Inicio / الرومانسية / أنياب القمر / الفصل الثاني عشر: القرار

Compartir

الفصل الثاني عشر: القرار

last update Fecha de publicación: 2026-06-28 19:31:31

الفصل الثاني عشر

القرار

في المساء، قبل أن تنام، فتحت ليلى دفترها وكتبت. لم تكن تكتب يوميات عادةً في حياتها السابقة. كانت تُصوّر دائمًا. الصورة عندها كانت تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله بنفس الدقة والعمق. لكن ما في رأسها الليلة كان يحتاج مكانًا يُوضع فيه بالكلمات قبل أن يثقل أكثر مما تستطيع حمله وحيدة في الصمت المظلم.

كتبت ببطء مقصود: ست أيام فقط لا أكثر. في ست أيام لا أكثر اكتشفت أن جدّتي كانت ذئبة تحمل دمًا غير بشري خالص. أن القبيلة التي تركتها قبل ثلاثة وثلاثين عامًا تركتها هربًا من خائن مجهول الهوية حتى الآن. أن في دمي شيئًا ليس بشريًا خالصًا يُفسّر أشياء كثيرة ظللت أتجاهلها وأتجاوزها طوال حياتي دون أن أفهم لماذا أشعر بها أصلاً. وأن ملك هذه القبيلة يحمل سرًا لم يقله بعد لكن عيناه الذهبيتان تقولانه في كل مرة تلتقيان بعيني دون أن يتفادى النظر.

توقفت عن الكتابة. نظرت إلى ما كتبت. ثم أضافت بثبات لا تردد فيه: لا أعرف ما الذي سيحدث في الأيام القادمة. لكنني أعرف شيئًا واحدًا يقيناً: لو خرجت الآن من هنا وعُدت لحياتي ولشقّتي الصغيرة ولكاميرتي وأصدقائي، فإن السؤال سيبقى معي للأبد الحقيقي. والسؤال الذي لا تبحث عن إجابته يكبر ببطء صامت حتى يملأ كل شيء ويأكل كل فرحة حقيقية صغيرة في الحياة. وأنا لا أريد أن يملأ شيء حياتي إلا ما اخترته أنا بعيون مفتوحة.

نظرت من النافذة إلى الغابة. ثم فكّرت في حياتها قبل أسبوع واحد فقط. شقّتها الصغيرة المليئة بصور معلّقة على الجدران الأربعة، كل واحدة منها تحكي قصة لحظة. رائحة القهوة الصباحية التي كانت تصنعها أول شيء في كل يوم. صوت المدينة يبدأ ببطء من النافذة حين تستيقظ. أصدقاء يرسلون رسائل لا تجيب عليها دائمًا بسرعة لأنها كانت دائمًا منشغلة بشيء ما. كل ذلك بدا الآن كحياة شخص آخر تمامًا، أو كحياة كانت تعيشها بنصف وعي في انتظار شيء لم تكن تعرف أنها تنتظره أصلاً.

ظلّت تفكّر في كلمة واحدة تتردد في رأسها: مستعد. هل أنا مستعدة لما سيأتي؟ ثم أدركت بوضوح أن السؤال نفسه خاطئ من أساسه. لا أحد يكون مستعدًا تمامًا لحقيقة بهذا الحجم الكبير. الاستعداد الكامل وهم جميل لا وجود له في الواقع. ما يجعل الإنسان يمضي للأمام رغم الخوف ليس الاستعداد الكامل المستحيل، بل الإرادة الصادقة الواضحة. والإرادة كانت عندها راسخة وثابتة كأصول الأشجار العملاقة في هذه الغابة.

أغلقت الدفتر بهدوء وأطفأت المصباح. في الغرفة المظلمة كانت الغابة لا تزال تتنفّس خلف النافذة. وكان القمر لا يزال ينظر من بعيد. وكانت هي لأول مرة منذ أيام تشعر أن ما أمامها، مهما كان حجمه، هو ما كان ينتظرها. ليس شيئًا غريبًا فُرض عليها من الخارج، بل شيئًا كان فيها دائمًا وينتظر اللحظة المناسبة ليُعلن عن وجوده.

* * *

في الصباح التالي ذهبت مباشرة إلى مكتب راكان قبل أن يتسلّل التردد إلى القرار الذي اتخذته في الليل وتأكّدت منه حين فتحت عينيها على نور الصباح الباكر.

— أريد صفقة. — قالت واقفة أمامه بثبات كامل لا تزعزعه.

— استمعي.

