لا تثق في هدوء اليوم، فهو مجرد تمهيد لما سيكشفه الغد 🤫
_____________________________
كان ذلك الدفء المتغلغل من أشعة الشمس يتسلل عبر ستائر قطنية بيضاء، فتنعكس على أرضية رخامية باردة، ورائحة قهوة طازجة تمتزج بعبق عطر راقي. في غرفة الدراسة الواسعة؛ حيث البساطة هي الغالبة جلست السيدة إنجريد "مدرسة اللغة الألمانية الخاصة بفريدة" تصحح نص أنهت فريدة ترجمته بخطها المرتب الدقيق. كانت إنجريد سيدة بملامح حادة وهادئة، ترتدي نظارات طبية بإطار رفيع، وشعرها رمادي مصفف بدقة (شنيون). ملابسها رسمية وعملية (جاكيت صوف واسفلة قميص مهندم) وتتحدث بنبرة واثقة ومخارج حروف دقيقة جدًا. ترفع نظارتها كل حين تتمتم بإعجاب وهي تقرأ ما قامت فريدة بكتابته وأمامهما جلس شقيقاها الصغيران مازن في الرابعة عشرة، مشاغب بعينين لامعتين، وشقيقتهم الصغرى فرح.
انحنى مازن نحو فرح وهمس وهو يشير إلى لمعان رأس المعلمة؛ فضحكت الفتاة بخفة. في حين رفعت السيدة إنجريد عينيها قائلة بهدوء:
- ششش بس يا ولاد.
لكن فريدة بنظرة رصينة صارمة التفتت إليهما. فعادت فرح إلى ما تفعل فورًا، واعتدل مازن في جلسته. فهما كانا يخشيان فقط شيئًا واحدًا وهو أن يريا فريدة حزينة. رفعت إنجريد الورقة عاليًا وقالت بفخر:
- هايل يا فريدة. برافو عليكِ هترفعي راسي قدام مدام لبنى، وكمان سنتين بالمستوى ده وهتبقي حاجة كبيرة.
ابتسمت فريدة بخجل، ومسحت بيدها على فستانها البيتي الوردي البسيط. في ذلك الحين رن جرس الباب فجأة، رنة حادة عجِلة. نهضت فريدة مسرعة:
- هستأذن من حضرتكِ هفتح أنا.
خرجت إلى المدخل بهدؤها المعتاد حتى فتحت الباب؛ فتجمدت في مكانها. فكان صالح واقفًا أمامها. خلع نظارته الشمسية ببطء، ونظر إليها تلك النظرة نفسها التي لا تسطيع تفسيرها.
- مساء الخير أقدر أقابل مدام لبنى؟
ارتبكت، وتراجعت خطوة للخلف دون وعي، وقالت:
- أيوه يا فندم اتفضل.
مرّت أمامه لتقوده إلى الداخل. كانت تشعر بثقل خطواته خلفها، وكأن حضوره يملأ المكان، وعند باب الصالون قالت بصوت خافت:
- هستأذن أدي لماما خبر.
وقبل أن تبتعد سمعت صوته خلفها:
- أنتِ بتناديها ماما؟
التفتت نحوه باستغراب:
- طبعًا هي اللي ربتني من وأنا صغيرة.
ابتسم ابتسامة جانبية قصيرة:
- آه مفهوم.
♡ ━━━∞━━━ ♡
استدارت فريدة واتجهت نحو الممر الضيق المؤدي إلى الغرف، وخطواتها السريعة تخفّ على السجاد. بقي صالح في مكانه يراقب ابتعادها بصمت، ويداه خلف ظهره. توقفت فريدة في الأعلى عند باب الغرفة وطرقت طرقًا خفيفًا قبل أن تفتح الباب نصف فتحة.
- ماما في ضيف منتظرك في الصالون.
رفعت لبنى رأسها عن القميص الذي كانت تخيط زرّه، والإبرة ما تزال بين أصابعها. ترددت فريدة لحظة، ثم أضافت بصوت أخفض قليلًا:
- صالح الألفي.
تجمدت يد لبنى في الهواء لثانية، ثم انزلقت الإبرة من بين أصابعها وسقطت على الأرض. شحب وجهها فجأة، وعاد إليها ذلك الإحساس القديم الذي تظن في كل مرة أنها دفنته، ومنذ آخر مرة رأت صاحب ذلك الاسم متجسدًا أمامها. وقفت ببطء، كأن قدميها تسبقانها على غير رغبتها، ثم مرت بجانب فريدة دون أن تقول شيئًا، فقد أتى بالفعل إلى منزلها فيما يبدوا أن كابوسها لن ينتهي.
