بيت / الرومانسية / أنياب القمر / الفصل الحادي عشر: الاعتراف

مشاركة

الفصل الحادي عشر: الاعتراف

last update تاريخ النشر: 2026-06-27 20:46:39

الفصل الحادي عشر

الاعتراف

لم يَنَم راكان تلك الليلة. جلس على حافة سريره في الظلام ويداه على ركبتيه، عيناه مفتوحتان على النافذة الواسعة التي لا ترى منها إلا الغابة الصامتة والقمر المائل ببطء نحو الأفق في رحلته الليلية المعتادة. الساعة كانت تقترب من الثالثة فجرًا والمجمع كله نائم بعيون مغلقة إلا هو. لم يكن هذا جديدًا عليه بالكامل، فقد اعتاد على ليالٍ طويلة بعيون مفتوحة وعقل يأبى الهدوء ويرفض الاستسلام للنوم، لكن هذه الليلة بالذات كانت الأثقل منذ أشهر طويلة مضت دون أن يشعر بمثلها.

الصورة لم تتركه منذ أن عاد إلى غرفته في المساء: ليلى في الحديقة الداخلية، تلك الحركة التي خرجت من جسدها قبل أن يسبقها عقلها بلحظة كاملة. لم يكن مجرد مهارة مكتسبة من تدريب سابق أو ردّ فعل محسوب. كان شيئًا آخر أعمق وأقدم من أي تدريب، شيئًا يعرفه الذئب في داخله تمامًا وبوضوح بينما لا يجيد العقل البشري تسميته بكلمات واضحة ومقبولة. الدم لا يكذب أبدًا. قالتها فاطمة في مفكّرتها بأحرف واضحة وثابتة كأنها تكتب حكمًا نهائيًا لا رأيًا قابلاً للجدل والنقاش. وقالتها سيرا بطريقتها الهادئة المعتادة التي لا تنطق بشيء إلا حين تكون متأكدة منه تمامًا ولا تتكلم في الشك. وذئبه قالها منذ اللحظة الأولى في الغابة حين رآها بين الأشجار الضخمة بعيون واثقة لا تعرف الخوف ولا التردد.

نهض من سريره ببطء مقصود وذهب إلى النافذة. وضع راحة يده الكبيرة على الزجاج البارد ونظر إلى الغابة المظلمة الصامتة أمامه. الأشجار الضخمة القديمة كانت صامتة بالطريقة التي تصمت بها حين تكون مستيقظة لا نائمة. يعرف هذا الفرق الدقيق منذ كان طفلاً صغيرًا يجلس مع أبيه على هذه النافذة نفسها في ليالٍ كثيرة يتعلّم فيها قراءة ما تقوله الأشجار بصمتها الثقيل المتأمل.

أعترف. قال الكلمة لنفسه في سره العميق الخاص. لنفسه فقط في هذه الغرفة المغلقة على ضوء القمر المتلاشي ببطء نحو الأفق الشرقي البعيد. أعترف أن ذئبي اختارها من اللحظة الأولى بلا تردد ولا تفكير. أعترف أن الرابطة موجودة وحقيقية وراسخة مثل الجذور تحت الأشجار. أعترف أنني أحاول إنكارها ودفعها بعيدًا منذ اليوم الأول وهي لا تختفي ولا تضعف لأن الرابطة لا تختفي بالإرادة المجردة ولا تُقتل بالتجاهل المتعمد مهما طال.

لكن الاعتراف لا يعني القبول الفوري والاندفاع العاطفي غير المحسوب. الاعتراف كان خطوة ضرورية لازمة ليتعامل مع الأمر بعقل واضح صافٍ لا بغريزة عمياء تقوده إلى حيث لا يريد. لأن من يرفض رؤية ما أمامه بوضوح يُدار من ورائه دون أن يدرك ذلك حتى يفوت الأوان. وراكان الأسود لا يُدار من وراء ظهره بأي شكل أو صورة أو طريقة.

