Masukالفصل الثالث: أسرار خلف الأسوار
كانت أنفاس "عاصم" الحارة الملتصقة بعنقها كفيلة بإفقادها آخر ما تبقى لها من ثبات. ظلت "فرح" مشدوهة، نظراتها متسمرة في عينيه اللتين تلمعان بخليط حارق من العشق المريض والتملك المطلق. كانت الغرفة الفسيحة، المزينة بأفخر أنواع الأثاث والمغطاة بورود حمراء يفوح عبقها الذكي، تبدو في نظرتها وكأنها زنزانة ذكية مُعدّة بعناية فائقة؛ زنزانة لا تحيط بها قضبان من حديد، بل أحضان رجل لا يعرف كلمة مستحيل ولا يقبل بالرفض. تراجعت فرح لجزء من المليمتر على حافة السرير الوفير، محاولة بشتى الطرق خلق أي مساحة أمان بينهما، لكن عاصم لم يمنحها تلك الفرصة الذهبية. بلمحة عين، انحنى وجثا على ركبتيه أمامها على الأرض، متجاهلاً كبرياءه ورتبته ونفوذه القاتل، ليضع يديه الكبيرتين فوق ركبتيها المرتجفتين، ثم أمال رأسه ودفن وجهه في حضنها، متنشقاً عبير شعرها بحرقة شديدة وجنون جعلاها تجمد في مكانها كالصنم. "عاصم... أرجوك، ابتعد عني قليلاً!".. قالتها بصوت بحّ من شدة القلق، بينما أيدها المعلقة في الهواء ترغب في دفعه بعيداً، لكن خوفها من رده فعله المفاجئة كان يكبّلها. رفع عاصم رأسه ببطء شديد، لتلتقي عيناه المحمرتان بعينيها الخائفتين. لم تكن في نظراته أي رحمة بالمعنى التقليدي، بل كان هناك هوس صريح يجاهر به دون خجل: "أبتعد؟ كيف يبتعد الجسد عن الروح يا فرح؟ أنتِ لا تفهمين بعد حجم العاصفة التي تجتاحني كلما نظرتُ إليكِ. لقد انتضرتُ هذه الليلة لسنوات طويلة... سنوات وأنا أراقبكِ من بعيد، أعدّ أنفاسكِ، أعرف خطواتكِ، وأحرق بنار الغيرة من كل رجل يمر بجواركِ بالصدفة! هل تظنين أن قصة أخيكِ كانت مجرد حادثة عابرة؟" اتسعت عينا فرح بشدة، واندفعت حرارة الغضب في عروقها لتغطي على الخوف مؤقتاً، فتحدثت بنبرة حادة ومرتفعة: "ماذا تقصد؟! هل تريد أن تقول أنك أنت من دبرت تلك التهمة الشنعاء لزياد؟ هل وصلت قسوتك إلى تدنيس حياة فتى بيكر لم يفعل لك شيئاً فقط لتلوي ذراعي وتجبرني على الجريء إليك؟" ابتسم عاصم ابتسامة ساحرة ومظلمة، يكتنفها غموض مستفز، ثم قام ببطء واستقام في وقفته الشاهقة، واضعاً يديه في جيبي بنطاله وناظراً إليها من الأعلى كملك يسيطر على رعيته: "لا يهم من دبر ومن نفذ يا ملكتي الرقيقة... المهم هو النتيجة التي بين أيدينا الآن. النتيجة هي أنكِ هنا، في بيتي، وعلى عرشي، وتحت حمايتي وفي عريني. لو كان الثمن أن أشتري العالم بأكمله أو أدمره لتبقي بجانبي، لفعلت ذلك دون أن يطرف لي جفن واحد. حبكِ لم يعد اختياراً لي يا فرح، لقد أصبح مرضاً ملعوناً يتغلغل في دمي، وأنا لا أريد الشفاء منه أبداً!" اقترب منها مجدداً، ولمس وجنتها بأطراف أصابعه بحنان مفرط يناقض تماماً كلماته القاسية المرعبة، فاستكانت فرح رغماً عنها تحت تلك اللمسة الدافئة التي تثير في داخلها مشاعر متضاربة؛ مشاعر كره شديد لتسلطه، ورغبة غريبة في الارتماء في حضنه والهروب من كل هذا العالم الموحش. وفي تلك اللحظة بالذات، وسط هذا التوتر العاطفي الملتصق والمتفجر، طُرِق