كان الهواء في الغرفة ثقيلًا بطريقة غريبة، كأن الجدران نفسها تسمع ما يدور بينهما وتحبس أنفاسها.
وقفت لبنى أمامه، كتفاها مشدودان كوترٍ مشدود على وشك الانقطاع. عيناها تتحركان بحذر فوق ملامحه الصلبة، كأنها تحاول قراءة ما خلف ذلك الوجه البارد. أما صالح، فكان يقف بثبات مريب، ظهره مستقيم ونظرته مستقرة عليها بثقة شخص اعتاد السيطرة على كل ما حوله. في حضوره كان هناك شيء خانق، هيمنة صامتة تشبه ظلًا ثقيلًا يزحف فوق المكان.
بلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بحلقها جافًا كأن الكلمات ترفض الخروج. غرفتها التي كانت تأويها منذ قليل، بدت الآن، وكأن جدرانها تضيق عليها بوجوده.
- مكنتش متوقعة تجيلي لحد بيتي يا صالح.
لم يتحرك صالح كثيرًا، فقط مال رأسه قليلًا وكأن كلامها لا يستحق أكثر من التفاتة عابرة. عيناه ظلتا ثابتتين عليها، ببرود رجل اعتاد أن يرى الناس مجرد أدوات في رقعة شطرنج يملكها وحده، وقال بنبرة هادئة حاسمة:
- أنا مبتحركش من مكاني يا لبنى إلا لو في حاجة تستاهل إني أجي علشان آخدها ومجيتي هنا مش علشانك.
ساد الصمت بينهما كستارة سوداء ثقيلة. لبنى شعرت بضربات قلبها في أذنيها. كانت تعرف أن صالح لا يطرق الأبواب ليطلب، بل ليُعلم الطرف الآخر بما قرره. أما هو فظل يراقب ارتباكها ببرود غريب، عيناه تلمعان بلمحة رضا خفية؛ كأنه يستمتع بتلك اللحظة التي يدرك فيها أن الطرف الآخر ضعيف أمامه.
- أنا جاي علشان فريدة.
تصلب جسدها. كأن الاسم كان صعقة كهربائية أوقفت تدفق الدم في عروقها.
- قصدك إيه؟
ابتسم صالح ابتسامة خفيفة.. تلك الابتسامة التي تشعرك أنك مكشوف تمامًا أمامه. بدأ يتمشى في الغرفة ببطء، يتفحص الأشياء وكأنه يثمن ممتلكاته القادمة.
- البنت نسخة من سالي. الله يرحمها. نفس النظرة التايهة، نفس الملامح الضعيفة واللي لسه مش فاهمة الدنيا. عجبتني ودخلت مزاجي، وقررت إن مكانها مش هنا مكانها في بيتي.
تراجعت لبنى خطوة للخلف، صدمتها كانت أكبر من الكلمات. الفكرة نفسها مرعبة، مريضة، غير إنسانية. نظرت إليه، وكأنها تحاول أن تتأكد أنه يمزح، لكن وجهه كان جامدًا كالحجر.
- يعني تتجوزها؟! دي لسه عيلة مكملتش 18 سنة يا صالح!! أنت واعي للي بتقوله؟
توقف صالح عن الحركة، والتفت إليها ببرود مرعب:
- وده بالظبط اللي محتاجه. عجينة لينة أشكلها على مزاجي، أزرع فيها اللي أنا عاوزه وأحصد اللي يريحني زي ما عملت قبل كده، بس المرة دي مش هسمح بخسارتها.
حدقت فيه لبنى بذهول، شعرت بـ "مس" من الجنون في نبرته.
- أنت مش بتدور على زوجة. أنت بتدور على ضحية جديدة تعوض بيها فشلك مع سالي وفقدانك ليها وفريدة مش هتستحمل تعيش في القفص اللي أنت ناوي تبنيه علشان تحبسها فيه.