— أبقى هنا بإرادتي الكاملة الحرة ودون أي إجبار. أتدرّب على فهم ما أنا عليه. أساعدك في فكّ شفرة المفكّرة. وأحاول فهم كل ما يحدث لي. مقابل شيء واحد فقط لا ثاني له ولا بديل عنه.

— ما هو هذا الشيء؟

— تُخبرني بكل ما تعرفه دون تقسيط ودون تأجيل ودون اختيار توقيت من عندك. لا أسرار محجوبة. لا معلومات ناقصة. كل شيء تعرفه عن جدّتي وعن هذا المكان وعن ما يحدث لي، تقوله حين يحدث وحين أسأل، لا حين تقرّر أنت أنني أصبحت مستعدة.

صمت راكان طويلاً وعيناه تدرسانها بعناية رجل يزن قرارًا مهمًا حقيقيًا. — هذا شرط صعب جداً ومُطلَق.

— أعرف ذلك تمامًا. لذلك هو الشرط الوحيد الذي أطلبه.

— بعض المعلومات قد تكون صعبة الهضم وثقيلة على النفس.

— عشت وحدي مع جدة أحبّتها بكل قلبها وماتت دون أن تُخبرني بأي شيء حقيقي عن نفسها الحقيقية. أعرف معنى صعب. أريد أن أختار بمعلومات كاملة يا راكان. لا بمعلومات تُختار لي بعناية من يد شخص آخر يقرر متى أكون مستعدة.

في الغرفة كان الصمت يمتد طويلاً وهو يُفكّر بعمق. ثم قال راكان أخيرًا: — حسنًا. قبلت شرطك. لكن لي أيضًا شرط واحد في المقابل.

— قل.

— إذا أخبرتكِ بشيء يُخيفك أو يصدمكِ، تعطيني وقتًا كافيًا للشرح الكامل قبل أن تحكمي وتُصدري حكمًا نهائيًا. بعض الحقائق تحتاج سياقًا كي تكون عادلة. الحقيقة بلا سياق أحيانًا تبدو أكثر ظلمًا من الكذبة.

نظرت إليه ليلى وفكّرت في الطلب. كان منطقيًا وعادلاً. — اتفاق.

لم يمدّا يديهما هذه المرة. لكن شيئًا في الهواء بينهما انعقد بطريقة لا تحتاج مصافحة. اتفاق غير مكتوب لكنه أقوى من أي وثيقة موقّعة.

* * *

خرجت ليلى من المكتب ومشت في الممر ببطء مقصود. تشعر بثقل القرار وخفّته معًا في الوقت ذاته. ثقل لأن الطريق أمامها طويل ومليء بأسئلة لا تعرف إجاباتها بعد. وخفّة حقيقية لأنها للمرة الأولى منذ وصولها شعرت أنها تتحرّك بإرادتها الكاملة لا بردّ فعل على ظروف فُرضت عليها من الخارج.

مرّت بنادر في الطريق فأخبرته بجملة واحدة واضحة: — اتفقنا على الحقيقة. كاملة. غير مجزّأة ولا منقوصة.

ابتسم نادر ابتسامته المحسوبة لكنها حملت شيئًا أعمق وأصدق هذه المرة. — هذا أكبر اتفاق يمكن أن يعقده أحد مع راكان الأسود. لا تعرفين ذلك بعد لكنكِ ستعرفين قريبًا.

مضت ولم تسأله ماذا يعني بالضبط. في غرفتها أخرجت كاميرتها ورفعتها ونظرت من خلال العدسة إلى النافذة وما وراءها من غابة وأشجار وقمر بدأ يطلع في الأفق البعيد. ضغطت على الزر. ثم ضغطت مرة أخرى. وثالثة. وفكّرت وهي تنظر للصور الصغيرة على الشاشة: هذا المكان يستحق أن يُحفظ بكل تفاصيله وبكل ما يحمله من أسرار وتاريخ.

أعادت الكاميرا إلى حقيبتها وأطفأت المصباح. في الغرفة المظلمة كان القمر يبدأ رحلته الليلية المعتادة. وكانت هي تبدأ رحلة مختلفة من نوع آخر.

وفي اليوم التالي لاحظت ليلى شيئًا صغيرًا لكنه مهم: أنها استيقظت في الصباح دون أن تفكّر في الرحيل ولو للحظة واحدة. كانت المرة الأولى منذ وصولها. استيقظت وأول شيء فكّرت فيه كان التدريب مع طارق. ثم المفكّرة. ثم ما قاله نادر عن راكان. وليس متى ستعود إلى شقّتها ولا متى سترى أصدقاءها ولا ما الذي تتركه خلفها.

