأنه الفُـرات يغزو وادياً في الفردوس أطلقت تنهيدةً متهدجة: "آه.."؛ بحّة تفيض بالأنوثة المنكسرة حطمت ثبات المهدي. سقط القناع، فتجلى أجمل وجهٍ قابله يوماً؛ وجهٌ تُكمل جلاله خطوطُ الندوب الرمادية، وشعرٌ كليلٍ من فضة انسدل على كتفيها. نظر إليها بذهول، وشعر بطعنةٍ في ضميره: كيف لهذا الجمال الساحر أن يُخدش بهذا العنف؟ رفعت رموشها ببطء، وقالت بصوتٍ يخرج من عمق الرماد: – "القريـة… في خطر. إسماعيل لم يعد كما كان… والقرية لم تعد للسلام بعد الآن." ثم أغمضت عينيها، وسقط رأسها على صدرها كزهرةٍ انكسرت في العاصفة. مدّ يده نحوها،، ليمسك بكتفها المهتز، ليمسك بهذا "الدفء" قبل أن يبرد. فقد ملَّ فراغ الفقد لكن أصابعه لم تلامس سوى هواءٍ باردٍ ورائحة رماد. سلبتها الظلال من أمامه، تاركةً خيط دخانٍ خافتٍ ورجفةَ عجزٍ تسري في أوصاله.حين بدأت الظلال المحيطة بهما تتمدد كأصابع شيطانية، التفت حول جسدها المنهك برقةٍ متوحشة. كانت الظلال تبتلعها قطعةً قطعة، سلبوا منها "صدرها" النابض، ثم "شعرها" الفضي، وأخيراً "عينيه" اللتين كانتا تنظران إليه بعتبٍ باهر. لم ترحل هي، بل "شربها" الليل. لم يبقَ في يده سوى هواءٍ بارد ورائحة مسكٍ ذبيح. سأل المهدي الظلّ بصوتٍ متهدج: "ما ثمن هذه الرسالة؟". لم يجبه الصمت، لكن قلبه الذي لا زال يتحسس دفء جسدها أدرك الحقيقة: "الثمن هو عودته إلى الجحيم الذي هربت منه." وقف المهدي في الصمت، والليل من حوله يغلي. نظر نحو الأفق حيث تلمع أضواء بعيدة — أضواء قريته. وفي صدره بدأ شيء يتكسّر، مثل وعدٍ قديمٍ عاد ليطالبه بالثمن. الطريق إلى القرية لم يكن طويلًا، لكن الزمن فيه تمدّد كظلٍّ على جدار الذاكرة. كانت كلمتها ترن في ذهنه كلعنة ناعمة: "الأطفال إذا عُهد لهم بلا توجيه… أفسدوا.إنها حقيقة الحكم الديكتاتوري؛ يختار أسوأ الأتباع ويزوّدهم بالسلطة ليضمن ولائهم المطلق ويشوه ما تبقى من النخبة). تكررت العبارة، حتى صار يسمعها مع وقع خطاه. كل خطوة تُعيده إلى يوم التخرج… إلى ساحة العرض العسكري. كانت الشمس حادّة، والهواء يشبه زجاجًا ساخنًا. صفوف الجنود تمتدّ أمامه بثمانية صفوف متوازية، كل واحد يقف خلف الآخر كظلّه، وكل ظلٍّ يتقوّم عند الصوت الذي يهزّ الميدان: "مُعْتَدِلًا… سِـر!" صدى الإعاز يرتد في صدر المهدي كضربة طبل، تتقدّم الأرجل اليسرى معًا، عشرات الأرجل في إيقاع واحد، والأيدي اليمنى تعود للخلف، الصدور مشدودة، والرؤوس مرفوعة كأنها تنظر إلى مستقبلٍ مصنوع من النظام وحده. لم يكن يدرك وقتها أن هذا النظام نفسه، قد ينقلب يومًا إلى أداةٍ في يد من لا يعرف كيف يقوده."