LOGINإيطاليا | روما
الثاني من أكتوبر | الساعة الواحدة وثلاث وخمسون دقيقة صباحًا "ستعود... لن تعود... ستعود... لن تعود... ستعود... لن تعود..." ترددت تلك الهمسات بصوت هادئ بين جدران مكتب مظلم... ظلام تخلله ضوء الشاشة المثبتة على الجدار المقابل لمكتبه... شاشة مقسمة لمربعات كثيرة... جميعها تنقل بثًا مباشرًا لزوايا مختلفة من ذلك المنزل... لكن الزاوية الوحيدة التي وقعت عليها عينيه هي الزاوية التي تحتوي على صورتها، وهي منكبة على مكتبها تذاكر بتركيز تام... غير مدركة لما يدور حولها... أو من يراقبها... "ستعود... لن تعود... ستعود... لن تعود..." ترددت تلك الهمسات، وتزامنًا مع كل همسة كانت إحدى بتلات زهرة الأقحوان البيضاء تسقط على المكتب... إنها الزهرة الثالثة، والنتيجة لم تتغير... انعقد حاجباه بانزعاج، وسحق الزهرة بين أصابعه، قابضًا على يده بعصبية، فيما ينقل عينيه من شاشة كاميرات المراقبة إلى شاشة الحاسوب المتربع أمامه على المكتب، مفتوحًا على تلك المدونة التي أدمن تأملها منذ 7 سنوات... تعلقت عيناه على تعليقه الذي بقي معلقًا دون رد... "لن تعود؟..." همس تلك الكلمات لنفسه وقد ارتفع طرف شفته في ابتسامة لا توحي بشيء غير الشر، قبل أن يفتح قبضته تاركًا الزهرة المسحوقة تسقط على الأرض، فيما يردف "وكأن هذا خيار متاح لك أصلًا..." ~ ~ ~ الثاني من أكتوبر | الساعة السادسة واثنتان وعشرون دقيقة صباحًا فرنسا | باريس "أمي... أمي أرجوكِ افتحي الباب... أمي أنا أتوسلُك... أرجوكِ افتحي الباب أنا خائفة... أمي أرجوكِ افتحي الباب!" صدى توسلاتي الباكية... أصوات طرقي العنيف على الباب إلى أن نزفت يدي... وصوت نباح تلك الكلاب الهائجة... "افتحي الباب يا أماليا!" اختلط صدى ذلك الحلم بصوتها في الصباح الباكر... فتحت عيني على مصرعيهما بشهقة مذعورة... رفعت رأسي عن المكتب أحدق في الغرفة حولي محاولة تذكّر أين أنا إلى أن استوعبت أني نمت على مكتبي... "أماليا ستتأخرين يا فتاة، أما زلتِ نائمة؟" نظرت ناحية الباب ولم أستطع الكلام... كأن هناك أسلاكًا ملفوفة حول حلقي... ظللت أحدّق في الباب بعينين محمرّتين... ما أيقظني هو نبرتها التي بدأت تتخذ منحى غاضبًا، عندها استنشقت بقوة ومسحت عبراتي قبل أن أرد بصوت حاولت جعله طبيعيًا قدر الإمكان "لقد استيقظت يا أمي... أنا أغيّر ملابسي، سأنزل خلال لحظات." توقفت عن الطرق بعد كلماتي. "حسنًا، لا تتأخري عزيزتي." تحدثت بنبرة هادئة فجأة... ألم أقل ذلك سابقًا؟ مزاجها متقلب أكثر من الطقس في شمال إفريقيا. غطيت وجهي بكفي ثم مررتهما على شعري وأنا أطلق زفيرًا مرتجفًا. "يا إلهي... مجرد كابوس... لكني كدت أصاب بسكتة قلبية لو لم أستيقظ." هززت رأسي ونهضت بسرعة لأجهّز نفسي لأنني بالفعل تأخرت... ورغم أني تجاوزت موضوع الحلم ذلك الصباح بسبب الانشغال بالاستعداد للشفاهي مع بعض من أساتذتي في الجامعة، إلا أن الأمر واصل ملاحقتي طوال اليوم لدرجة منعتني من التركيز... لم أركز على أي محاضرة طوال اليوم... جوليان كان يحاول إضحاكي خلال جلسات المذاكرة مع أحد أساتذة الجامعة، وبسبب ذلك وبّخنا الأستاذ قائلًا إن علينا التركيز على النجاح بدل المواعدة... لم يكن التوبيخ مخيفًا... بل كان مضحكًا بطريقة ما. ولا يمكنني الكذب... بدأت أحب أجواء المواعدة تلك... أو بالأحرى كنت أحبها، إلى أن قدمني جوليان لأصدقائه... الثاني من أكتوبر | الساعة السابعة وتسع عشرة دقيقة مساءً فرنسا | باريس كان ذلك في نفس اليوم... لاحظ جوليان إرهاقي فاقترح التسكّع قليلًا بعد مغادرة الجامعة، وقال إنه سيأخذني إلى أكثر مكان يحبه والذي كان عبارة عن نادٍ شبابي خاص به وبأصدقائه، كان المكان كبيرًا وفخمًا من الداخل بغرف سينما وألعاب كبيرة، وبار وغرف بلياردو وبينغ بونغ ومسبح، حتى إنه كان هناك قاعة ملاكمة... أخذني في جولة طويلة في المكان وكان طوال الوقت يحدثني عن الوقت الذي قضاه هنا منذ الثانوية، وفي النهاية وصلنا إلى الغرفة الأفخم في المبنى... غرفة الكازينو، والتي كانت ببساطة عبارة عن كازينو مصغر لكنه فخم، تحتوي على طاولات روليت وبلاك جاك، كراسي جلدية مريحة، وأضواء خافتة، مع بار صغير في الركن... فور دخولنا اعترضنا صوت رقاقات الروليت وضحك بعض الشباب يملأ المكان... أولئك الشباب هم أصدقاء جوليان منذ الثانوية... وقد كانوا... حسنًا، فلنقل إنهم لم يكونوا مشابهين لجوليان أبدًا. صاخبون، مزعجون، وقحون وتفوح منهم رائحة السجائر... تلك هي الكلمات الوحيدة التي يمكنني أن أصفهم بها... "جوليان، لماذا تتسكع مع مجموعة حثالة؟" تمتمت قبل أن أتمكن من التفكير فيما قلته، بينما أحدّق في الفتيان الثلاثة الجالسين في المقاعد الجلدية المقابلة لمقعدي وقد كانوا منهمكين في اللعب... المعذرة أقصد القمار... أظن أن ذلك كان أول تعليق صريح يتلقاه مني جوليان مما جعله يرفع عينيه عن بطاقاته ويحدّق بي بصدمة قبل أن ينفجر ضاحكًا ويفرك شعري مبعثرًا إياه بعبث. "أخبرتكم أنها مميزة." تمتم بين ضحكاته، في حين التفت أحد الفتيان وحدّق في وجهي بحاجب مرفوع وتمتم "من أين حصلت عليها يا رجل؟ إنها وقحة." "لم تكن وقحة حتى رأت وجهك أيها اللعين." ردّ جوليان بينما يحيط يده حول كتفي ويسحبني نحوه ليعانقني ويحدّق في الفتى بحدة ويتمتم بينما ينزل ورقة أخرى من أوراق اللعب خاصته "أماليا خاصتي ملاك، لا تجرؤ على نعتها بالوقحة." "خائن... إنه يتخلى عنا لمجرد حصوله على حبيبة..." تمتم الولد بينما يصفع كتف رفيقه، ليدحرج الآخر عينيه ويردف بينما ينزل ورقة اللعب خاصته تاليًا "ستنفصل عنه قريبًا، وعندها سيعود إلينا مثل الكلب." "من تنعت بالكلب أيها اللعين؟" تمتم جوليان بينما يركله من تحت الطاولة بما أن إحدى يديه كانت تحمل البطاقات والأخرى كانت مشغولة بمعانقتي. "من تنعت باللعين؟ هل نسيت من الأكبر بيننا؟" تمتم الفتى بينما جوليان، ومجددًا لم أفكر قبل التحرك وركلته من تحت الطاولة أيضًا بينما أتمتم "لا تتمادى." "ما هذا بحق الجحيم يا جوليان؟ من أين أحضرت هذه العاهرة؟" تمتم الفتى بألم وهو يتفحص رجله ويواصل إلقاء الشتائم علي، في حين انفجر جوليان ضاحكًا مجددًا وقد فكّ عناقي، ليمسك بطنه بينما يضحك. "جوليان جديًا... هل يمكنني أن أضربه؟" تمتمت بينما أتبادل نظرات قاتلة مع ذلك الفتى. "أجل، مسموح لكِ بفعل ما تريدينه يا عزيزتي." نطق بين ضحكاته بينما يمسح دمعة من طرف عينه، فحوّلتُ عيني للفتى وابتسمت وأنا أُطقطق أصابعي بينما أتمتم "إنها فرصة مثالية للاستفادة من دروس التيكواندو." بادلني الفتى التحديق بنظرات تحدٍ بينما يطقطق أصابعه أيضًا، واستمرت حرب التحديق بيننا وقبل أن يتحرك أي أحد منا انفجرت ضحكات جوليان في المكان إلى أن دمعت عيناه، فجففها وأحاط يده حول خصري يسحبني نحوه على المقعد الجلدي بينما تخفّ نوبة ضحكه ليهمس "أنتِ شيء ما حقًا يا صغيرة، صحيح؟" همس كلماته بابتسامة لعوبة، وقبل أن أستوعب الأمر كانت شفتاه على خدي، طبع هناك قبلة عميقة قبل أن يتراجع يحدق في عيني بتلك النظرة التي جعلتني أرتبك. "لا تكفّين عن مفاجأتي أبدًا." تلك الهمسة القريبة، والقبلة العميقة على خدي، ويده المحكمة على خصري... كان ذلك أشبه بصدمة جعلتني أتجمّد مكاني أحدّق في عينيه، فبادلني التحديق بنظرات شاردة... "أععععع أنتما مقرفان حقًا! هيا دعونا نذهب. هذا الفتى تم إفساده فعلًا!" أخيرًا انقطع التواصل البصري بصرخة صديقه الذي ألقى أوراق لعبه على الطاولة بعصبية ثم نهض ليلحق به باقي الفتيان، فدحرج جوليان عينيه وتمتم "اذهب للجحيم أيها الحاسد." "هل هم غاضبون؟" تمتمت وأنا أرفع عيني له ثم أحدّق في الفتيان وهم يغادرون. "غاضبون؟ بل سينسون الأمر برمته بعد أقل من نصف ساعة لعب." تمتم بينما يتراجع أخيرًا مفلتًا خصري ليمرر أصابعه على خدي قبل أن يبعد خصلة من شعري عن خدي ويبتسم بهدوء مردفًا "هل عليّ أن أوصلكِ للمنزل؟" ومع تلك الكلمات أومأت له، وخرجنا من ذلك النادي الخاص وواصلنا التمشي بخطوات متمهلة ويد جوليان لم تفلت يدي للحظة... "إذن... لماذا تتسكع مع مجموعة من الحمقى؟" تمتمت بينما أسير بجانبه وأتأمل الطريق أمامي، فصمت للحظات وردّ أخيرًا "حسنًا إنهم مجموعة من الحمقى حقًا... لكنهم رفاقي منذ وقت طويل." "إذن هم عزيزون." "يمكنكِ قول ذلك... كنت أعرفهم أيام ثانوية لويس الكبير." توقفت عن السير عند تلك الكلمات ونظرت إليه بصدمة بينما أرمش عدة مرات. "هل كنت طالبًا في ثانوية لويس؟" "أجل درست هناك لسنتين قبل أن أنتقل إلى ثانوية هنري الرابع في سنتي الأخيرة، وقد كنت معك في نفس الصف ألم تلاحظي ذلك؟" نطق بتعجب وهو يحدق بي بحاجب مرفوع. "ليس حقًا..." "جديا؟؟ لقد كنت أشهر طالب في المدرسة!" تمتم بدرامية كما لو تم جرح غروره للتو فهززت رأسي بقلة حيلة قبل أن أردف "لكن لماذا تم نقلك؟ أليست ثانوية لويس حلم أغلب الطلاب؟" سكت جوليان عند ذلك السؤال وهرب بعينيه بعيدًا بينما يفرك مؤخرة عنقه ويتمتم "إنه أمر معقد بعض الشيء... انسي الأمر. هيا، دعينا نسرع. ستقلق والدتك إن تأخرتِ." نطق كلماته وهو يتحرك أمامي مسرعًا بخطواته، فحدقت في ظهره بصمت للحظات قبل أن ألحقه. وطوال ما تبقى من الطريق كان جوليان يحافظ على مسافة جيدة بيني وبينه، ولم تفارق يده جيوب سرواله. بعد إيصالي للمنزل ودّعني بوجه جامد وغادر... لقد كان شارد الذهن منذ ذكري لأمر ثانوية لويس، وقد بدا ذلك غريبًا بطريقة لم أستطع تجاهلها. يتبع...منزل ديلورينتس | غرفة أوغست "هل شرحت لهما الخطة جيدًا؟... حسنًا... جيد... تأكد من تذكيرهما بخصوص الهويات المزيفة، عليهما أن يحفظا أدوارهما جيدًا، لذا..." خرج صوته بنبرة متعبة وهو يفك ربطة عنقه، يلقيها بعبثية على الأريكة في زاوية غرفته، فقاطعه صوت دانتي من الجهة الأخرى "استرخِ ابن أمي، نحن نتولى الأمور من هنا..." أطلق زفرة متعبة بينما يمرر أصابعه في خصلاته الداكنة، وقد سمع دانتي تلك الزفرة وعلم أن هناك خطبًا ما، فتمتم "لا تنفخ في وجهي كالتنين هكذا، يمكنك التحدث عن الأمر وحسب... هيا قل ما لديك وخلصني" "سيادة النائب العام يريدني أن أتزوج من سيسيليا لإصلاح العلاقة بين عائلتي دي لورنتيس والأكاردي، لاعتقاده أن هذا سيحسن حالة فكتوريا ويخرجها من اكتئابها." هكذا فقط نطقها أوغست دون مقدمات، منزلًا ذلك الخبر كالصاعقة على دانتي الذي سكت للحظات من شدة صدمته، قبل أن يطلق ضحكة عالية كادت تثقب طبلة أوغست، ليدحرج عينيه ويتمتم "لقد كان علي إغلاق الخط بدل إخبارك." ألقى الهاتف على الفراش بعد أن وضعه على مكبر الصوت، ليكمل فك أزرار قميصه، فيما أخذ دانتي وقته في الضحك قبل أن يردف بغير تصديق "لا بد
كانت إيلودي من تحدثت بسخرية، مستخرجة ضحكة خافتة من أماليا التي دحرجت عينيها بدرامية وردت "لا تقلق يا عزيزي روميو، لا أحد يمكنه منافستك في حبي." "كنت أعلم أنكِ وفية يا جولييت خاصتي، إذا خنتني سأشرب السم ها!" وفقط عند سماعها ذاك الرد أفلتت منها ضحكة أخرى وهي تعبث بخصلات شعرها بأصابعها وتردف بنفس السخرية "سأشرب السم وأموت بعدك لأنني لا أستطيع العيش دون حبك..." تزامن