تذكّر أباه في لحظة مماثلة حين كان في العاشرة من عمره. سأله ذات ليلة شتائية باردة: كيف تعرف يا أبي أن قرارًا ما صحيح حقًا؟ وأجابه أبوه بجملة بسيطة لم يفهمها كاملاً في وقتها: القرار الصحيح هو الذي تستطيع أن تنام بعده بهدوء وراحة، لا الذي تشعر بالراحة والارتياح قبله. والليلة، بعد سنوات طويلة من تلك المحادثة الصغيرة، فهم راكان أخيرًا ما قصده أبوه بعمق وصدق. لم يكن مرتاحًا الليلة ولا هادئًا في داخله، لكنه كان واثقًا من المسار الذي اختاره بوضوح: سيعرف من هي ليلى عمر بالكامل، بكل تفاصيلها وعوالمها وما تحمله من ماضٍ وحاضر، قبل أن يسمح لأي شيء آخر بالحدوث بينهما.

فكّر في فاطمة الفضية وما قرأه في مفكّرتها من كلمات كانت تحمل ثقل الوقت وألمه. في القرار الكبير الصعب الذي اتخذته وهي تحمل في بطنها طفلة لم تُولد بعد، تاركة كل ما عرفته وأحبّته وعاشت من أجله خلفها في ليلة واحدة باردة مظلمة. وفكّر في حفيدتها التي وصلت إلى هذه الغابة بكاميرا فوتوغرافية وملابس الثلج وعيون لا تعرف التراجع أمام أي شيء. الجدة هربت حمايةً لمن تحب. الحفيدة جاءت بحثًا عن الحقيقة. الجدة أخفت كل شيء من خوفها. الحفيدة تسأل عن كل شيء من شجاعتها. كأن القدر يُصحّح مساره ببطء هادئ عبر الأجيال المتعاقبة حتى يصل إلى ما أراده من البداية.

* * *

في الصباح أرسل نادر رسالة قصيرة لليلى: تعالي للمكتب بعد الإفطار مباشرة. جاءت في الموعد بدقيقة واحدة لا أكثر ولا أقل. جلست. ووضعت كاميرتها على حافة الطاولة بجانبها بالطريقة التي يضع بها الناس أشياءهم الثمينة القريبة من قلوبهم. وقبل أن يتكلم هو قالت بصوت مباشر واضح:

— أريد أن أتدرّب.

— ماذا تقصدين تحديدًا؟

— ما حدث بالأمس مع ريم في الحديقة. لم أفهم كيف حدث ذلك بالضبط ولا من أين جاء. وما لا أفهمه يُقلقني كثيرًا لأنني لا أستطيع التحكم فيه ولا التنبؤ به متى سيحدث مرة أخرى. إذا كان في داخلي شيء لا أعرفه، أريد أن أعرفه وأفهمه وأتحكم فيه أنا بإرادتي بدلاً من أن يتحكم هو فيّ في اللحظات التي لا أتوقعها.

— هذا طلب معقول جداً ومنطقي.

— أعرف أنه معقول. لذلك طلبته مباشرة دون تردد.

شيء صغير تحرّك في زاوية فمه، شيء يشبه الإعجاب الهادئ غير المُعلَن. — سأُرتّب لذلك. لكن بشرط واحد واضح ومحدد.

— أي شرط؟

— تبقين في المجمع طوعًا طالما التدريب مستمر. لا محاولات هروب ليلاً. لا اختبار للحدود في الليل أو في الفجر الباكر. — نظر إليها نظرة مباشرة هادئة وثابتة. — ليس أمرًا من أعلى لأسفل. اتفاق بين شخصين متساويين في الإرادة.

نظرت إليه ليلى بعيون تزن وتُقيّم بدقة. ثم مدّت يدها عبر الطاولة بثقة. — اتفاق.