نظام بلا روح هو وحش يرتدي قناع القانون. إنه يربي أجيالًا من الجلّادين، لا من المدافعين") تبدلت الرؤية. الغبار يعود، والميدان ينكمش إلى طريقٍ ريفيٍّ ضيّق، والقرية أمامه، تغفو تحت راياتٍ جديدة بلونٍ لا يعرفه: الأبيض والأحمر، كأنها جروح تُعلن الولاء لإسماعيل. وقف عند الحافة، يراقب نقاط الحراسة. الوجوه التي كانت تزرع في الحقول، صارت تزرع العيون على المارة. كل بيتٍ حول المسجد تحوّل إلى نقطة مراقبة. شيء في الجو لم يكن طبيعيًا… رائحة النظام القديم، ممزوجة برطوبة الخوف. : رائحة الخوف؛ ذلك العطر المألوف الذي تتبعه العواصم التي ينام أهلها على وعد القائد ويصحون على صوت القيد تحسّس قبضته على السيف. حين همّ بالتقدّم، شعر بخطرٍ لا يشبه أي خطرٍ من قبل. استدار بسرعة، والسيف يلمع في الضوء الأخير من المغيب. كان هناك… خمسة جنود. لكنهم لم يكونوا أحياء كما يعرف الحياة. أجسادهم مقطّعة، موصولة بخيوط من اليأس المغرور، وعيونهم زجاجية، تحدّق فيه كأنها تنتظر أمراً، لم يكن الظهور مجرد دخول، بل كان بيانًا بصريًا. خمسة أشباح من عالم موازٍ، مزيج من تمرد الشوارع وغموض المقابر، ارتسموا فجأة في محيط المهدي. نطقوا بالاسم المشترك كأنه شعار قبلي: "نحنُ نيهيليس." لم يكن هناك شر كامن، بل قوة عارمة تبحث عن شرعية.لم يكن هروب بشرى مجرد ضربة حظ، ولم تكن نجاتها صدفةً ولدت من رحم الصمت. لشهورٍ خلت، عاشت في فراغٍ موحش؛ ملاذٌ كان أشبه بضريحٍ للأحياء. ورغم أنه لم تمتد إليها يدٌ بسوء، ولم يُلقَ في وجهها قولٌ فاحش، إلا أن ذلك الصمت كان سوطاً يجلد روحها بلا هوادة. في ذلك المكان، كان الرجال يتحركون كآلاتٍ معدنية صماء، يفتقرون إلى صخب الحياة واحتكاكها؛ لا ضحكات، لا نزاعات، ولا شرارة فرح واحدة. لقد كانت القلعة كاتدرائية من صخر وفولاذ، كُرِّست لتبجيل الموتى الجدد. غرفتها، وإن كانت أفخم من خيام وطنها، كانت تفتقر إلى النبض الذي يجعل من الجدران وطناً.أصبحت بشرى تلميذةً في مدرسة الظلام. وبدقة جراحٍ حاذق، رسمت خريطةً لإيقاع المعسكر؛ حفظت الوقع الرتيب لخطى الحراس، والزاوية المحددة لرفع أذقانهم، ونظراتهم الباردة التي نسيت كيف تشعر. تعلمت كيف تحاكي مشيتهم، شبحاً يتدرب وسط أشباح. تمنت لو تسمع صوتاً بشرياً واحداً، ولو كان لعنةً أو تنابزاً بالألقاب، لكنها لم تجد سوى رائحة الدم والدخان. كانت هوايتها الوحيدة هي طقوس النصر المروعة؛ حيث سُمح لها بحمل رؤوس المعدومين، وتجريدهم من ثيابهم الفاخرة وحرقها، في تعميدٍ مخيف كان ي
إيمو يتحرك بخفة وسرعة، كفراشة في مهب الريح، يتجنب الأنظار والعيون التي تراقب كل شيء. المدينة مشتعلة، كالجحيم الذي لا ينطفئ، والفساد يتسرب من كل شبر فيها.الرائحة الكريهة للباعة الفاسدة تتزاحم مع رائحة الخبز الطازج، والضجيج يملأ الأجواء، كأنه صراخ لا ينتهي. : هذا هو وجه الاستبداد؛ حيث لا شيء ينمو سوى الفساد، ويصبح المواطن أداة بيد الطغيان، والجهل هو الأمان الوحيد). إيمو يلاحظ كل شيء، كل تفصيل صغير، كل إشارة أو إيماءة قد تكون دليلًا على الخيانة أو الرشوة.