로그인لم يستغرق كريم وقتاً طويلاً ليُحيل وعوده إلى أفعال على أرض الواقع. خلال الأيام الثلاثة التالية، كانت المكاتب الاستشارية والقانونية تسابق الزمن لإتمام إجراءات فض الشراكة المباشرة بين شركة "الفريدة" ومجموعة توفيق بيه. حسم كريم الأمر بصرامة واحترافية عالية، مضحياً ببعض التسهيلات المالية والتنازلات في سبيل استعادة استقلالية قراره بالكامل وتصفية كافة التداخلات العائلية والمهنية التي كانت سيرين ووالدها يستغلونها للضغط عليه ولإملاء إرادتهم على إدارة الشركة.في الڤيلا، شهدت العلاقة بين كريم ووالدته هدوءاً حذراً أشبه بالهدنة المؤقتة. لم تكن السيدة ماجدة تتوقع إطلاقاً أن يذهب ابنها إلى هذا الحد الصارم؛ فلأول مرة تجده ينفذ قراراته المصيرية دون أن يترك لها أي مساحة للفرض أو المناورة العائلية المعهودة. ورغم غضبها الصامت والعميق، إلا أن موقف رانيا الصلب أمامها وصمود كريم الشجاع جعلاها تدرك تماماً أن استمرار الرفض العنيف لن يؤدي إلا إلى خسارة ابنها بالكامل، فضلت التراجع خطوة إلى الخلف لمراقبة التطورات عن كثب وانتظار ما ستسفر عنه الأيام.في مساء يوم الجمعة، تحرك كريم برفقة خاله الأكبر—الرجل الذي يمثل
وقف كريم أسفل البناية التي تقطن بها رانيا في ساعة مبكرة من الصباح. كان الهواء بارداً وندياً، لكن ذهنه كان يتوهج بحرارة القرار الحاسم الذي اتخذه. لم يستعن هذه المرة بسيارة الشركة أو بالسائق الخاص، بل جاء بمفرده، حاملاً في يده نسخة مطبوعة من الصحيفة الرسمية التي صدرت في الصباح الباكر، وتتوسط صفحتها الاقتصادية الأولى كلمة شكر وتوضيح رسمي باسم شركة "الفريدة"، يُشاد فيها بنزاهة رانيا وكفاءتها الاستثنائية التي أنقذت إعادة هيكلة المشروع.صعد كريم الدرج بخطوات متزنة وواثقة، وقلبه يدق بطريقة لم يعهدها من قبل في أي صفقة تجارية أو اجتماع مجلس إدارة. وقف أمام باب شقتها، وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يطرق الباب طرقات هادئة ومتزنة.فتحت رانيا الباب وهي ترتدي ثوباً منزلياً أنيقاً وبسيطاً، وبدت عليها ملامح المفاجأة غير المتوقعة برؤيته في هذا التوقيت، لكنها سريعان ما استعادت رزانتها المعهودة وتمسكت بهدوئها، وقالت بنبرة مستقيمة:– "أستاذ كريم؟ خير.. في حاجة حصلت في الشركة؟"ابتسم كريم بصدق، وأخرج الجريدة من يده وقدمها لها بكل احترام وتقدير، وقال بصوت خفيض يملؤه الثبات:– "صباح الخير يا رانيا.. مفيش حاجة حصل
خرجت السيدة ماجدة من الصالون والذهول لا يزال يستحوذ على ملامحها بالكامل؛ كانت هذه هي المرة الأولى في حياتها الطويلة التي تقف فيها أمام امرأة لا تهتز إطلاقاً بنفوذها الأرستقراطي، ولا تضعف أو تتراجع أمام تهديد صريح ومباشر يمس مستقبلها المهني. كانت صدمتها مضاعفة لأنها أدركت، رغماً عنها وبكل مرارة، أن رانيا تمتلك من الشموخ وعزة النفس الحقيقية ما يجعل كل محاولات التقليل من شأنها أو محاصرتها تصرفاً ضئيلاً ومحرجاً لا يليق إلا بمن خطط له.في هذه الأثناء، كان كريم يتابع بذكاء ودقة الحركات المريبة التي جرت خلال الساعات الأخيرة داخل أروقة الإدارة وفي السوق المالي. لم يكن غافلاً إطلاقاً عن أسباب الإلغاء المفاجئ والمريب لمقابلات رانيا الوظيفية في الشركات المنافسة، وكان يعلم جلياً وبمعلوماته الخاصة أن نفوذ والدته بالتعاون مع توفيق بيه يقفان تماماً خلف هذه المضايقات الخفية التي تستهدف كسر إرادة رانيا وإجبارها على الابتعاد.دخل كريم مكتب والدته في الڤيلا مساء ذلك اليوم دون انتظار أو استئذان، وكانت علامات الجدية الصارمة والقاطعة ترتسم بوضوح على وجهه. وقف أمام مكتبها الخشبي العتيق بكامل استقامته، وقال