ارتسمت على وجهه تلك النظرة المتعالية التي طالما كرهتها فيه. رفع ذقنه قليلًا، وضحك، ضحكة خافتة جافة:
- قفص دهب يا لبنى. ست هتلبس ألماظ، وتتلف في حرير، وتؤمر فتطاع هو ده الوجع اللي خايفة عليها منه؟ وبعدين أنا مش محتاج أعرفها والباقي هعدله أنا بمزاجي، ومعرفتها ليا متلزمنيش المهم اللي يلزمني أنا.
كان صوت قلب لبنى يتسارع بجنون. تخيلت فريدة الصغيرة التي تربت على يدها ضحكتها، براءتها، وكل ذلك تحت يد هذا الرجل. شعرت بأن صدرها يضيق. قالت بخوف واضح:
- مش كل حاجة فلوس البنت هتدبل وتنطفي على إيدك أنت بتدمر وبتأذي اللي معاك.
اقترب منها فجأة، فصار حضوره أثقل، وأنفاسه قريبة لدرجة التهديد. انخفض صوته لطبقة رخامية حادة:
- أنا مبطفيش ولا بأذي حد أنا بعيد صياغتهم. أنا عمري ما خليت واحدة في بيتي تطلب شيء وتنتظر كنت بوفر لها كل سبل السعادة، وقبل حتى ما تفكر فيها لدرجة إني مبسبلهاش فرصة تفكر تغلط أو حتى تزعل من شيء.
رفعت لبنى عينيها إليه بغضب يختلط بالمرارة، وهمست:
- أنت متأكد إنها كانت سعيدة؟ ولا ده خيالك النرجسي اللي بيصورلك إنك إله مبيغلطش؟ أنت مكنتش عايز تشوف دموعها. فمنعت عنها حتى حقها في إنها تكون إنسانة بتزعل وتتوجع.
شد صالح فكه، وظهر عرق نابض في جبهته، فالهجوم على "كماله" هو الشيء الوحيد الذي يستفزه. قالت بصوت مكسور وهي تحاول استجماع شتاتها:
-فريدة مش هترضي، وأنا مش هسمحلك.
هنا، تغيرت ملامح صالح تمامًا. اختفت الابتسامة وحل مكانها لمعة مفترس وجد لها ثغرة. مال على أذنها وهمس بصوت كفحيح الأفعى:
- بالمناسبة وأنا براجع أوراق قديمة، لفت نظري تقرير طبي لوفاة شيرين أم فريدة. الدكتور كان كاتب ملحوظة غريبة عن جرعة دواء زيادة وشكوك في طبيعة الوفاة لولا إن رفعت وقتها ظبط الليلة والتقرير اتعدل. صح ولا أنا ذاكرتي خانتني؟
تجمدت لبنى، وشحب وجهها حتى صار بلون الكفن، وارتعشت يدها التي كانت تقبض بها على طرف الأريكة. السر الذي ظنت أن القبر قد ابتلعه، ها هو يخرج من فم هذا الشيطان.
- أنا.... أنا مش فاهمة أنت بتتكلم عن إيه.... شيرين ماتت بـ.....
قاطعها ببرود قاطع:
- ماتت بإيد اللي كان مش طايق وجودها أو اللي كان عايز يوسع لنفسه مكان بدالها. أنا مش بهدد يا لبنى. أنا بوصف الواقع. السر ده لو طلع مش بس فريدة اللي هتضيع. أنتِ كمان هتدفني معاهم، وولادك هيعيشوا في عار مبيخلصش.
انهارت المقاومة في عينيها. سقطت حصونها تمامًا أمام تهديده الذي يمس روحها.
- لأ. أرجوك يا صالح بلاش ولادي.
ابتسم بنصر متمكن:
- يبقى اتفقنا. بكرة الخطوبة، والفرح خلال شهر. فريدة هتدخل مملكتي، وأنتِ هتفضلي محتفظة بسرك، والكل كسبان.
قالت برجاء:
- أوعدني متأذيهاش.
التفت صالح نحو الباب، وبدون أن ينظر خلفه، ألقى كلمته الأخيرة التي وقعت كالمقصلة:
- الأشياء في عالمي تسير كما أريد أو لا تسير أبدًا يا لبنى، واطمني فريدة هتكون تحفة فنية في بيتي، طالما عرفتِ تقنعيها إن ده قدرها.