نطقها لتلك الكلمات مع انفجار إيلودي ضاحكة من الجهة الأخرى، فضحكت أماليا أيضًا بصوت عالٍ، وفي نفس اللحظة دخلت سيسي الغرفة. ولم تسمع المحادثة من بدايتها، كل ما سمعته هو الجملة الأخيرة، ولم تفكر كثيرًا قبل أن تأخذ الهاتف من يد أماليا وتنطق بحدة "من الوغد الذي ستقتلين نفسك لأجله ها؟! هل تظنين أن هناك رجلًا في هذا العالم يستحق أن تحزني من أجله لهذه الدرجة!!! أماليا، حياتك أثمن من أن تضعيها بين يدي رجل لا يعرف قيمتك!" رمشت أماليا عدة مرات وحدقت في سيسي بارتباك، عندها فقط أتى صوت إيلودي من خلال الهاتف "اهدئي يا فتاة، أنا صديقتها ولست حبيبها، لقد كنا نمزح فحسب." لقد كانت إيلودي لا تزال على الخط وسمعت كلام سيسي، لذ
غرفة المستشفى: "إيلودي، اهدئي، أنا بخير حسنًا... أنا كنت فحسب..." ترددت كلماتها بصوت مهزوز وهي تمسك الهاتف فيما تريح رأسها للخلف على الوسائد، مغمضة عينيها، فيما تصغي لسيل الشتائم الذي تدفق عبر الهاتف بصوت إيلودي التي تستشيط غضبًا... أجل... لقد كشفت جميع أكاذيبها في لحظة واحدة... والآن إيلودي باتت تعلم أنها ليست في منزل عمها. "ما الذي تقصدينه بحق الجحيم؟؟ اهدئي؟؟ كيف تريدينني أن أهدأ؟؟ أتصل بك مليون مرة في اليوم ولا تردين، وعندما يُرفع الخط أخيرًا أتلقى ردًا من المسعفين يقولون فيه إن صاحبة هذا الهاتف نائمة في المستشفى؟؟ أخبريني ما الذي حصل يا أماليا وإلا أقسم أنني لن أنتظر حتى تشرق الشمس لأسرق سيارة إدوارد وأتوجه إلى المطار." "حسنًا حسنًا، اهدئي، لا داعي لذلك، أخبرتك أنا بخير أقسم." "لا، لستِ كذلك! إن كنتِ بخير لما كنتِ ستكذبين يا أماليا. أنتِ لم تذهبي لمنزل عمك؟ لقد سألت والدتك وقالت إن عمك ليس في إيطاليا حاليًا أصلًا!" عند تلك الكلمات أطلقت أماليا زفرة متعبة ومررت يدها على وجهها قبل أن تهمس: "إيلودي، أرجوكِ اهدئي، سأشرح لكِ كل شيء... أنا فقط..." توقفت الكلمات في ح
"سأجد حلًا لأمر الزواج أيضا، لذا تخلّي عن فكرة الحبيبة المزيفة هذه، حسنًا؟" نطق اوغست بحزم وهو يرمق سيسي بنظرة لا تقبل النقاش "ولكن هذه هي الطريقة الوحيدة... أوغست، لا يمكنني أن أتزوج الآن لذلك عليك فعل هذا، إن أخبرتهم أن لديك حبيبة سينتهي أمر الزواج." "والحل برأيك هو توريط صديقتك أو أيا من تكون تلك الفتاة في هذا الأمر؟" رغم أن نبرته لم تقل حزمًا، إلا أن صوته كان أكثر هدوءًا هذه المرة. عندها ترددت سيسي قليلًا قبل أن تردف بإصرار: "دع أمر أماليا لي... أ-أنا سوف أقنعها، أقسم يا أوغست." "لا! إياك وفتح هذا الموضوع معها حتى." "لكن..." "سيسي!! انتهى، أغلقي الموضوع... عودي إلى غرفة صديقتك وارتاحي قليلًا، أنا سأغادر." نطق بنبرة حازمة قاطعة رغم هدوئها، قبل أن يطبطب على كتفها برفق ثم يتجاوزها ليتقدم نحو باب الحمام ويضع يده على المقبض. "ما زلت عند كلمتي، ابنك سيعود إلى حضنك، وسنجد الفاعل مهما كلف الأمر..." وفقط مع تلك الكلمات فتح باب الحمام وخرج، ولكنه توقف عندما وجد أمامه إيغور... لقد كان يقف هناك... على الأغلب أنه سمع كل ما دار بينهما... للحظات ظل كل منهما يحدق في الآخر... أوغس