في صالون هادئ يتسم بالفخامة الكلاسيكية في قلب القاهرة، كانت السيدة ماجدة تجلس بوقارها الأرستقراطي الصارم، تتأمل ساعتها الذهبية بقلة صبر. كانت تتوقع أن ترى موظفة مرتبكة تتلعثم أمام هيبتها، أو امرأة تجر أذيال الخوف من التهديدات التي حاصرت مستقبلها المهني خلال الساعات الماضية.لكن الهدوء الخارجي للصالون قُطع بخطوات متزنة وواثقة. دخلت رانيا بكامل أناقتها ورزانتها المعهودة؛ كانت ترتدي بدلة رسمية بسيطة باللون الكحلي الداكن، وتسير بظهر مستقيم وابتسامة هادئة لا تشوبها شائبة ارتباك. تقدمت نحو الطاولة بثبات، وقالت بصوت هادئ ونبرة واضحة:– "مساء الخير يا ماجدة هانم.. أظن الدعوة كانت من حضرتك، وأنا فضلت أجي عشان أسمع المباشر بدل اللف والدوران اللي بدأ يبان في السوق."فوجئت ماجدة بهذا الحضور الطاغي وهذه الجرأة المتزنة، لكنها حافظت على ملامحها الجليدية وأشارت لها بالجلوس دون أن تبتسم، وقالت بنبرة حادة يملؤها التعالي المبطن:– "أهلاً يا رانيا.. كويس إنك جاية فاهمة إن الوقت مفيش فيه مجال للف والدوران. أنا طلبت أقابلك عشان أحط النقاط على الحروف، وأوفر عليكي وعلينا وقت ومجهود كبير."جلست رانيا بكل هدوء
لم تمضِ سوى أربع وعشرين ساعة كاملة على مواجهة الڤيلا العاصفة، حتى بدأت السيدة ماجدة في تحريك خيوطها الخاصة ونفوذها العائلي لإبعاد رانيا نهائياً عن طريق ابنها وحياته. لم تكن امرأة تقبل الخسارة أو فرض إرادة غريبة على عائلتها ومكانتها الأرستقراطية، وكان موقف كريم الصلب والمدافع المستميت عن رانيا بمثابة إهانة مباشرة لكبريائها وأصولها التي طالما حافظت عليها. كانت ترى أن كريم ينساق وراء مشاعر عابرة ستطيح باسم العائلة وشراكاتها الممتدة في السوق.في ظهيرة اليوم التالي، وفي صالة خاصة بأحد الفنادق الهادئة والراقية بوسط القاهرة، جلست السيدة ماجدة مع سيرين ووالدها توفيق في اجتماع مغلق تحفه السرية التامة. كان الغيظ والانكسار يرتسمان بوضوح على وجه سيرين بعد الموقف المحرج الذي تعرضت له في أروقة الشركة، بينما كان توفيق يرى أن المسألة أصبحت تمس هيبته كرجل أعمال خسر رهان الخطوبة والشراكة العائلية مع شركة "الفريدة".نظرت ماجدة إلى سيرين بنبرة حادة ويملؤها التخطيط الصارم والبارد:– "اللي حصل يا سيرين غلطتك في الأول إنك فقدتي أعصابك في الشركة قدام الموظفين، وأديتيها فرصة تظهر في مظهر الضحية وتعمل الشو ده
عاد كريم إلى ڤيلته في المساء والجهد يكسو ملامحه، لكن عقله كان صافياً ومُصمماً على المضي قدماً في القرارات الصارمة التي اتخذها. لم يكن يجهل حجم التبعات العائلية والاجتماعية التي ستعقب فسخ خطوبته من سيرين، لكنه لم يتوقع أن تتحرك الأمور بهذه السرعة الفائقة داخل بيته وأروقة عائلته.فور أن أُغلق الباب الرئيسي للڤيلا خلفه، استقبلته والدته، السيدة ماجدة، في الصالون الملكي الفسيح. كانت تجلس بقامة مشدودة وملامح يطغى عليها الغضب الحاد والغليان، وأمامها كوب الشاي الذي تركته يبرد تماماً دون أن تمسه. كانت سيرين ووالدها قد بادرا بالاتصال بها ونقل الرواية بأسلوب مائع يُصور كريم في مظهر الشاب المتسرع الذي ضحى بشركة ومصالح عائلية كبرى من أجل موظفة بسيطة.وقفت السيدة ماجدة فور رؤيته يدخل البهو، وقالت بنبرة حادة مليئة بالعتاب والانفجار:– "أهلاً يا كريم باشا.. أهلاً باللي رايح يهد اسم العيلة وشغل سنين عشان أوهام ومشاعره الحساسة! أنت فاهم أنت عملت إيه النهاردة في الشركة وفي حق سيرين وعيلتها؟"ألقى كريم مفاتيح سيارته على الطاولة الرخامية بهدوء، واقترب من والدته برزانة، محاولاً امتصاص غضبها الثائر، وقبل رأ