أغلق الباب خلفه بهدوء مخيف، تاركًا خلفه حطام امرأة. سقطت لبنى على أقرب مقعد تغطي وجهها بيديها المرتجفتين، تهمس برعب:
- يا رب بعت بنتي لشيطان علشان أداري على غلطة زمان. يا رب اعمل إيه؟
ثم نادت بصوت مبحوح، صوت شخص يلف حبل المشنقة حول عنق أغلى ما يملك:
- فريدة تعالي يا حبيبتي.
دخلت فريدة بخطوات وئيدة، قلبها يرتجف خلف ضلوعها كعصفور سقط في فخ. كان الهواء في الغرفة راكدًا وثقيلًا، وكأن جدران الصالة تتقارب لتخنقها. وقفت لبنى متصلبة، ملامحها جامدة كقناع من الشمع، تحاول الهروب من نظرات ابنتها، وقالت بصوت خاوٍ من الروح:
- صالح الألفي طلب إيدك، وهيجي نقرا الفاتحة بكرة.
اتسعت عينا فريدة وشعرت، وكأن صفعة قوية هوت على وجهها.
- إيه؟! ده هزار يا ماما صح؟ قولي إنك بتهزري.
تنهدت لبنى بعمق، تنهيدة مثقلة بذنب لا تعرف فريدة عنه شيئًا، وأجابت بلهجة قاطعة لتقطع طريق الجدال:
- مفيش هزار في المواضيع دي. القرار خلاص اخدته.
تراجعت فريدة خطوة، وارتجف صوتها بحزن مكسور:
- بس أنا لسه صغيرة، وبعدين أنا بخاف منه، الراجل ده عينه بتخوفني يا ماما، كأنه بيراقبني ونظراته حادة زي السكينة.
حاولت لبنى استجماع ثباتها، واقتربت منها بخطوات آلية:
- الخوف ده طبيعي. صالح راجل ملوش زي وسيم، غنى جدًا، وعنده قوة وسلطة ونفوذ وهيخليكي ملكة ده حلم أي بنت.
صرخت فريدة بانهيار:
- مش عايزة أبقى ملكة. أنا عايزة أعيش سني وحياتي. عايزة أكمل دراستي واختار أنا بنفسي الشخص اللي هعيش حياتي وهكملها معاه.
فجأة وضعت لبنى يدها على صدرها، وتصنعت الألم ببراعة تنهج بصعوبة، وكأن أنفاسها تنسحب:
- آآآه قلبي، قلبي يا فريدة. حرام عليكِ عايزة تموتيني ناقصة عمر؟ الدكتور محذرني من أي زعل، وأنتِ عايزة تهدّي حيلي بمناهدة ملهاش لزمة.
ارتمت فريدة عند قدميها مذعورة:
- سلامتك يا ماما. أنا أسفة بس أرجوكِ اسمعيني.
أمسكت لبنى وجه فريدة بيدين باردتين، وقالت بهمس يحمل تهديدًا عاطفيًا سامًا:
- لو حصلي حاجة هتفضلي لوحدك في الدنيا دي يا فريدة. صالح هو اللي هيحميكِ وياخد باله منك. وافقي علشان خاطري. علشان أقدر أموت وأنا مطمنة إنك في إيد أمينة.
شعرت فريدة ببرودة الموت تسري في أطرافها. لم تجد خيارًا سوى "الانتحار النفسي" كما يقال في كتب علم النفس التي تهوى قرأتها. همست والدموع تحرق وجنتيها:
- خلاص موافقة.
في اليوم التالي،
توقفت السيارة الفارهة أمام البيت نزل منها صالح كوحش مخيف بالنسبة لها، فبمجرد حضوره انطفأت أنوار الروح في المكان. تقدمت فريدة برأس منحني، فجاء صوت صالح جافًا، آمرًا:
- ارفعي راسك يا فريدة وبصي في عيني.
رفعت عينيها المرتجفتين، فمد يده ووضعها على شعرها بقوة جعلتها تنكمش، لم تكن لمسة حنان، بل كانت لمسة صياد يختبر فريسته.
- لسه صغيرة، وخام. وده اللي يهمني. عايزك تكوني مطيعة، وتفهمي إن اللي هتشوفيه معايا مش هتشوفيه مع أي حد أن كان.
ابتلعت ريقها وهمست:
- يعني إيه؟!