أمسك يدها. ودفؤها انتقل إليه بسرعة لا تُفسَّر بأي قانون فيزيائي عادي معروف، دفء أعمق وأدفأ من دفء الجلد العادي. أفلت يدها بسرعة محكومة مقصودة، أسرع بقليل مما يبدو طبيعيًا تمامًا لشخص لا يأبه بهذا الأمر.

— نبدأ بعد الغد بيوم.

— لماذا ليس غدًا مباشرة؟

— لأنني بحاجة إلى يوم كامل أُهيّئ فيه الشخص المناسب الذي سيُدرّبكِ بالطريقة الصحيحة المناسبة لطبيعتكِ الخاصة. التدريب الخاطئ أسوأ بكثير من عدم التدريب أصلاً وقد يُربك أكثر مما يُفيد.

— ألن تُدرّبني أنت مباشرة؟

لحظة صمت واضحة أطول من اللازم بمقدار ملحوظ لكل من ينتبه. صمت من يزن كلماته بعناية فائقة قبل أن يُطلقها في الهواء. — بعض الأمور الهامة تُعلَّم بطريقة أفضل وأعمق من مسافة معينة تحفظ الوضوح والموضوعية لكلا الطرفين.

فهمت ليلى أنه لم يقصد ما يبدو أنه قاله على السطح. وفهمت أيضًا أنه يعرف تمامًا أنها فهمت ما قصده فعلاً. لم يُضف شيئًا. ولم تسأل. لكنها لاحظت حين خرجت من المكتب أن نفسها يتسارع بشكل خفيف لم تُخبر به أحدًا ولم تُسمّه حتى في سرّها الخاص.

* * *

في ذلك المساء جلست ليلى في غرفتها تُحاول ترتيب ما في رأسها من أفكار متشابكة. فتحت دفترها وكتبت بهدوء وبطء: لم أكن أبحث عن هذا كله حين دخلت الغابة تلك الليلة البعيدة. كنت أبحث عن صورة جيدة للقمر فقط، عن ضوء وظلال وصمت يملأ الإطار. لكن ربما هذا هو السبب الحقيقي بالضبط. الأشياء الحقيقية الكبيرة تجدنا حين نكون غير مستعدين لها تمامًا، حين لا تكون لدينا حواجز جاهزة مُعدَّة مسبقًا نبنيها لمنعها من الدخول إلى حياتنا.

أحد عشر يومًا حتى القمر الكامل. وما يحمله ذلك لا تعرفه بعد بشكل واضح كافٍ. لكنها، وللمرة الأولى الحقيقية منذ وصولها إلى هذا المكان الغريب الجميل، لم تشعر بالخوف من المجهول بالطريقة المألوفة الثقيلة. شعرت بشيء مختلف تمامًا، أقرب للاستعداد الهادئ الواثق من نفسه. كأنها بدأت تعرف بعمق أن ما ينتظرها، مهما كان حجمه وثقله، هو جزء منها لا غريب عنها جاء من مكان آخر

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أنياب القمر    الفصل الحادي عشر: الاعتراف

    الفصل الحادي عشرالاعترافلم يَنَم راكان تلك الليلة. جلس على حافة سريره في الظلام ويداه على ركبتيه، عيناه مفتوحتان على النافذة الواسعة التي لا ترى منها إلا الغابة الصامتة والقمر المائل ببطء نحو الأفق في رحلته الليلية المعتادة. الساعة كانت تقترب من الثالثة فجرًا والمجمع كله نائم بعيون مغلقة إلا هو. لم يكن هذا جديدًا عليه بالكامل، فقد اعتاد على ليالٍ طويلة بعيون مفتوحة وعقل يأبى الهدوء ويرفض الاستسلام للنوم، لكن هذه الليلة بالذات كانت الأثقل منذ أشهر طويلة مضت دون أن يشعر بمثلها.الصورة لم تتركه منذ أن عاد إلى غرفته في المساء: ليلى في الحديقة الداخلية، تلك الحركة التي خرجت من جسدها قبل أن يسبقها عقلها بلحظة كاملة. لم يكن مجرد مهارة مكتسبة من تدريب سابق أو ردّ فعل محسوب. كان شيئًا آخر أعمق وأقدم من أي تدريب، شيئًا يعرفه الذئب في داخله تمامًا وبوضوح بينما لا يجيد العقل البشري تسميته بكلمات واضحة ومقبولة. الدم لا يكذب أبدًا. قالتها فاطمة في مفكّرتها بأحرف واضحة وثابتة كأنها تكتب حكمًا نهائيًا لا رأيًا قابلاً للجدل والنقاش. وقالتها سيرا بطريقتها الهادئة المعتادة التي لا تنطق بشيء إلا حين تك