جلست على حافة السرير وأخرجت كاميرتها. نظرت إلى الصور التي التقطتها البارحة من خلال النافذة. الغابة في الليل. الضوء الذهبي من المصابيح على الجدران الحجرية. شخص يمشي في الممر البعيد لا يعرف أنها ترصده. كانت الصور جيدة بطريقة لم تتوقعها. جيدة ليس لأن التقنية كانت صحيحة، بل لأنها التقطتها بعيون ترى شيئًا يعنيها فعلاً.

أعادت الكاميرا إلى حقيبتها ونهضت. اليوم الجديد كان ينتظر. وللمرة الأولى منذ وصولها كانت هي أيضًا تنتظره.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • أنياب القمر    الفصل الثالث عشر : القواعد

    الفصل الثالث عشرالقواعدبدأ راكان بالقواعد في الصباح الباكر. جلسا في مكتبه قبل أن يبدأ المجمع يومه. على الطاولة بينهما ورقة كتبها بخطّه الواضح الثابت. ليلى نظرت إلى الخط قبل أن تقرأ المحتوى: حروف منتظمة لا زيادة فيها ولا نقصان، مثل صاحبها تمامًا. رجل لا يُزخرف ما لا يحتاج زخرفة.— هذه ليست قواعد للتحكم فيكِ. — بدأ راكان وهو يدفع الورقة نحوها. — هذه قواعد تحفظ سلامتكِ في بيئة تختلف عن كل بيئة عشتِ فيها. لكل بيئة لغتها وقوانينها غير المكتوبة. هذه هي المكتوبة منها لكِ أنتِ تحديدًا.قرأت ليلى. ست نقاط مُرقَّمة بدقة واضحة. الأولى: لا تدخلي الغابة الشمالية بمفردكِ في أي وقت من الليل أو النهار. الثانية: في حال شعرتِ بأي تغيّر جسدي مفاجئ غير مألوف، أخبري أقرب شخص فورًا دون تأخير ولو ثانية واحدة. الثالثة: جلسات التدريب ثلاث مرات أسبوعيًا والحضور إلزامي تمامًا لا يقبل الاعتذار. الرابعة: أي سؤال عن القبيلة أو تاريخها أو عاداتها يُوجَّه لي أو لنادر مباشرة. الخامسة: لا إفصاح عن أي معلومة من مفكّرة فاطمة لأي شخص آخر قبل الاتفاق معي على ذلك. السادسة: إذا شعرتِ بأي خطر في أي وقت، الكلمة قمر لأي فرد

  • أنياب القمر    الفصل الثاني عشر: القرار

    الفصل الثاني عشرالقرارفي المساء، قبل أن تنام، فتحت ليلى دفترها وكتبت. لم تكن تكتب يوميات عادةً في حياتها السابقة. كانت تُصوّر دائمًا. الصورة عندها كانت تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله بنفس الدقة والعمق. لكن ما في رأسها الليلة كان يحتاج مكانًا يُوضع فيه بالكلمات قبل أن يثقل أكثر مما تستطيع حمله وحيدة في الصمت المظلم.كتبت ببطء مقصود: ست أيام فقط لا أكثر. في ست أيام لا أكثر اكتشفت أن جدّتي كانت ذئبة تحمل دمًا غير بشري خالص. أن القبيلة التي تركتها قبل ثلاثة وثلاثين عامًا تركتها هربًا من خائن مجهول الهوية حتى الآن. أن في دمي شيئًا ليس بشريًا خالصًا يُفسّر أشياء كثيرة ظللت أتجاهلها وأتجاوزها طوال حياتي دون أن أفهم لماذا أشعر بها أصلاً. وأن ملك هذه القبيلة يحمل سرًا لم يقله بعد لكن عيناه الذهبيتان تقولانه في كل مرة تلتقيان بعيني دون أن يتفادى النظر.توقفت عن الكتابة. نظرت إلى ما كتبت. ثم أضافت بثبات لا تردد فيه: لا أعرف ما الذي سيحدث في الأيام القادمة. لكنني أعرف شيئًا واحدًا يقيناً: لو خرجت الآن من هنا وعُدت لحياتي ولشقّتي الصغيرة ولكاميرتي وأصدقائي، فإن السؤال سيبقى معي للأبد الحقيقي. وا

