LOGINاندفعت ملاك نحو ابنتها، وما إن رأتها حتى تغير وجهها بالكامل.
حدقت في أثر الصفعة على وجه غيثة، ثم وضعت يدها على فمها، وكأنها لم تستوعب ما تراه. — أوف... ماذا فعل بكِ مجددًا؟ يا إلهي... أقسم أنه سيقتلكِ يومًا ما! اقتربت منها بسرعة. — أنتِ أصلًا لا تملكين القوة لتحملي كل هذا... ما هذا الذي على وجهك؟! لمست خدها بحذر، ثم ارتجفت من الغضب. — لقد صفعكِ ذلك الحقير! انفجرت غيثة بالبكاء، ولم تستطع إخراج الكلمات بسهولة. ~ ض... ضربني... شهقت، ثم وضعت يدها على خدها. ~ ص... صفعني بقوة... كانت الكلمات تخرج متقطعة بين شهقاتها. نظرت ملاك إلى وجه ابنتها، ثم لم تستطع منع دموعها من النزول. — لا... هزت رأسها بعجز. — لا، لقد طفح الكيل. جلست إلى جوارها ومسحت دموعها. — لن أترككِ تعيشين معه يومًا آخر بهذه الطريقة. نظرت غيثة إليها من بين دموعها. — ماذا ستفعلين؟ أجابتها ملاك بصوت مرتجف، لكنه كان أكثر حسمًا من أي وقت مضى: — سأرسلكِ إلى خالكِ في العاصمة، ستكملين دراستك هناك، بعيدًا عن هذا البيت، وبعيدًا عن كل هذا الصراخ. ثم نهضت بسرعة وأحضرت بعض الثلج، ولفته بقطعة قماش قبل أن تضعه برفق على خد ابنتها. — ضعيه هنا... بهدوء. ارتعشت غيثة من الألم. ~ آه... — أعرف، أعرف... تحملي قليلًا. كانت بشرة غيثة حساسة، ولذلك ظهر أثر الضربة سريعًا، وبدأ خدها بالانتفاخ والاحمرار. خفضت ملاك صوتها وهي تمسح دموعها: — لماذا يفعل بكِ هذا؟ مهما أخطأتِ، لا يحق له أن يعاملكِ بهذه الطريقة. لم تجب غيثة. كانت تبكي فقط. ثم نظرت ملاك إلى ساقها، فوجدت أثر ضربة أخرى واضحًا، فشهقت. — وحتى ساقك... جلست إلى جانبها وبدأت تعالجها بحذر. — لا تتحركي. ~ أمي أنت تؤلمينني... — أعلم يا ابنتي. مررت يدها على شعرها. — ابكي إن أردتِ، لا تكتمي شيئًا. ظلت غيثة تنتحب، بينما بقيت ملاك بجانبها، تضع الكمادات على وجهها وتعالج ساقها، وتحاول تهدئتها بكل طريقة تعرفها. لكن الهدوء لم يدم طويلًا، حتى فُتح باب المنزل بعنف. رفعت ملاك رأسها فظهر عبد المالك. كان غاضبًا، وأنفاسه متسارعة، وعيناه مثبتتين عليها. • أنتِ! تجمدت ملاك. — ماذا تريد؟ تقدم نحوها. • ترفعين السكين في وجهي أمام ابنتي؟ وقفت ملاك أمام غيثة. — لم أرفعه لأؤذيك، كنت أحاول إبعادك عنها! • لا تبرري لي! تراجعت ملاك خطوة. — عبد المالك، اهدأ. لكن غضبه كان قد خرج عن السيطرة، فاقترب منها وأمسك بها أمام غيثة. صرخت غيثة: أبي! توقف! حاولت ملاك الإفلات منه. — اتركني! لكن عبد المالك دفعها وضربها. صرخت غيثة وهي تتراجع إلى الخلف. ~ أمي! كانت تشاهد المشهد عاجزة، تبكي وتصرخ، ثم بدأت تضرب يديها ببعضهما من شدة الذعر. ~ توقف! أرجوك توقف! لم يتوقف. كانت ملاك تحاول حماية وجهها من السوط وتهدئته في الوقت نفسه. — عبد المالك... كفى! لكن صوته غطى على صوتها. • كفى؟ وبعد أن رفعتِ السكين عليّ؟ صرخت غيثة: لم تكن تريد قتلك! كانت تحميني! التفت إليها. • اخرسي! تراجعت غيثة مذعورة. ثم عادت تنظر إلى أمها. ~ أمي! حاولت ملاك أن تصل إليها، لكن جسدها لم يعد يحتمل وبدأت خطواتها تتعثر. وضعت يدها على الحائط. — عبد المالك... كفى... ثم ترنحت فجأة. اتسعت عينا غيثة. ~ أمي! سقطت ملاك فاقدة للوعي، فتوقف عبد المالك لحظة ونظر إليها، ثم إلى غيثة. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وكأنه بدأ يدرك حجم ما حدث. تراجع خطوة ثم خرج من المنزل دون كلمة، أما غيثة فلم تستطع حتى التفكير، فاندفعت نحو أمها وسقطت إلى جوارها. ~ أمي! أمي! أمسكت وجهها بين يديها. ~ أرجوكِ افتحي عينيكِ! بدأت تبكي وتقبل جبينها ويديها. ~ أمي، أنا آسفة... هزتها برفق. ~ أمي! اسمعيني! لم تجب ملاك، فارتفع صوت غيثة أكثر. ~ أمييي! وضعت رأسها على صدرها، ثم رفعت وجهها من جديد، والدموع تغرقه. ~ لا تتركيني... أرجوكِ لا تتركيني وحدي... كانت تحاول إفاقتها بكل ما تستطيع، تلمس وجهها وتقبلها وتبكي، بينما البيت الذي كان قبل ساعات مليئًا بالأصوات تحول فجأة إلى صمت ثقيل. جلست غيثة إلى جوار أمها، عاجزة عن فعل شيء. ولأول مرة، لم تعد تخاف من عقاب أبيها، ولا من المدرسة، ولا من هاتفها، ولا من أي مشكلة صغيرة كانت تشغلها. كان خوفها الوحيد الآن أن تفتح عينيها...وأن لا تكون أمها بخير.~ ماماااااا!انهارت غيثة بجانب أمها، وراحت تبكي بحرقة، وشهقاتها تتلاحق حتى كادت تختنق بها.~ هيء... هيء... وااااه، ماما! لا تتركيني وحدي! لا تتركينييي!كانت تهز كتفيها بجنون.~ أفيقي، ماما! أرجوكِ فيقي!لكن ملاك لم تستجب.اشتد انهيار غيثة، وأخذت تضرب رأسها بيديها وتعض يديها من شدة الذعر.~ لماذا؟! لماذا لا تستيقظين؟!كانت دموعها تنهمر بلا توقف.~ ماما... أرجوكِ!لكن ملاك ظلت فاقدة للوعي.وقفت غيثة وهي تلهث، وعيناها غارقتان في الذعر، ثم اندفعت نحو الحمام في حالة من الانهيار، واتخذت في لحظة يأس قرارًا متهورًا وخطيرًا، فتناولت مادة سامة للفئران كانت موجودة في المنزل.عادت بعدها مسرعة إلى أمها، لكنها لم تستطع الوقوف طويلًا.فبدأ جسدها يرتجف بعنف، وسقطت بجانب ملاك وهي تتلوى من الألم.وفي تلك الأثناء بدأت ملاك تستعيد وعيها تدريجيًا.فتحت عينيها بصعوبة.— غيثة...؟نظرت إلى جانبها، فرأت ابنتها ملقاة على الأرض ولا تستجيب.— غيثة!حاولت ملاك النهوض.— ابنتي!كانت غيثة في حالة سيئة للغاية.ارتبكت ملاك، ولم تفهم في البداية ما الذي حدث، وظنت أن عبد المالك عاد وضربها من جديد، ثم لمحت ما جعل قلبها ي
اندفعت ملاك نحو ابنتها، وما إن رأتها حتى تغير وجهها بالكامل.حدقت في أثر الصفعة على وجه غيثة، ثم وضعت يدها على فمها، وكأنها لم تستوعب ما تراه.— أوف... ماذا فعل بكِ مجددًا؟ يا إلهي... أقسم أنه سيقتلكِ يومًا ما!اقتربت منها بسرعة.— أنتِ أصلًا لا تملكين القوة لتحملي كل هذا... ما هذا الذي على وجهك؟!لمست خدها بحذر، ثم ارتجفت من الغضب.— لقد صفعكِ ذلك الحقير!انفجرت غيثة بالبكاء، ولم تستطع إخراج الكلمات بسهولة.~ ض... ضربني...شهقت، ثم وضعت يدها على خدها.~ ص... صفعني بقوة...