  • أنياب القمر    الفصل العاشر : التحدي

    الفصل العاشرالتحدياسمها كانت ريم.طويلة، ذات شعر أسود قصير وعيون عسلية ونظرة تعوّدت على أن تُزيح ما أمامها. واحدة من المقاتلات الأولى في القبيلة، تعرّفت عليها ليلى خلال الأيام الأولى من طرف نظراتها، النوع من النظرات التي تقيس وتحكم قبل أن تسأل.ريم لم تُخفِ رأيها. لم تقله بصوت عالٍ لكنها لم تُخفه أيضًا. تعبير وجهها حين تمر بليلى في الممر كان يقول: أنتِ لا تنتمين هنا.ليلى كانت تتجاهل. حتى الآن.* * *حدث الأمر في الحديقة الداخلية في منتصف الأسبوع الأول.كانت ليلى جالسة وحدها تحاول إعادة قراءة الصفحات التي دوّنتها من المفكّرة، حين جاءت ريم وجلست على الكرسي المقابل دون دعوة.نظرت ليلى إليها. انتظرت.— سمعتُ أنكِ قرأتِ مفكّرة فاطمة الفضية مع الملك. — قالت ريم مباشرة.— أخبار تتنقل بسرعة. — قالت ليلى.— في قبيلة الذئاب؟ بسرعة أكثر مما تتصورين. — ريم تضع ذراعيها على الطاولة. — ما الذي وجدتموه؟— هذا سؤال لراكان، ليس لي.— راكان لن يخبرني. لكنكِ لستِ راكان.— صحيح. لكنني لن أخبركِ أيضًا.نظرت ريم إليها بتلك العيون التي تقيس. — أنتِ لا تثقين بأحد هنا.— لا أثق بأحد لم يُعطني سببًا.— ومعقو

  • أنياب القمر    الفصل التاسع: الخيوط

    الفصل التاسعالخيوطجلسا على جانبي الطاولة الكبيرة في مكتب راكان والمفكّرة بينهما.الساعة كانت قبل الضحى بقليل، الضوء يدخل من النافذة الكبيرة بزاوية باردة، وكوبا قهوة يُبخّران في أطراف الطاولة لم يتجرّع منهما أحد بعد. قرّر راكان أن يقرأ بصوت عالٍ والمفكّرة في يده، وقرّرت ليلى أن تستمع وتكتب ما يلزم تدوينه في دفتر أعطاها إياه نادر.بدأ من الصفحة الأولى.— "أكتب هذا وأنا أعرف أنني قد لا أعود. ليس لأنني خائفة من الطريق، بل لأن ما عرفته يجعل العودة خطرًا على من أحبّ. القبيلة التي أحبّيتها وخدمتها ثلاثين عامًا تحمل في قلبها جرحًا لا تعرف عنه شيئًا، وأنا كنت أقرب الناس إلى ذلك الجرح دون أن أرى."توقف راكان. ليلى لاحظت أن قلمها توقف هي الأخرى.— تكمل؟ — قالت بهدوء.— نعم. — أكمل.* * *استغرقت القراءة أكثر من ساعتين. الترميز المتخلل للنص أبطأ الأمور، وفي مواضع عدة توقف راكان ليفكّر أو يُعيد قراءة رمز أكثر من مرة قبل أن يُعطيه معناه.ما تكشّف كان هذا:قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، وقبيل رحيل فاطمة بشهور، كانت القبيلة تشهد صراعًا خفيًا على السلطة. لم يكن أحد يعلم به علنًا، لكنه كان يدور في الظلام.

