LOGINكان حمزة يثبت عينيه على الطريق، بينما جلست غيثة إلى جواره غارقة تمامًا في أفكارها.
مرة تحدّق من النافذة بشرود، ومرة تقلب هاتفها بين أصابعها، وكأن العالم من حولها قد اختفى ولم يعد يعنيها منه شيء. رمقها حمزة بنظرة جانبية، ثم قال بنبرة حازمة: — اسمعيني... أنا أعرف عنادكِ جيدًا وأعرف أنكِ عندما تضعين شيئًا في رأسكِ، لن تهدئي حتى تحصلي عليه، لذلك، حاولي أن تلتزمي الهدوء هذا الأسبوع إذا كنتِ فعلًا تريدين الخروج يوم الخميس. لم تجبه. ظلت تحدّق أمامها بعينين شاردتين، وكأن كلماته لم تصل إليها أصلًا. تنهد حمزة، ثم تابع: — وإذا لم تفعلي، فأنتِ تعرفين ما سيحدث، ستجدين نفسكِ في مشكلة لا تتخيلينها، ووالدكِ لن يسمح لكِ حتى بتجاوز عتبة الباب مهما توسلتِ إليه، فابقي في المنزل وادرسي، حتى لا يجد سببًا جديدًا يفقد بسببه أعصابه. صمتت غيثة تمامًا. كان عقلها في مكان آخر. نظر إليها حمزة بضيق، ثم أطلق زفرة طويلة. — وعندما يأتي الخميس، يمكنكِ ببساطة أن تخبريه أنكِ ستبيتين عند إحدى صديقاتكِ أو عند إحدى خالاتكِ، ربما تستطيع خالتكِ التغطية عليكِ إذا طلبتِ منها بالطريقة المناسبة. التفت إليها من جديد. لا شيء. كانت لا تزال غارقة في شرودها. — غيثة؟ لم تجب. رفع صوته: غيثة! رمشت ببطء، وكأنها عادت لتوها من مكان بعيد. ~ ماذا؟ ضحك حمزة ضحكة جافة ساخرة. — لا شيء، من الواضح جدًا أن جسدكِ هنا، لكن عقلكِ في قارة أخرى. ثم أشار إلى الباب. — انزلي الآن وعودي إلى المنزل، لقد أصبحت الساعة ظهرًا بالفعل. بعد دقائق قليلة، أوقف حمزة السيارة بعيدا عن منزلها. فتحت غيثة الباب ونزلت، ثم عدّلت حجابها سريعًا قبل أن تتجه نحو مدخل المنزل. كان المنزل هادئا عندما دخلت. والدتها كانت في الصالون، أما والدها فلن يعود من عمله قبل وقت متأخر من المساء. توجهت مباشرة إلى غرفتها، بدلت ملابسها استعدادًا لمساعدة والدتها في العمل خلال فترة بعد الظهر، ثم أسرعت إلى المطبخ لتعد لنفسها شيئًا تأكله. فتحت الثلاجة. لا شيء جاهز. تنهدت بضيق، ثم كسرت بيضة في المقلاة وألقت معها حفنة من الطماطم. لم تكلف نفسها عناء إعداد وجبة حقيقية وجلست تأكل واقفة، وأنهت طعامها بسرعة، ثم التقطت معطفها وحقيبتها واتجهت إلى الصالون. كانت ملاك منشغلة بالفعل مع إحدى الزبونات. مرّت ساعة تقريبًا. وفجأة، اهتز الباب الأمامي بعنف قبل أن يُفتح، ودخلت امرأة غاضبة وصفقته خلفها بقوة. • أين صاحبة هذا المكان؟ أريد التحدث إليها حالًا! رفعت غيثة رأسها من خلف المنضدة. ~ انتبهي إلى أسلوبكِ، لا يمكنكِ اقتحام المكان والصراخ وكأن الشارع ملك لكِ. استدارت المرأة نحوها بسرعة، وقد تشنج وجهها غضبًا. • لم أكن أتحدث إليكِ، أيتها الصغيرة، أحضري والدتكِ. نهضت غيثة من مكانها. ~ أمي مشغولة، إذا كانت لديكِ مشكلة، فانتظري دوركِ مثل الجميع. رفعت المرأة يديها بانفعال. • لا تجرؤي على الرد عليّ! أنتم تبيعون القمامة المقلدة، ثم تملكون الجرأة لتتصرفوا بهذه الوقاحة عندما يشتكي أحد! خرجت مَلاك من الغرفة الخلفية بعدما سمعت الضجيج، وبدا القلق واضحًا على وجهها. — ماذا يحدث هنا؟ أرجوكِ اخفضي صوتكِ يا أختي. دفعت المرأة بأحمر شفاه فوق المنضدة بعصبية. • هذا ما يحدث! اشتريت هذا منكم بمئة درهم، وتسبب لي في حساسية فظيعة حول فمي. ثم اكتشفت أنني أستطيع شراء المنتج نفسه من السوق الشعبي بأربعين درهمًا فقط! التقطت مَلَك أحمر الشفاه وفحصته بهدوء. — أنتِ تستخدمين هذا المنتج منذ أشهر، وهذه علامة تجارية أصلية، ونحن نبيعها منذ فترة طويلة. قاطعتها غيثة بحدة: وإذا كنتِ تستخدمينه طوال هذه المدة دون مشكلة، فلماذا بدأتِ الآن في الشكوى من السعر؟ استدارت المرأة نحوها وصاحت: اخرسي! تقدمت غيثة خطوة إلى الأمام. • وإلا ماذا؟ أنتِ من تصنعين هذه الفوضى من أجل لا شيء. وقبل أن يتطور الأمر أكثر، أسرعت مَلاك إلى الوقوف بينهما، ثم دفعت ابنتها إلى الخلف. — غيثة! كفى! اخرجي الآن! كانت أنفاس غيثة متسارعة من شدة الغضب. حدقت في المرأة بنظرة أخيرة، ثم أمسكت حقيبتها وخرجت من الصالون وهي تغلق الباب خلفها بعنف. سارت بسرعة باتجاه المدرسة. لكنها عندما وصلت، وجدت البوابة الرئيسية مغلقة بإحكام أمام المتأخرين. تلفتت حولها. وعند مكتب الإدارة، لمحت مجموعة من سجلات الغياب موضوعة دون مراقبة. لم تفكر كثيرًا ومدت يدها، خطفت الملف، أخفته تحت سترتها، ثم انسحبت بسرعة إلى باحة المدرسة حيث كانت هند ومريم تنتظرانها. حدقت هند في الملف بعينين واسعتين. • هل سرقتِ السجل كله فعلًا؟ ابتسمت غيثة بثقة وأخرجت الكتيب. ~ الآن لن يستطيع أحد تسجيل غيابنا. ثم ألقت السجل في حاوية إعادة التدوير القريبة. تنفست مريم براحة. ° أنتِ أنقذتِ حياتي فعلًا، لكن لدينا امتحان الفرنسية الآن... وأنا لم أدرس كلمة واحدة. توقفت غيثة فجأة. ~ أي امتحان؟ حدقت مريم فيها بصدمة. ° الامتحان الذي أخبرنا عنه الأستاذ أمس! وفي اللحظة نفسها، دوّى جرس المدرسة. تجمد الدم في عروق غيثة ودخلت الفتيات إلى الفصل، وجلست كل واحدة في مكانها تحت أنظار الأستاذ الصارمة. بدأ الامتحان. مرّت الدقائق الأولى. ثم بدأت غيثة تحدق في الأسئلة أمامها بعجز كامل. كانت الكلمات تتراقص أمام عينيها. لم تكن تعرف إجابة معظمها. وفجأة... اهتز هاتفها الموضوع خفية في حجرها، فتوقفت أنفاسها. أدخلت يدها تحت الطاولة الخشبية وأخرجته بحذر، كانت رسالة من شخص لم تتوقع أن تسمع منه في ذلك الوقت. ترددت لثوانٍ. "عهد سقراط"~ ماماااااا!انهارت غيثة بجانب أمها، وراحت تبكي بحرقة، وشهقاتها تتلاحق حتى كادت تختنق بها.~ هيء... هيء... وااااه، ماما! لا تتركيني وحدي! لا تتركينييي!كانت تهز كتفيها بجنون.~ أفيقي، ماما! أرجوكِ فيقي!لكن ملاك لم تستجب.اشتد انهيار غيثة، وأخذت تضرب رأسها بيديها وتعض يديها من شدة الذعر.~ لماذا؟! لماذا لا تستيقظين؟!كانت دموعها تنهمر بلا توقف.~ ماما... أرجوكِ!لكن ملاك ظلت فاقدة للوعي.