ابتسم صالح ابتسامة باردة، وهو يشعل سيجارته، وينفث دخانها في وجهها:
- بصي يا بنت الناس حياتك اللي فاتت دي، بأصحابها، بذكرياتها، بكل تفاهاتها تتمسح. أنتِ من النهاردة ملكية خاصة لصالح الألفي. مفيش حاجة اسمها عايزة ومش عايزة. أنا اللي هرسم حياتك هتمشي إزاي لأني عارف الصالح ليكِ وأنتِ هتنفذي. فهمتي؟
بدأت دموعها تنهمر، فقبض على كتفها بقسوة:
- وأول شيء الدموع دي ممنوعة. أنا مش هتجوز عيلة تنكد عليا وعلى نفسها من النهاردة تتعودي إن ضحكتك ودموعك بأمر مني أنا.
نظر إلى لبنى ببرود، ثم التفت لفريدة وقال بجملة وقعت كالصاعقة:
- كويس إنك طالعة لشيرين في الملامح بس، لكن أتمنى تكوني أعقل منها. شيرين كانت متمردة، والتمرد نهايته دايمًا وحشة.
♡ ━━━∞━━━ ♡
مرت أيام التجهيزات، وكأنها جنازة طويلة. كان صالح يختار لها كل شيء حتى أدق تفاصيل ملابسها. في أحد المتاجر وقفت فريدة برعب أمام ملابس نوم مكشوفة بشكل فاضح وضعها أمامها.
- أنا مستحيل ألبس ده، ده مكشوف أوي.
اقترب منها وسحب القطعة من يدها، ونظر إليها بعينين داكنتين:
- كسوفك ده تسيبيه وأنتِ خارجة من باب بيتكم، لكن جوه بيتي وأوضة نومي أنتِ بتلبسي اللي يرضيني ويعجب عيني أنا. أنتِ هتلبسيه وهتلبسي غيره وده مش طلب ده أمر.
انكمشت فريدة في مكانها، وشعرت وكأن كرامتها تُدهس تحت قدميه. أومأت برأسها في صمت مطبق، فقد أدركت أن صوتها لم يعد له صدى بعد الآن. ألقى صالح القطعة الحريرية فوق أكوام الحقائب الفاخرة التي ملأت المكان، ثم اقترب منها خطوة أخيرة، ومال على أذنها وهمس بنبرة باردة كالثلج:
- ابتسامتك بكرة في الفرح مش عايزها تغيب حتى لو قلبك بيتحرق. الناس هتشوف حرم صالح الألفي في أبهى صورها. وبعد كده اللي هيكون جوه أوضة نومنا فده هيكون ملكي أنا لوحدي. اجهزي يا عروسة بكرة ليلتك هتبقى بداية حياتك الحقيقية.
خرج صالح من المحل بخطواته الواثقة، تاركًا خلفه رائحة تبغه الثقيل تخنق المكان. نظرت لبنى إلى فريدة بنظرة ممزقة بين الشفقة والخوف، وحاولت أن تلمس كتفها، لكن فريدة نفضت يدها بعنف صامت. لم تعد ترى في لبنى أمًا، بل "دلالة" باعتها لأول مشترٍ.
بعد الانتهاء من مشترياتهم عادت إلى غرفتها، تلك الغرفة التي شهدت طفولتها وأحلامها البسيطة. كان فستان زفافها معلقًا على باب الخزانة. أبيض، ناصع، ومرعب بالنسبة لها فقد بدا، وكأنه "شبح" ينتظر ليتلبس جسدها. وقفت أمام المرآة وتلمست وجهها الشاحب، عينيها التي انطفأ فيهما بريق الحياة. لم تكن ترى نفسها عروسًا كانت ترى "قربانًا" يُجهز للذبح. سحبت نفسًا عميقًا وأمسكت بفرشاة شعرها، وبدأت تسرح خصلات شعرها الحريري بآلية مخيفة، وهي تهمس لنفسها في المرآة بصوت لا يكاد يُسمع:
- بكرة يا فريدة هتموتي وأنتِ عايشة. بكرة ملامحك هتتمحي وهتبقي مجرد ظل لراجل بلقب زوج.
__________
الماضي الذي ظنته لبنى قد دُفن، عاد ليحرق مستقبل فريدة... هل تعتقدون أن لبنى ضحية لتهديد صالح أم أنها شريكة في ذنب قديم لا يغتفر؟ وكيف ستواجه فريدة حياتها في قفص صالح الألفي الذهبي؟ وهل ستستسلم لواقعها الجديد أم أن روحها المتمردة ستظهر فيها من جديد؟