  • أنياب القمر    الفصل الثامن: الكتاب

    الفصل الثامنالكتابوجدت المفكّرة بالصدفة.أو هكذا ظنّت.كانت تُرتّب غرفتها في الصباح، تلك العادة التي لا تتركها حتى في الظروف الغريبة، حين لاحظت أن لوح الخشب الصغير في أسفل الخزانة لا يتسق مع باقي الألواح. اللون نفسه، الخشب نفسه، لكن زاوية واحدة فيه مرفوعة بمقدار لا يكاد يُرى.ضغطت عليها.اللوح انزلق.وفي الفراغ الصغير تحته كانت مفكّرة جلدية داكنة، رفيعة وصغيرة بحيث تدخل في جيب معطف، وعليها بالخارج حرفان: ف. ع.فاطمة. عمر.جلست على الأرض وهي تحمل المفكّرة بيدين ليستا ثابتتين تمامًا. جلد المفكّرة كان قديمًا، متشقق قليلاً في الأطراف، بالطريقة التي يكون فيها الجلد حين يمر عليه الوقت وأيدٍ كثيرة. أو يد واحدة كثيرًا.فتحتها.كان خط جدتها. لا شك. تلك الحروف المائلة قليلاً للأمام بضغطة قلم أقوى من اللازم، كأن الكاتبة تُريد أن تثبّت الكلمات في المكان كيلا تهرب.الصفحة الأولى كانت تاريخًا: قبل ثلاثة وثلاثين عامًا.وتحته سطر واحد:"إذا وجدتِ هذا يا بنيّة، فهذا يعني أنها أخيرًا وجدتكِ."* * *لم تستطع ليلى أن تُكمل القراءة وحدها.ليس لأنها لم تُرد. بل لأن المفكّرة كانت مكتوبة بطريقة يتناوب فيها

  • أنياب القمر    الفصل السابع: الهروب الاول

    الفصل السابعالهروب الأولفي اليوم الرابع، قرّرت ليلى أنها ستهرب.ليس لأنها خائفة، وليس لأنها لا تريد معرفة الحقيقة. لكن لأنها أدركت شيئًا حين استيقظت في الصباح وشاهدت الحارس الذي يقف دائمًا في نهاية الممر: أنها تستطيع قبول البقاء في مكان باختيارها، لكنها لا تستطيع قبول البقاء بغير اختيارها. الفرق دقيق لكنه يهمّها.أرادت أن تُجرّب. أرادت أن ترى ما سيحدث.خطّطت بهدوء. نادر لا يأتي إلا بعد الإفطار. الحراسة الليلية تُخفَّف قليلاً عند الفجر، هذا ما لاحظته من نافذتها. البوابة الرئيسية بها حارسان لكن الباب الخشبي الصغير في الجانب الشرقي من الحديقة يبدو أقل مراقبة. لم تتأكد. لكنها كانت ستعرف الآن.خرجت في الساعة الخامسة فجرًا. الهواء كان قارسًا وعرضها أنفاسًا مرئية. مشت ببطء متعمَّد كأنها تتجول لا تهرب. وصلت إلى الباب الخشبي. يدها على المقبض.مفتوح.أحسّت بنبضة إثارة في صدرها. دفعته وخرجت.الغابة كانت أمامها مباشرة، أشجارها الضخمة في ضوء الفجر الخافت تبدو كأعمدة معبد قديم. أخذت نفسًا عميقًا وبدأت تمشي.عشر خطوات. عشرون. خمسون.— إلى أين بالضبط؟توقفت.الصوت كان خلفها. منخفض. هادئ. لا غضب فيه