وقفت غيثة وهي تلهث، وعيناها غارقتان في الذعر، ثم اندفعت نحو الحمام في حالة من الانهيار، واتخذت في لحظة يأس قرارًا متهورًا وخطيرًا، فتناولت مادة سامة للفئران كانت موجودة في المنزل.عادت بعدها مسرعة إلى أمها، لكنها لم تستطع الوقوف طويلًا.فبدأ جسدها يرتجف بعنف، وسقطت بجانب ملاك وهي تتلوى من الألم.وفي تلك الأثناء بدأت ملاك تستعيد وعيها تدريجيًا.فتحت عينيها بصعوبة.— غيثة...؟نظرت إلى جانبها، فرأت ابنتها ملقاة على الأرض ولا تستجيب.— غيثة!حاولت ملاك النهوض.— ابنتي!كانت غيثة في حالة سيئة للغاية.ارتبكت ملاك، ولم تفهم في البداية ما الذي حدث، وظنت أن عبد المالك عاد وضربها من جديد، ثم لمحت ما جعل قلبها ي
اندفعت ملاك نحو ابنتها، وما إن رأتها حتى تغير وجهها بالكامل.حدقت في أثر الصفعة على وجه غيثة، ثم وضعت يدها على فمها، وكأنها لم تستوعب ما تراه.— أوف... ماذا فعل بكِ مجددًا؟ يا إلهي... أقسم أنه سيقتلكِ يومًا ما!اقتربت منها بسرعة.— أنتِ أصلًا لا تملكين القوة لتحملي كل هذا... ما هذا الذي على وجهك؟!لمست خدها بحذر، ثم ارتجفت من الغضب.— لقد صفعكِ ذلك الحقير!انفجرت غيثة بالبكاء، ولم تستطع إخراج الكلمات بسهولة.~ ض... ضربني...شهقت، ثم وضعت يدها على خدها.~ ص... صفعني بقوة...كانت الكلمات تخرج متقطعة بين شهقاتها.نظرت ملاك إلى وجه ابنتها، ثم لم تستطع منع دموعها من النزول.— لا...هزت رأسها بعجز.— لا، لقد طفح الكيل.جلست إلى جوارها ومسحت دموعها.— لن أترككِ تعيشين معه يومًا آخر بهذه الطريقة.نظرت غيثة إليها من بين دموعها.— ماذا ستفعلين؟أجابتها ملاك بصوت مرتجف، لكنه كان أكثر حسمًا من أي وقت مضى:— سأرسلكِ إلى خالكِ في العاصمة، ستكملين دراستك هناك، بعيدًا عن هذا البيت، وبعيدًا عن كل هذا الصراخ.ثم نهضت بسرعة وأحضرت بعض الثلج، ولفته بقطعة قماش قبل أن تضعه برفق على خد ابنتها.— ضعيه هنا...
تحت ضغط اليأس، لم تستطع النقر على المحادثة، وفي لحظة فكرت في حمزة، صديقها ومنقدها الدائم. فالتقطت صورة ضبابية لورقة الامتحان وأرسلتها إليه، مرفقة برجاء سريع للمساعدة. مرت الدقائق ببطء قاتل. الأستاذ يتنقل بين الصفوف. وغيثة تراقب هاتفها بين لحظة وأخرى. بدأ الأمل يتلاشى. ربما لن يجيب. وكادت تستسلم... حتى ظهر إشعار جديد على الشاشة. تسارعت ضربات قلبها. إشعار جديد من ... عهد. ~ ماهذا بحق الجحيم! لقد أرسلت له الامتحان بالغلط، يالمصيبتي!!! فتحت المحادثة، فوجدت أمامها إجابات كاملة، مرتبة سؤالًا بعد سؤال في ورقة مصورة. لقد أرسلها إليها مباشرة، دون كلمة واحدة إضافية. لم تسأل كيف عرف الإجابات ولم تملك وقتًا لتفكر. وبدأت أصابعها تتحرك بسرعة جنونية، تنقل الحلول من الهاتف إلى ورقة الامتحان قبل أن يلاحظها أحد. وظلت تكتب...حتى دوّى الجرس الأخير في أرجاء المدرسة. خرجت غيثة من المبنى بعد انتهاء الدوام، واتجهت إلى الزاوية المعتادة. وقفت هناك تنتظر. وبعد دقائق، ظهرت سيارة حمزة وتوقفت بجوار الرصيف. فتحت الباب وصعدت إلى المقعد المجاور له. كان وجهها يحمل مزيجًا غريبًا من الارتياح والقلق.