  • أنياب القمر    الفصل الحادي عشر: الاعتراف

    الفصل الحادي عشرالاعترافلم يَنَم راكان تلك الليلة. جلس على حافة سريره في الظلام ويداه على ركبتيه، عيناه مفتوحتان على النافذة الواسعة التي لا ترى منها إلا الغابة الصامتة والقمر المائل ببطء نحو الأفق في رحلته الليلية المعتادة. الساعة كانت تقترب من الثالثة فجرًا والمجمع كله نائم بعيون مغلقة إلا هو. لم يكن هذا جديدًا عليه بالكامل، فقد اعتاد على ليالٍ طويلة بعيون مفتوحة وعقل يأبى الهدوء ويرفض الاستسلام للنوم، لكن هذه الليلة بالذات كانت الأثقل منذ أشهر طويلة مضت دون أن يشعر بمثلها.الصورة لم تتركه منذ أن عاد إلى غرفته في المساء: ليلى في الحديقة الداخلية، تلك الحركة التي خرجت من جسدها قبل أن يسبقها عقلها بلحظة كاملة. لم يكن مجرد مهارة مكتسبة من تدريب سابق أو ردّ فعل محسوب. كان شيئًا آخر أعمق وأقدم من أي تدريب، شيئًا يعرفه الذئب في داخله تمامًا وبوضوح بينما لا يجيد العقل البشري تسميته بكلمات واضحة ومقبولة. الدم لا يكذب أبدًا. قالتها فاطمة في مفكّرتها بأحرف واضحة وثابتة كأنها تكتب حكمًا نهائيًا لا رأيًا قابلاً للجدل والنقاش. وقالتها سيرا بطريقتها الهادئة المعتادة التي لا تنطق بشيء إلا حين تك

  • أنياب القمر    الفصل العاشر : التحدي

    الفصل العاشرالتحدياسمها كانت ريم.طويلة، ذات شعر أسود قصير وعيون عسلية ونظرة تعوّدت على أن تُزيح ما أمامها. واحدة من المقاتلات الأولى في القبيلة، تعرّفت عليها ليلى خلال الأيام الأولى من طرف نظراتها، النوع من النظرات التي تقيس وتحكم قبل أن تسأل.ريم لم تُخفِ رأيها. لم تقله بصوت عالٍ لكنها لم تُخفه أيضًا. تعبير وجهها حين تمر بليلى في الممر كان يقول: أنتِ لا تنتمين هنا.ليلى كانت تتجاهل. حتى الآن.* * *حدث الأمر في الحديقة الداخلية في منتصف الأسبوع الأول.كانت ليلى جالسة وحدها تحاول إعادة قراءة الصفحات التي دوّنتها من المفكّرة، حين جاءت ريم وجلست على الكرسي المقابل دون دعوة.نظرت ليلى إليها. انتظرت.— سمعتُ أنكِ قرأتِ مفكّرة فاطمة الفضية مع الملك. — قالت ريم مباشرة.— أخبار تتنقل بسرعة. — قالت ليلى.— في قبيلة الذئاب؟ بسرعة أكثر مما تتصورين. — ريم تضع ذراعيها على الطاولة. — ما الذي وجدتموه؟— هذا سؤال لراكان، ليس لي.— راكان لن يخبرني. لكنكِ لستِ راكان.— صحيح. لكنني لن أخبركِ أيضًا.نظرت ريم إليها بتلك العيون التي تقيس. — أنتِ لا تثقين بأحد هنا.— لا أثق بأحد لم يُعطني سببًا.— ومعقو

  • أنياب القمر    الفصل التاسع: الخيوط

    الفصل التاسعالخيوطجلسا على جانبي الطاولة الكبيرة في مكتب راكان والمفكّرة بينهما.الساعة كانت قبل الضحى بقليل، الضوء يدخل من النافذة الكبيرة بزاوية باردة، وكوبا قهوة يُبخّران في أطراف الطاولة لم يتجرّع منهما أحد بعد. قرّر راكان أن يقرأ بصوت عالٍ والمفكّرة في يده، وقرّرت ليلى أن تستمع وتكتب ما يلزم تدوينه في دفتر أعطاها إياه نادر.بدأ من الصفحة الأولى.— "أكتب هذا وأنا أعرف أنني قد لا أعود. ليس لأنني خائفة من الطريق، بل لأن ما عرفته يجعل العودة خطرًا على من أحبّ. القبيلة التي أحبّيتها وخدمتها ثلاثين عامًا تحمل في قلبها جرحًا لا تعرف عنه شيئًا، وأنا كنت أقرب الناس إلى ذلك الجرح دون أن أرى."توقف راكان. ليلى لاحظت أن قلمها توقف هي الأخرى.— تكمل؟ — قالت بهدوء.— نعم. — أكمل.* * *استغرقت القراءة أكثر من ساعتين. الترميز المتخلل للنص أبطأ الأمور، وفي مواضع عدة توقف راكان ليفكّر أو يُعيد قراءة رمز أكثر من مرة قبل أن يُعطيه معناه.ما تكشّف كان هذا:قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، وقبيل رحيل فاطمة بشهور، كانت القبيلة تشهد صراعًا خفيًا على السلطة. لم يكن أحد يعلم به علنًا، لكنه كان يدور في الظلام.