كانت الكلمات تخرج متقطعة بين شهقاتها.نظرت ملاك إلى وجه ابنتها، ثم لم تستطع منع دموعها من النزول.— لا...هزت رأسها بعجز.— لا، لقد طفح الكيل.جلست إلى جوارها ومسحت دموعها.— لن أترككِ تعيشين معه يومًا آخر بهذه الطريقة.نظرت غيثة إليها من بين دموعها.— ماذا ستفعلين؟أجابتها ملاك بصوت مرتجف، لكنه كان أكثر حسمًا من أي وقت مضى:— سأرسلكِ إلى خالكِ في العاصمة، ستكملين دراستك هناك، بعيدًا عن هذا البيت، وبعيدًا عن كل هذا الصراخ.ثم نهضت بسرعة وأحضرت بعض الثلج، ولفته بقطعة قماش قبل أن تضعه برفق على خد ابنتها.— ضعيه هنا...
تحت ضغط اليأس، لم تستطع النقر على المحادثة، وفي لحظة فكرت في حمزة، صديقها ومنقدها الدائم. فالتقطت صورة ضبابية لورقة الامتحان وأرسلتها إليه، مرفقة برجاء سريع للمساعدة. مرت الدقائق ببطء قاتل. الأستاذ يتنقل بين الصفوف. وغيثة تراقب هاتفها بين لحظة وأخرى. بدأ الأمل يتلاشى. ربما لن يجيب. وكادت تستسلم... حتى ظهر إشعار جديد على الشاشة. تسارعت ضربات قلبها. إشعار جديد من ... عهد. ~ ماهذا بحق الجحيم! لقد أرسلت له الامتحان بالغلط، يالمصيبتي!!! فتحت المحادثة، فوجدت أمامها إجابات كاملة، مرتبة سؤالًا بعد سؤال في ورقة مصورة. لقد أرسلها إليها مباشرة، دون كلمة واحدة إضافية. لم تسأل كيف عرف الإجابات ولم تملك وقتًا لتفكر. وبدأت أصابعها تتحرك بسرعة جنونية، تنقل الحلول من الهاتف إلى ورقة الامتحان قبل أن يلاحظها أحد. وظلت تكتب...حتى دوّى الجرس الأخير في أرجاء المدرسة. خرجت غيثة من المبنى بعد انتهاء الدوام، واتجهت إلى الزاوية المعتادة. وقفت هناك تنتظر. وبعد دقائق، ظهرت سيارة حمزة وتوقفت بجوار الرصيف. فتحت الباب وصعدت إلى المقعد المجاور له. كان وجهها يحمل مزيجًا غريبًا من الارتياح والقلق.
كان حمزة يثبت عينيه على الطريق، بينما جلست غيثة إلى جواره غارقة تمامًا في أفكارها. مرة تحدّق من النافذة بشرود، ومرة تقلب هاتفها بين أصابعها، وكأن العالم من حولها قد اختفى ولم يعد يعنيها منه شيء. رمقها حمزة بنظرة جانبية، ثم قال بنبرة حازمة: — اسمعيني... أنا أعرف عنادكِ جيدًا وأعرف أنكِ عندما تضعين شيئًا في رأسكِ، لن تهدئي حتى تحصلي عليه، لذلك، حاولي أن تلتزمي الهدوء هذا الأسبوع إذا كنتِ فعلًا تريدين الخروج يوم الخميس. لم تجبه. ظلت تحدّق أمامها بعينين شاردتين، وكأن كلماته لم تصل إليها أصلًا. تنهد حمزة، ثم تابع: — وإذا لم تفعلي، فأنتِ تعرفين ما سيحدث، ستجدين نفسكِ في مشكلة لا تتخيلينها، ووالدكِ لن يسمح لكِ حتى بتجاوز عتبة الباب مهما توسلتِ إليه، فابقي في المنزل وادرسي، حتى لا يجد سببًا جديدًا يفقد بسببه أعصابه. صمتت غيثة تمامًا. كان عقلها في مكان آخر. نظر إليها حمزة بضيق، ثم أطلق زفرة طويلة. — وعندما يأتي الخميس، يمكنكِ ببساطة أن تخبريه أنكِ ستبيتين عند إحدى صديقاتكِ أو عند إحدى خالاتكِ، ربما تستطيع خالتكِ التغطية عليكِ إذا طلبتِ منها بالطريقة المناسبة. التفت إليها من جديد.