كان حمزة يثبت عينيه على الطريق، بينما جلست غيثة إلى جواره غارقة تمامًا في أفكارها. مرة تحدّق من النافذة بشرود، ومرة تقلب هاتفها بين أصابعها، وكأن العالم من حولها قد اختفى ولم يعد يعنيها منه شيء. رمقها حمزة بنظرة جانبية، ثم قال بنبرة حازمة: — اسمعيني... أنا أعرف عنادكِ جيدًا وأعرف أنكِ عندما تضعين شيئًا في رأسكِ، لن تهدئي حتى تحصلي عليه، لذلك، حاولي أن تلتزمي الهدوء هذا الأسبوع إذا كنتِ فعلًا تريدين الخروج يوم الخميس. لم تجبه. ظلت تحدّق أمامها بعينين شاردتين، وكأن كلماته لم تصل إليها أصلًا. تنهد حمزة، ثم تابع: — وإذا لم تفعلي، فأنتِ تعرفين ما سيحدث، ستجدين نفسكِ في مشكلة لا تتخيلينها، ووالدكِ لن يسمح لكِ حتى بتجاوز عتبة الباب مهما توسلتِ إليه، فابقي في المنزل وادرسي، حتى لا يجد سببًا جديدًا يفقد بسببه أعصابه. صمتت غيثة تمامًا. كان عقلها في مكان آخر. نظر إليها حمزة بضيق، ثم أطلق زفرة طويلة. — وعندما يأتي الخميس، يمكنكِ ببساطة أن تخبريه أنكِ ستبيتين عند إحدى صديقاتكِ أو عند إحدى خالاتكِ، ربما تستطيع خالتكِ التغطية عليكِ إذا طلبتِ منها بالطريقة المناسبة. التفت إليها من جديد.
غادرا الشقة معا، وفي طريقهما نزولاً عبر الدرج، صادفا جارة تحمل سلة غسيل؛ توقف وتأملتهما بنظرات حاقدة ومستنكرة: "هناك الكثير من قلة الأدب والعهر في هذه العمارة! لم يعد أحد يحترم الجيران أو يقيم وزناً للحرمات!" ردت عليها غيثة فوراً بصوت حاد: "اهتمي بشؤونك الخاصة أيتها العجوز الشمطاء ولا تتدخلي فيما لا يعنيك! التجسس على الناس ليس عملاً محترماً." حدقت فيها الجارة بغضب متأجج: "اسمعي جيداً! إن رأيتكِ في هذا المبنى مرة أخرى سأستدعي الشرطة، أسمعتِ؟!" تدخل حمزة بصوت حازم وغاضب: "استغفر الله، لا تتسرعي يا خالة، هذه الفتاة مثل اختي تماماً." • "أنا أتحدث معها هي، وليس معك أنت يا حمزة!" ــــ "وهي في شقتي، وأنا أعلم من يدخل ومن يخرج، لذا، فهذا لا يعنيكِ في شيء!" • "هذا المبنى له حرمته وأخلاقه!" ــــ "والحرمة لا تعني أن تراقبي جيرانك من خرم الباب!" ثم أضاف بغضب: "زوجك لم يشترِ المبنى بأكمله، ولم يشترِ شقتي لتأتي وتملي عليّ من يدخل إلى بيتي!" اتسعت عينا الجارة بذهول: "أهكذا إذن؟!" ــــ"صباح الخير." أمسك حمزة بذراع غيثة وأكملا نزولهما، تاركين الجارة تقف على الدرج مذهولة يتطاير الشرر من عينيها
ملاك: " عار عليك يا عبد المالك! كيف تجرؤ على مخاطبتها هكذا ولم تبلغ الثامنة عشرة بعد؟ إنها مراهقة، نعم مراهقة، ولا تزال في خطواتها الأولى لبناء شخصيتها وتكوين كيانها!" التفت إليها عبد المالك بوجه متبجح ونظرة مشحونة بالغضب: "لا تبدئي لي نفس الاسطوانة القديمة وتُعيديها مرة أخرى!" ــــ"سأبدأ، وسأستمر حتى تفهم وتعقل! أنت أبوها، والكلمات التي تخرج من فمك لا تشبه كلمات أي أحد آخر، حين تسمعك تقول لها إنها عبء ثقيل، أو أنك تتمنى التخلص منها، فهي لن تنسى ذلك أبدًا؛ سيبقى محفوراً في روحها كالجرح." • "وهل تريدينني أن أطبل لها لكي تزداد تمرداً وفسادًا؟!" ــــ "لا أحد يطلب منك أن تطبل لها! أنا أطلب منك شيئاً أبسط بكثير: ربّها بلا أن تكسرها!" رفع عبد المالك صوته بحدة: "تربية؟! لقد أفسدتك الأفلام والمسلسلات الغربية! أصبحتِ تستخدمين كلمات معلبة مثل 'شخصية' و'مراهقة' و'مشاعر'! أي مراهقة هذه اللعينة؟! إما أن تسلك الطريق الصحيح، أو أضع حداً لهذه المهزلة من جذورها!" قالت ملاك بصوت يقطر حدة: "لا تتحدث عن ابنتك وكأنها عدوتك اللدودة!" • "هي وحدها من تجبرني على معاملتها هكذا!" ــــ "لا... أنت من اختر