  • أنياب القمر    الفصل السادس: الرائحه

    الفصل السادسالرائحةراكان الأسود لم يكن يعاني من أشياء.هذه كانت الحقيقة المعروفة عنه في القبيلة: يحلّ المشكلات ولا يعاني منها. يرى التحدي ويواجهه. يشعر بالألم ويتجاوزه. لم يُرَ مترددًا. لم يُرَ مرتبكًا. ولم يُرَ في حالة كالتي هو فيها الآن: واقف في ممر القسم الغربي، متوقف تمامًا، لأن رائحتها كانت في الهواء.لم تكن هي هنا. كانت في الحديقة الداخلية مع نادر، يعرف ذلك. لكن رائحتها كانت قد عبرت هذا الممر قبل ساعة وتركت في الهواء شيئًا يشبه البصمة، خفية جدًا لدرجة أي إنسان ولا معظم الذئاب لن يشعر بها. لكنه ليس معظم الذئاب.رائحتها كانت... غير عادية.للذئاب طريقة مختلفة تمامًا في تجربة العالم من حولهم. الرائحة ليست مجرد معلومة، هي قصة كاملة. تخبرك عن صحة الشخص، عن مشاعره، عن ماضيه أحيانًا. ورائحة ليلى كانت تحكي قصة يتناقض أولها مع آخرها: رائحة بشرية واضحة، دافئة وأرضية، لكن تحتها، عميقًا جدًا بحيث يحتاج أن يركّز ليشعر بها، كان هناك شيء آخر. شيء يشبه رائحة الغابة في ليلة القمر الكامل. شيء يشبه القبيلة.الذئب في داخله يعرف ما هذا.العقل في داخله يرفضه.— سيادة الملك.التفت. كانت سيرا تقف على

  • أنياب القمر    الفصل الخامس: السجينه

    الفصل الخامسالسجينةفي اليوم الثالث، حاولت ليلى أن تُحدّد حدود سجنها.لم تكن تسميه سجنًا بصوت عالٍ. لكن حين تمشين في مكان وتعرفين أن أبوابًا معينة لن تُفتح لكِ، وطرقًا معينة ستجدين فيها دائمًا أحدًا يسير بجانبكِ دون أن يُسمَّى حارسًا، فهذا له اسم واحد مهما جمّلناه.بدأت من غرفتها. خرجت مبكرة قبل أ

  • أنياب القمر    الفصل الرابع: الملك

    الفصل الرابعالملكلم تطلب ليلى مقابلة راكان مرة ثانية. هو الذي طلبها.جاء نادر إلى غرفتها قبيل المغرب برسالة قصيرة: "العشاء. الغرفة الكبيرة. السابعة." لا اسم. لا توقيع. كأن مَن أرسلها يعرف أنه لا يحتاج إلى توقيع.وصلت ليلى في السابعة تمامًا، لا قبلها ولا بعدها، لأنها قرّرت ألا تُظهر لا الاستعجال و

  • أنياب القمر    الفصل الثالث: القبيله

    الفصل الثالثالقبيلةلم تكن ليلى قد رأت مكانًا كهذا من قبل.لم يكن مجمعًا بالمعنى المعماري الحديث، ولا قلعة بالمعنى الأثري. كان شيئًا بينهما، بنايات من الحجر الداكن الثقيل تتصل ببعضها عبر ممرات مسقوفة وساحات مفتوحة، تحيط بها الغابة من كل جانب كأنها تحضنها أو تسجنها، لم تستطع ليلى أن تقرر أيهما. أشج

  • أنياب القمر    الفصل الثاني: الاختفاء

    الفصل الثانيالاختفاءلم تكن الغرفة سجنًا.هذا ما قالته ليلى لنفسها وهي تنظر حولها في الصباح الباكر، بعد ليلة نامت فيها نومًا أعمق مما ينبغي لشخص في مكان غريب. الغرفة واسعة، جدرانها من الحجر الداكن المصقول، والسرير فيها أضخم مما تعوّدت عليه في شقتها الصغيرة. على الطاولة الخشبية إلى جانب النافذة كان

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status