غادرا الشقة معا، وفي طريقهما نزولاً عبر الدرج، صادفا جارة تحمل سلة غسيل؛ توقف وتأملتهما بنظرات حاقدة ومستنكرة: "هناك الكثير من قلة الأدب والعهر في هذه العمارة! لم يعد أحد يحترم الجيران أو يقيم وزناً للحرمات!" ردت عليها غيثة فوراً بصوت حاد: "اهتمي بشؤونك الخاصة أيتها العجوز الشمطاء ولا تتدخلي فيما لا يعنيك! التجسس على الناس ليس عملاً محترماً." حدقت فيها الجارة بغضب متأجج: "اسمعي جيداً! إن رأيتكِ في هذا المبنى مرة أخرى سأستدعي الشرطة، أسمعتِ؟!" تدخل حمزة بصوت حازم وغاضب: "استغفر الله، لا تتسرعي يا خالة، هذه الفتاة مثل اختي تماماً." • "أنا أتحدث معها هي، وليس معك أنت يا حمزة!" ــــ "وهي في شقتي، وأنا أعلم من يدخل ومن يخرج، لذا، فهذا لا يعنيكِ في شيء!" • "هذا المبنى له حرمته وأخلاقه!" ــــ "والحرمة لا تعني أن تراقبي جيرانك من خرم الباب!" ثم أضاف بغضب: "زوجك لم يشترِ المبنى بأكمله، ولم يشترِ شقتي لتأتي وتملي عليّ من يدخل إلى بيتي!" اتسعت عينا الجارة بذهول: "أهكذا إذن؟!" ــــ"صباح الخير." أمسك حمزة بذراع غيثة وأكملا نزولهما، تاركين الجارة تقف على الدرج مذهولة يتطاير الشرر من عينيها
ملاك: " عار عليك يا عبد المالك! كيف تجرؤ على مخاطبتها هكذا ولم تبلغ الثامنة عشرة بعد؟ إنها مراهقة، نعم مراهقة، ولا تزال في خطواتها الأولى لبناء شخصيتها وتكوين كيانها!" التفت إليها عبد المالك بوجه متبجح ونظرة مشحونة بالغضب: "لا تبدئي لي نفس الاسطوانة القديمة وتُعيديها مرة أخرى!" ــــ"سأبدأ، وسأستمر حتى تفهم وتعقل! أنت أبوها، والكلمات التي تخرج من فمك لا تشبه كلمات أي أحد آخر، حين تسمعك تقول لها إنها عبء ثقيل، أو أنك تتمنى التخلص منها، فهي لن تنسى ذلك أبدًا؛ سيبقى محفوراً في روحها كالجرح." • "وهل تريدينني أن أطبل لها لكي تزداد تمرداً وفسادًا؟!" ــــ "لا أحد يطلب منك أن تطبل لها! أنا أطلب منك شيئاً أبسط بكثير: ربّها بلا أن تكسرها!" رفع عبد المالك صوته بحدة: "تربية؟! لقد أفسدتك الأفلام والمسلسلات الغربية! أصبحتِ تستخدمين كلمات معلبة مثل 'شخصية' و'مراهقة' و'مشاعر'! أي مراهقة هذه اللعينة؟! إما أن تسلك الطريق الصحيح، أو أضع حداً لهذه المهزلة من جذورها!" قالت ملاك بصوت يقطر حدة: "لا تتحدث عن ابنتك وكأنها عدوتك اللدودة!" • "هي وحدها من تجبرني على معاملتها هكذا!" ــــ "لا... أنت من اختر