التوتر يملأ الأجواء، والخطر يكمن في كل زاوية، كأنه وحش يتربص بفريسته. إيمو يعرف أنه يجب عليه أن يكون حذرًا، أن يتحرك بسرعة وخفة، كأنه راقص على حبل مشدود. المدينة تحاول ابتلاعه، بفسادها وغطرستها، بكل ما هو فيها من قسوة وظلم. لكن إيمو مستعد، فقد تعلم الكثير، وعرف كيف ينجو في بيئة لا ترحم الضعفاء. يقرأ البيئة السياسية والاجتماعية بذكاء، يعرف من يحمي من، ومن يتحرك من خلف ستار السلطة. يعرف أن كل شخص له مصلحته، وكل حدث له خلفية خفية. يتحرك بحذر، كأنه يمشي على حافة السكين.وفجأة، بينما كان يطوي الفضاء قفزاً بين تيجان الأشجار، اخترق صمت الغابة
لم يكن الظهور مجرد دخول، بل كان بيانًا بصريًا صارخاً كسر صمت الغابة الثقيل. خمسة أشباح من عالم موازٍ، مزيج من تمرد الشوارع وغموض المقابر، ارتسموا فجأة في محيط المهدي وكأنهم انشقوا عن عتمة الأشجار نفسها. نطقوا بالاسم المشترك بصوت واحد، كان له صدى يشبه شعاراً قبلياً مقدساً: "نحنُ نيهيليس." لم يكن في وقفتهم شر كامن بالمعنى التقليدي، بل كانت هناك قوة عارمة تبحث عن شرعية، وفوضى تفتش عن ميزان.في المركز، كانت ناتارايا؛ القائدة، وشرارة التمرد التي لا تنطفئ. هي النقطة المحورية، تجسيد لـ"الحياة" في لحظتها الأكثر تمرداً وجموحاً. كان شعرها انفجارًا لونيًا لا يخضع لمنطق بشري، نيون يصرخ في سواد الليل، كأنها نجحت في رسم قوس قزح صاخب داخل عاصفة سوداء. ملابسها لم تكن مجرد كساء، بل كانت تحديًا ساخرًا لكل ما هو مألوف؛ مزيج من جلد لامع يعكس ضوء القمر، ومخمل ممزق يشي بقصص حروب قديمة، وزخارف معدنية حادة تلمع مع كل حركة، كأنها هي ذاتها بداية الثورة ونهايتها.رغم هذا الصخب البصري الذي يحيط بها، كانت بشرتها ناعمة الملمس بشكل مدهش، وعيناها واسعتين تفيضان بفضول طفولي لا يعرف حدودًا، لكنه فضول يختزن قدرة على ال
وفي أعماق العتمة، جلس “حممد” أمام بلّورة تنبض بضوءٍ أزرق بارد.مرّر أصابعه على سيفه كمن يربّت على وحشٍ يستيقظ، وقال بابتسامةٍ تميل نحو الشر:– تأخّرت يا صديقي… لكن كلّما طال الانتظار، ازدادت لذّة اللقاء.وضع السيف أمامه كما يُقدّم العريس عروسه، ثم همس:– اقترب… لأهديك موتًا يليق بصداقةٍ قديمة.وفي مكانٍ آخر، كانت الشفا تفتح رسالة لا تعرف من أين جاءت.ابتسامتها الطفولية بدأت تذوب، بينما همس خفيّ يمرّ في أذنها:"ليس كل ما يلمع دفئًا… أحيانًا يكون ضوءًا من فم الجحيم."كان الليل يتثاءب فوق الطريق المؤدي إلى الشمال، والريح تقلب رائحة المطر والبارود معًا.على حافة الغابة توقّف المهدي، يراقب ضوءًا بعيدًا يشبه نبض قريةٍ نسيها العالم. تسلّل إلى ذهنه طيف تلك الأرض التي غادرها؛ يوم غادرها أحمد إلى الحرب، واختطفت بشرى، وتولّى إسماعيل أمنها، فبنى حولها أسوارًا من حديد وخوف. (أدرك أن: إسماعيل لم يبنِ نظاماً، بل سجنًا نفسيًا، حيث القانون هو الخوف والحقيقة هي ما يقرره السوط. هذا هو جوهر الدكتاتورية التي تولّد الجهل والجمودأشعره حدسه الخفيف صفيرًا خافتًا، كنبضٍ غامض بين أصابعه. لم يكن إشعارًا رسميًا،