"أوغست... هل أنت بخير؟" همست سيسي بنبرة قلقة، ولكن بمجرد لمسها ليده حتى سحبها بسرعة ورفع يده في وجهها ورد بنبرة واهنة بينما يستند على الجدار: "أنا بخير." خرجت كلماته ثقيلة من بين شفتيه، مرفوقة بأنفاس حادة لا تخبر أبدًا أنه بخير... بل على العكس تمامًا... لقد كان يشعر بانقباض في صدره وتسارع في نبضه فجأة، فيما استند على جدار الحمام يواجهها بظهره لإخفاء ملامح وجهه التي شحبت للحظات، فيما يغمض عينيه بقوة ويده الأخرى تضغط مكان قلبه، وقد كان يسمع صوت صفير حاد في أذنه... أخذ الأمر بضع لحظات من الألم والتنفس الخافت قبل أن يخرج صوته أخشَن دون أن يلتفت لها أو يرفع رأسه: "كيف عرفتِ؟ هل أنتِ متأكدة أنه ابنك؟" نطق كلماته وهو لا يزال بنفس الوضع مستندًا على الجدار يواجهها بظهره، وقد خف الألم، فمرر يده على وجهه بينما راقبته سيسي بقلق قبل أن تجيب بتردد: "لقد... لقد رأيته... كان نسخة مصغرة من إيغور... وقد ناداني أمي... ونادى إيغور أبي..." ارتجف صوتها مع الكلمة الأخيرة، لكنها سرعان ما حمحمت تستعيد ثبات نبرتها قبل أن تردف: "و... لديه حبة الفراولة..." "حبة فراولة؟" نطق بينما يستدير أخيرًا ليرمقه
أمام باب غرفة المستشفى أغلق باب الغرفة بعد أن خرج منها، وقد كان يزفر بتعب وانزعاج من كل الأحداث التي حصلت معه اليوم... إلى أن رفع رأسه ليجد إيغور واقفًا أمامه مستندًا على الجدار وعاقدًا يديه أمام صدره. "دانتي ونعرف أنه لن يحضر أي عشاء مع والدك حتى إن كان العالم على وشك الانتهاء، لكن ماذا عنك أنت؟... لِمَ لم تحضر للعشاء طالما أنك هنا..." نطق إيغور دون مقدمات، جاعلًا أوغست يتوقف مكانه للحظات ويرمقه بحاجب مرفوع ونظرة تقول: هل أنت جاد؟ لكنه سرعان ما تذكر احتمالية زواجه من سيسي... التي تكون طليقة إيغور... عندها فهم سبب تلك النظرة على وجه إيغور، فتنهد بقلة حيلة وتقدم نحو المقاعد رادًا بهدوء: "لقد وصلت إلى روما قبل قليل... كنت في طريقي إلى منزل سيسي لكن وجدت هذه الكارثة." جلس على المقاعد وأراح مرفقيه على ركبتيه ومرر يديه على وجهه قبل أن يتمتم بتعب: "يبدو أن العالم بأكمله اتفق على أن اليوم هو اليوم العالمي لدفع أوغست نحو حافة الجنون." كان يتحدث لنفسه تقريبًا، لكن مع ذلك نظرات إيغور لم تقل حدة... لقد كان يحدق في أوغست بنظرات قاتلة ولم يحاول حتى إخفاء ذلك، بل على الأغلب أنه تعمد إظهار