Share

الفصل: 14

Author: Rosalia
last update publish date: 2026-09-19 01:00:27

~ ماماااااا!

انهارت غيثة بجانب أمها، وراحت تبكي بحرقة، وشهقاتها تتلاحق حتى كادت تختنق بها.

~ هيء... هيء... وااااه، ماما! لا تتركيني وحدي! لا تتركينييي!

كانت تهز كتفيها بجنون.

~ أفيقي، ماما! أرجوكِ فيقي!

لكن ملاك لم تستجب.

اشتد انهيار غيثة، وأخذت تضرب رأسها بيديها وتعض يديها من شدة الذعر.

~ لماذا؟! لماذا لا تستيقظين؟!

كانت دموعها تنهمر بلا توقف.

~ ماما... أرجوكِ!

لكن ملاك ظلت فاقدة للوعي.

وقفت غيثة وهي تلهث، وعيناها غارقتان في الذعر، ثم اندفعت نحو الحمام في حالة من الانهيار، واتخذت في لحظة يأس قرارًا متهورًا وخطيرًا، فتناولت مادة سامة للفئران كانت موجودة في المنزل.

عادت بعدها مسرعة إلى أمها، لكنها لم تستطع الوقوف طويلًا.

فبدأ جسدها يرتجف بعنف، وسقطت بجانب ملاك وهي تتلوى من الألم.

وفي تلك الأثناء بدأت ملاك تستعيد وعيها تدريجيًا.

فتحت عينيها بصعوبة.

— غيثة...؟

نظرت إلى جانبها، فرأت ابنتها ملقاة على الأرض ولا تستجيب.

— غيثة!

حاولت ملاك النهوض.

— ابنتي!

كانت غيثة في حالة سيئة للغاية.

ارتبكت ملاك، ولم تفهم في البداية ما الذي حدث، وظنت أن عبد المالك عاد وضربها من جديد، ثم لمحت ما جعل قلبها يتوقف من الخوف.

ركضت نحو المغسلة تبحث عن الماء، فرأت علبة المادة السامة ملقاة في المكان.

شهقت.

— لا...لا يا إلهي!

ثم اندفعت نحو غرفة النوم، حيث كان عبد المالك جالسًا غاضبًا.

صرخت بأعلى صوتها: عبد المالك! البنت تموت!

رفع رأسه.

• ماذا؟

— ابنتك... حاولت الانتحار!

تجمد مكانه.

• ماذا قلتِ؟!

— تعال بسرعة!

نهض عبد المالك واندفع نحو الغرفة وحين رأى غيثة، تغير وجهه بالكامل، كانت شديدة الشحوب، لا تستجيب، وحالتها تزداد سوءًا.

• غيثة!

حملها بسرعة، وخرج بها مع ملاك.

لم يعد هناك وقت للصراخ أو الجدال، كان هناك شيء واحد فقط أمامهما الآن.

إنقاذ ابنتهما.

---

وصلوا إلى أقرب مصحة ليلًا، فاندفع الطاقم الطبي نحوهم فورًا.

* بسرعة! أدخلوها إلى الطوارئ! حالتها حرجة!

أخذوا غيثة منهم وأدخلوها إلى الداخل.

كانت ملاك تجري خلفهم وهي تبكي.

— ابنتي! أرجوكم أنقذوا ابنتي!

أغلق الباب أمامها وانهارت ملاك على المقعد ورفعت يديها إلى السماء.

— يا رب... يا رب لا تأخذها مني.

ثم بدأت تبكي وتدعو.

— أنقذوها، أرجوكم.

أما عبد المالك فخرج إلى الخارج، ووقف بعيدًا عن المصحة، غارقًا في غضبه وارتباكه، وكأنه لا يريد أن يواجه الناس أو أن يرى أحد ما حدث.

في الداخل كان الأطباء يعملون بسرعة، أوصلوا غيثة بأجهزة المراقبة، وقدموا لها الأكسجين والعلاج اللازم، واتخذوا الإجراءات الطبية الضرورية لإنقاذ حياتها.

كانت حالتها خطيرة، وكل ثانية تمر كانت مهمة وبعد وقت طويل، خرج الطبيب من غرفة الطوارئ.

اندفعت ملاك نحوه.

— ابنتي؟!

نظر إليها الطبيب وقال:

*اهدئي... الحمد لله، أنقذناها.

وضعت ملاك يدها على صدرها.

— الحمد لله!

* وصلت في وقت مناسب، لو تأخرتم قليلًا، لكانت حالتها أخطر بكثير.

بدأت ملاك تبكي من شدة الارتياح.

— الله يرحم ليكم الوالدين... الله يجازيكم بالخير.