كان صوت ارتشاف الأتاي ووقع صفحات الكتب في المقهى يصنعان سيمفونية هادئة تخفي ضجيج العالم خلف الزجاج. جلسوا كأنهم يسرقون لحظة من زمن لا يُمهل أحدًا. تظلّلهم شمس خفيفة وابتسامات فيها صدق الغائبين العائدين، تحت ضوءٍ أصفر دافئ يتسلل من مصابيح معلقة كنجومٍ صغيرة. جلس الثلاثة حول طاولة خشبية مصقولة تطلّ على حديقة صغيرة تتوسطها نافورة تغنّي وحدها. كان المهدي يرتدي قميصًا أسود بسيطًا، ملامحه مشدودة كوتر كمان وبجانبه الشفا أنيقة كعادتها، ترتدي معطفًا رماديًا فوق قميص حريري أبيض، شعرها مربوط بعناية تتدلى منه خصلات ناعمة على جبينها. تنظر إليه بنظرة امرأة تعرف أنه لن يبقى لها وحدها. (تعرف أن روحه ملك لقضية أكبر من قلبهما، وأن الشرف ثمنه دائمًا الغياب). أما علامة، فكان في أبهى حلله: بدلة سوداء بخط ذهبي، يتحدث كقائد ويضحك كصديق. امتزجت رائحة الكتب القديمة برائحة الأعشاب الطازجة المنبعثة من أكواب الأتاي التي ينتظرها علامة. الجدران مغطاة بأرفف خشبية تعجّ بالروايات والفلسفة والتاريخ، تبعث سكينة تشبه صلاة صامتة. كانت أشعة الشمس تتسلل من نوافذ كبيرة بستائر شفافة، تلمع على صفحات الكتب وتتلألأ فوق الطاول
هي : رغم ذلك فإن الجميع يسأل عنك لقد كنت في إجتماع بشأنك … لذا كن حذرا لن أقدر على إخفائك طويلا هو : إجتماع ماذا ؟؟هي : في الحقيقة هو أقرب لتحقيق مبدئي ثم *يخفض اللاسلكي قليلاً،* يضغط الزر قائلاً بلطف مريب:ــ «أحبك.. يا قطتي الجامحة…» *ثم يفصل الاتصال.**الشرارة تنتقل إلى عينيه*، المرايا تعكس سكون الطريق، لكن حدسه يخبره أن القتال قريب، قريب جداً… وما بين الصمت والرعب، *موسيقى خافتة تبدأ بالتصاعد،* وإطار السيارة الأمامي يصعد فوق صخرة بينما الأفق يبتلع الليل في انتظار مواجهة لم يعِد لها أحد سواهفي مطعم صغير على أطراف العاصمة، بين أضواء خافتة وأصوات متقطعة لعائلات تتبادل الضحك، جلس شاب في بداية العشرينات إلى طاولة خشبية بسيطة، يتأمل فنجان قهوته الباردة. أمامه، رجل خمسيني بملامح وقورة، وابتسامة ثقيلة تختزن تعب السنين.*الأب*: (بصوت دافئ)أنا سعيد، حقًا سعيد، لأنك ستبدأ أخيرًا حياتك الجامعية.*الابن*: (ينظر إليه مبتسمًا، لكن في عينيه ظل غائم)نعم، لكنني قررت أن أكمل دراستي هنا... في العاصمة، نواكشوط.رفع الأب حاجبيه بدهشة خفيفة، وكأنه لم يتوقع هذا القرار.*الأب*: لماذا؟ لا أصدقا
في عمق المدينة، وتحديداً أسفل أحد المباني الإدارية المجهولة، كانت تلك الفتاة تتحرك بخطى ثابتة والارهاق يتجلى في ملامحها المصعد ينزل ببطء، وكلما اقتربت من الطابق الأخير، ازداد صدرها ضيقاً. -عند الباب المصفح، توقفت.,انحنت أمام جهاز المسح، فتحت عينها لتُسلّط الأشعة عليها، ثم وضعت إصبعها في منفذ تحليل