  • أنياب القمر    الفصل الثامن: الكتاب

    الفصل الثامنالكتابوجدت المفكّرة بالصدفة.أو هكذا ظنّت.كانت تُرتّب غرفتها في الصباح، تلك العادة التي لا تتركها حتى في الظروف الغريبة، حين لاحظت أن لوح الخشب الصغير في أسفل الخزانة لا يتسق مع باقي الألواح. اللون نفسه، الخشب نفسه، لكن زاوية واحدة فيه مرفوعة بمقدار لا يكاد يُرى.ضغطت عليها.اللوح انزلق.وفي الفراغ الصغير تحته كانت مفكّرة جلدية داكنة، رفيعة وصغيرة بحيث تدخل في جيب معطف، وعليها بالخارج حرفان: ف. ع.فاطمة. عمر.جلست على الأرض وهي تحمل المفكّرة بيدين ليستا ثابتتين تمامًا. جلد المفكّرة كان قديمًا، متشقق قليلاً في الأطراف، بالطريقة التي يكون فيها الجلد حين يمر عليه الوقت وأيدٍ كثيرة. أو يد واحدة كثيرًا.فتحتها.كان خط جدتها. لا شك. تلك الحروف المائلة قليلاً للأمام بضغطة قلم أقوى من اللازم، كأن الكاتبة تُريد أن تثبّت الكلمات في المكان كيلا تهرب.الصفحة الأولى كانت تاريخًا: قبل ثلاثة وثلاثين عامًا.وتحته سطر واحد:"إذا وجدتِ هذا يا بنيّة، فهذا يعني أنها أخيرًا وجدتكِ."* * *لم تستطع ليلى أن تُكمل القراءة وحدها.ليس لأنها لم تُرد. بل لأن المفكّرة كانت مكتوبة بطريقة يتناوب فيها

  • أنياب القمر    الفصل السابع: الهروب الاول

    الفصل السابعالهروب الأولفي اليوم الرابع، قرّرت ليلى أنها ستهرب.ليس لأنها خائفة، وليس لأنها لا تريد معرفة الحقيقة. لكن لأنها أدركت شيئًا حين استيقظت في الصباح وشاهدت الحارس الذي يقف دائمًا في نهاية الممر: أنها تستطيع قبول البقاء في مكان باختيارها، لكنها لا تستطيع قبول البقاء بغير اختيارها. الفرق

  • أنياب القمر    الفصل السادس: الرائحه

    الفصل السادسالرائحةراكان الأسود لم يكن يعاني من أشياء.هذه كانت الحقيقة المعروفة عنه في القبيلة: يحلّ المشكلات ولا يعاني منها. يرى التحدي ويواجهه. يشعر بالألم ويتجاوزه. لم يُرَ مترددًا. لم يُرَ مرتبكًا. ولم يُرَ في حالة كالتي هو فيها الآن: واقف في ممر القسم الغربي، متوقف تمامًا، لأن رائحتها كانت

  • أنياب القمر    الفصل الخامس: السجينه

    الفصل الخامسالسجينةفي اليوم الثالث، حاولت ليلى أن تُحدّد حدود سجنها.لم تكن تسميه سجنًا بصوت عالٍ. لكن حين تمشين في مكان وتعرفين أن أبوابًا معينة لن تُفتح لكِ، وطرقًا معينة ستجدين فيها دائمًا أحدًا يسير بجانبكِ دون أن يُسمَّى حارسًا، فهذا له اسم واحد مهما جمّلناه.بدأت من غرفتها. خرجت مبكرة قبل أ

  • أنياب القمر    الفصل الرابع: الملك

    الفصل الرابعالملكلم تطلب ليلى مقابلة راكان مرة ثانية. هو الذي طلبها.جاء نادر إلى غرفتها قبيل المغرب برسالة قصيرة: "العشاء. الغرفة الكبيرة. السابعة." لا اسم. لا توقيع. كأن مَن أرسلها يعرف أنه لا يحتاج إلى توقيع.وصلت ليلى في السابعة تمامًا، لا قبلها ولا بعدها، لأنها قرّرت ألا تُظهر لا الاستعجال و

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status