أومأ الطبيب.

* الآن ستبقى تحت المراقبة في العناية، ونحتاج إلى متابعة حالتها باستمرار.

— المهم أنها ستعيش؟

* نعم، بإذن الله.

وضعت ملاك يديها على وجهها، وأخذت تبكي وهي تردد: الحمد لله... الحمد لله...

ثم غادر الطبيب مع مساعديه، بينما بقيت غيثة في العناية المركزة.

---

مرت ساعات طويلة.

وعند الواحدة صباحًا تقريبًا، بدأت غيثة تتحرك بصعوبة، ففتحت عينيها ببطء.

كان كل شيء حولها غريبًا.

أضواء بيضاء، أجهزة تصدر أصواتًا منتظمة، وأسلاك وأنابيب طبية تحيط بها.

حاولت تحريك يدها، فشعرت بثقل شديد في جسدها، ثم بدأت الدموع تنزل من عينيها.

كانت تبكي بصمت.

لم تكن تعرف ماذا تفعل، ولا ماذا تقول.

دخل الطبيب الشاب إلى الغرفة، فاقترب من سريرها، ثم وقف بجانبها وابتسم ابتسامة هادئة.

* استيقظتِ أخيرًا؟

نظرت إليه غيثة بعينين ممتلئتين بالدموع.

قال الطبيب بلطف: هل تشعرين بتحسن قليلًا؟

لم تجبه.

فقط بدأت تبكي أكثر.

تنهد الطبيب وجلس بالقرب منها.

* ما بكِ يا فتاة؟ لماذا أردتِ أن تؤذي نفسك؟

ظلت غيثة تبكي.

قال محاولًا تهدئتها: أنتِ ما زلتِ صغيرة... والحياة أمامك طويلة.

ثم ابتسم بخفة، محاولًا تخفيف الجو عنها: ألم تفكري في أن هناك طرقًا أخرى لحل المشاكل غير هذه؟

لكن غيثة لم تستطع التوقف عن البكاء.

اقترب الطبيب قليلًا وقال: لا بأس... ابكي.

ثم أضاف بهدوء: لكنكِ الآن في أمان.

رفعت غيثة عينيها إليه، وخرج منها صوت ضعيف وسط بكائها: ماما...

أجاب الطبيب: والدتكِ هنا، كانت تنتظركِ طوال الليل.

ازدادت دموع غيثة.

~ أريد أمي...

ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة.

* سترينها عندما يسمح وضعكِ الصحي بذلك.

وظلت غيثة تبكي، بينما بقي الطبيب إلى جانبها للحظات، يراقب حالتها بهدوء.

وفي الخارج، كانت ملاك جالسة أمام باب العناية، لا تريد المغادرة لحظة واحدة.

كانت تضع يديها على صدرها وتردد: فقط عودي إليّ يا ابنتي...

أما عبد المالك فظل بعيدًا عن الجميع.

ولأول مرة، لم يكن هناك صوت في البيت يستطيع أن يغطي على الحقيقة.

غيثة كانت بين الحياة والموت...

وكل ما حدث تلك الليلة لم يكن مجرد شجار عائلي عابر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أنا أحترق   الفصل: 14

    ~ ماماااااا!انهارت غيثة بجانب أمها، وراحت تبكي بحرقة، وشهقاتها تتلاحق حتى كادت تختنق بها.~ هيء... هيء... وااااه، ماما! لا تتركيني وحدي! لا تتركينييي!كانت تهز كتفيها بجنون.~ أفيقي، ماما! أرجوكِ فيقي!لكن ملاك لم تستجب.اشتد انهيار غيثة، وأخذت تضرب رأسها بيديها وتعض يديها من شدة الذعر.~ لماذا؟! لماذا لا تستيقظين؟!كانت دموعها تنهمر بلا توقف.~ ماما... أرجوكِ!لكن ملاك ظلت فاقدة للوعي.وقفت غيثة وهي تلهث، وعيناها غارقتان في الذعر، ثم اندفعت نحو الحمام في حالة من الانهيار، واتخذت في لحظة يأس قرارًا متهورًا وخطيرًا، فتناولت مادة سامة للفئران كانت موجودة في المنزل.عادت بعدها مسرعة إلى أمها، لكنها لم تستطع الوقوف طويلًا.فبدأ جسدها يرتجف بعنف، وسقطت بجانب ملاك وهي تتلوى من الألم.وفي تلك الأثناء بدأت ملاك تستعيد وعيها تدريجيًا.فتحت عينيها بصعوبة.— غيثة...؟نظرت إلى جانبها، فرأت ابنتها ملقاة على الأرض ولا تستجيب.— غيثة!حاولت ملاك النهوض.— ابنتي!كانت غيثة في حالة سيئة للغاية.ارتبكت ملاك، ولم تفهم في البداية ما الذي حدث، وظنت أن عبد المالك عاد وضربها من جديد، ثم لمحت ما جعل قلبها ي

  • أنا أحترق   الفصل: 13

    اندفعت ملاك نحو ابنتها، وما إن رأتها حتى تغير وجهها بالكامل.حدقت في أثر الصفعة على وجه غيثة، ثم وضعت يدها على فمها، وكأنها لم تستوعب ما تراه.— أوف... ماذا فعل بكِ مجددًا؟ يا إلهي... أقسم أنه سيقتلكِ يومًا ما!اقتربت منها بسرعة.— أنتِ أصلًا لا تملكين القوة لتحملي كل هذا... ما هذا الذي على وجهك؟!لمست خدها بحذر، ثم ارتجفت من الغضب.— لقد صفعكِ ذلك الحقير!انفجرت غيثة بالبكاء، ولم تستطع إخراج الكلمات بسهولة.~ ض... ضربني...شهقت، ثم وضعت يدها على خدها.~ ص... صفعني بقوة...كانت الكلمات تخرج متقطعة بين شهقاتها.نظرت ملاك إلى وجه ابنتها، ثم لم تستطع منع دموعها من النزول.— لا...هزت رأسها بعجز.— لا، لقد طفح الكيل.جلست إلى جوارها ومسحت دموعها.— لن أترككِ تعيشين معه يومًا آخر بهذه الطريقة.نظرت غيثة إليها من بين دموعها.— ماذا ستفعلين؟أجابتها ملاك بصوت مرتجف، لكنه كان أكثر حسمًا من أي وقت مضى:— سأرسلكِ إلى خالكِ في العاصمة، ستكملين دراستك هناك، بعيدًا عن هذا البيت، وبعيدًا عن كل هذا الصراخ.ثم نهضت بسرعة وأحضرت بعض الثلج، ولفته بقطعة قماش قبل أن تضعه برفق على خد ابنتها.— ضعيه هنا...

  • أنا أحترق   الفصل: 12

    تحت ضغط اليأس، لم تستطع النقر على المحادثة، وفي لحظة فكرت في حمزة، صديقها ومنقدها الدائم. فالتقطت صورة ضبابية لورقة الامتحان وأرسلتها إليه، مرفقة برجاء سريع للمساعدة. مرت الدقائق ببطء قاتل. الأستاذ يتنقل بين الصفوف. وغيثة تراقب هاتفها بين لحظة وأخرى. بدأ الأمل يتلاشى. ربما لن يجيب. وكادت تستسلم... حتى ظهر إشعار جديد على الشاشة. تسارعت ضربات قلبها. إشعار جديد من ... عهد. ~ ماهذا بحق الجحيم! لقد أرسلت له الامتحان بالغلط، يالمصيبتي!!! فتحت المحادثة، فوجدت أمامها إجابات كاملة، مرتبة سؤالًا بعد سؤال في ورقة مصورة. لقد أرسلها إليها مباشرة، دون كلمة واحدة إضافية. لم تسأل كيف عرف الإجابات ولم تملك وقتًا لتفكر. وبدأت أصابعها تتحرك بسرعة جنونية، تنقل الحلول من الهاتف إلى ورقة الامتحان قبل أن يلاحظها أحد. وظلت تكتب...حتى دوّى الجرس الأخير في أرجاء المدرسة. خرجت غيثة من المبنى بعد انتهاء الدوام، واتجهت إلى الزاوية المعتادة. وقفت هناك تنتظر. وبعد دقائق، ظهرت سيارة حمزة وتوقفت بجوار الرصيف. فتحت الباب وصعدت إلى المقعد المجاور له. كان وجهها يحمل مزيجًا غريبًا من الارتياح والقلق.

  • أنا أحترق   الفصل: 11

    كان حمزة يثبت عينيه على الطريق، بينما جلست غيثة إلى جواره غارقة تمامًا في أفكارها. مرة تحدّق من النافذة بشرود، ومرة تقلب هاتفها بين أصابعها، وكأن العالم من حولها قد اختفى ولم يعد يعنيها منه شيء. رمقها حمزة بنظرة جانبية، ثم قال بنبرة حازمة: — اسمعيني... أنا أعرف عنادكِ جيدًا وأعرف أنكِ عندما تضعين شيئًا في رأسكِ، لن تهدئي حتى تحصلي عليه، لذلك، حاولي أن تلتزمي الهدوء هذا الأسبوع إذا كنتِ فعلًا تريدين الخروج يوم الخميس. لم تجبه. ظلت تحدّق أمامها بعينين شاردتين، وكأن كلماته لم تصل إليها أصلًا. تنهد حمزة، ثم تابع: — وإذا لم تفعلي، فأنتِ تعرفين ما سيحدث، ستجدين نفسكِ في مشكلة لا تتخيلينها، ووالدكِ لن يسمح لكِ حتى بتجاوز عتبة الباب مهما توسلتِ إليه، فابقي في المنزل وادرسي، حتى لا يجد سببًا جديدًا يفقد بسببه أعصابه. صمتت غيثة تمامًا. كان عقلها في مكان آخر. نظر إليها حمزة بضيق، ثم أطلق زفرة طويلة. — وعندما يأتي الخميس، يمكنكِ ببساطة أن تخبريه أنكِ ستبيتين عند إحدى صديقاتكِ أو عند إحدى خالاتكِ، ربما تستطيع خالتكِ التغطية عليكِ إذا طلبتِ منها بالطريقة المناسبة. التفت إليها من جديد.

  • أنا أحترق   الفصل: 10

    غادرا الشقة معا، وفي طريقهما نزولاً عبر الدرج، صادفا جارة تحمل سلة غسيل؛ توقف وتأملتهما بنظرات حاقدة ومستنكرة: "هناك الكثير من قلة الأدب والعهر في هذه العمارة! لم يعد أحد يحترم الجيران أو يقيم وزناً للحرمات!" ردت عليها غيثة فوراً بصوت حاد: "اهتمي بشؤونك الخاصة أيتها العجوز الشمطاء ولا تتدخلي فيما لا يعنيك! التجسس على الناس ليس عملاً محترماً." حدقت فيها الجارة بغضب متأجج: "اسمعي جيداً! إن رأيتكِ في هذا المبنى مرة أخرى سأستدعي الشرطة، أسمعتِ؟!" تدخل حمزة بصوت حازم وغاضب: "استغفر الله، لا تتسرعي يا خالة، هذه الفتاة مثل اختي تماماً." • "أنا أتحدث معها هي، وليس معك أنت يا حمزة!" ــــ "وهي في شقتي، وأنا أعلم من يدخل ومن يخرج، لذا، فهذا لا يعنيكِ في شيء!" • "هذا المبنى له حرمته وأخلاقه!" ــــ "والحرمة لا تعني أن تراقبي جيرانك من خرم الباب!" ثم أضاف بغضب: "زوجك لم يشترِ المبنى بأكمله، ولم يشترِ شقتي لتأتي وتملي عليّ من يدخل إلى بيتي!" اتسعت عينا الجارة بذهول: "أهكذا إذن؟!" ــــ"صباح الخير." أمسك حمزة بذراع غيثة وأكملا نزولهما، تاركين الجارة تقف على الدرج مذهولة يتطاير الشرر من عينيها

  • أنا أحترق   الفصل: 09

    ملاك: " عار عليك يا عبد المالك! كيف تجرؤ على مخاطبتها هكذا ولم تبلغ الثامنة عشرة بعد؟ إنها مراهقة، نعم مراهقة، ولا تزال في خطواتها الأولى لبناء شخصيتها وتكوين كيانها!" التفت إليها عبد المالك بوجه متبجح ونظرة مشحونة بالغضب: "لا تبدئي لي نفس الاسطوانة القديمة وتُعيديها مرة أخرى!" ــــ"سأبدأ، وسأستمر حتى تفهم وتعقل! أنت أبوها، والكلمات التي تخرج من فمك لا تشبه كلمات أي أحد آخر، حين تسمعك تقول لها إنها عبء ثقيل، أو أنك تتمنى التخلص منها، فهي لن تنسى ذلك أبدًا؛ سيبقى محفوراً في روحها كالجرح." • "وهل تريدينني أن أطبل لها لكي تزداد تمرداً وفسادًا؟!" ــــ "لا أحد يطلب منك أن تطبل لها! أنا أطلب منك شيئاً أبسط بكثير: ربّها بلا أن تكسرها!" رفع عبد المالك صوته بحدة: "تربية؟! لقد أفسدتك الأفلام والمسلسلات الغربية! أصبحتِ تستخدمين كلمات معلبة مثل 'شخصية' و'مراهقة' و'مشاعر'! أي مراهقة هذه اللعينة؟! إما أن تسلك الطريق الصحيح، أو أضع حداً لهذه المهزلة من جذورها!" قالت ملاك بصوت يقطر حدة: "لا تتحدث عن ابنتك وكأنها عدوتك اللدودة!" • "هي وحدها من تجبرني على معاملتها هكذا!" ــــ "لا... أنت من اختر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status