باب الجناح الرئيسي بقوة وإلحاح شديدين غير معتادين في قصر يخشى الجميع فيه مجرد رفع الصوت. قطم عاصم حاجيبه بغضب جارف، والتفت نحو الباب كأنه أفقده أحدهم أثمن لحظات حياته، وصاح بصوت رعدي هز أركان الغرفة: "من المعتوه الذي يجرؤ على إزعاجي في هذه الليلة؟! ألم أمنح أوامر صارمة بعدم الاقتراب من هذا الطابق نهائياً؟!" جاءه صوت مساعده الشخصي "مروان" من خلف الباب الموصد، وكان الصوت يرتجف خوفاً وتوتراً غير مسبوقين: "عفواً يا عاصم بيك... بعتذر جداً على المقاطعة، لكن الأمر خطير للغاية ولا يحتمل التأجيل لدقيقة واحدة! ملفات الشركة السرية تم تسريبها للصحافة للتو، والسيد "رفعت الشاذلي"... والد الأنسة فرح... واقف أسفل القصر ومعه قوة من الشرطة يطالب ببدء تحقيق فوراً!" تلقّت فرح الكلمات كالصاعقة التي ضربت رأسها، فشهقت بقوة وقفت على قدميها مسرعة وهي تمسك بطرف فستانها الثقيل، بينما تحولت ملامح عاصم في لحظة واحدة من العاشق الولوع إلى الشيطان الثائر. نظر عاصم إلى فرح بنظرة حادة كالسيف، ناصعة بالشك والغضب، واقترب منها بظلال مرعبة تخيم على وجهه وسألها بصوت خفيض ينذر بوقوع كارثة: "والدكِ؟ ومعه الشرطة لتفتيش قصري في ليلة زفافنا؟ وتسريب ملفاتي في نفس التوقيت؟... هل كنتِ تلعبين بي يا فرح؟ هل كانت دموعكِ ونظراتكِ الخائفة مجرد مسرحية رخيصة لتستدرجيني حتى تكتمل الخطة؟" هزت فرح رأسها بنفي هستيري والدموع تتدفق من عينيها كالنهر: "أقسم لك يا عاصم أنني لا أعرف شيئاً عن هذا! أبي؟ كيف لوالدي أن يأتي ومعه الشرطة؟ أنا لم أتحدث مع أحد منذ أن أخذتني من القاعة!" قبض عاصم على كتفيها بقوة وجذبها إليه بشدة حتى تصادمت أجسادهما، وجعل عينيه الغاضبتين تغوصان في عينينها الباكيتين، ثم همس بنبرة حارقة يختلط فيها الحب المجنون بالغدر القاتل: "إن كنتِ بريئة... سأحمي والدكِ وأحميكِ من العالم أجمع وسألتهم من يحاول أذيتك. أما إن اكتشفتُ أنكِ شريكة في هذه الخديعة لتدميري... أقسم لكِ بدمائي، ستحول ليلتنا هذه إلى أبديّة من الجحيم، ولن يخلصكِ مني أحد، لأنكِ أعدتِ إيقاظ الوحش الذي حاول حبسه لأجلكِ!" طبع قبلة قاسية وساخنة على جبهتها المبتلة بالدموع، قبلة حملت كل معاني التملك والوعيد، ثم تركها فجأة واستدار بجهامة متوجهاً نحو الباب، ليفتحه ويخرج مسرعاً مخلفاً وراءه فرح التي سقطت على الأرض تجش بالبكاء، ممزقة بين خوفها على والدها، وبين ذلك الحب السام والملعون الذي بدأ يستولي على روحها وجسدها رغماً عنها.الفصل السابع والأربعون: الطفل الذي عاد من الظلامانطفأ الضوء تمامًا.لم يعد أحد يرى شيئًا.لكن صوت أنفاسهم المتلاحقة كان يملأ الجناح، يتخلله صوت بكاء الطفل القادم من الغرفة السرية.ظلت فرح واقفة مكانها، ويدها تقبض على المفتاح الصغير.ثلاثة أطفال.ثلاثة أسماء.وشخص واحد فقط يعرف الحقيقة كاملة.عاصم.كان بإمكانها أن تسأله، أن تصرخ في وجهه، أن تطالبه بإجابة واحدة صادقة.لكنها لم تفعل.لأنها سمعت صوته أخيرًا.صوتًا منخفضًا، خرج منه اسم لم تسمعه من قبل.«آدم...»توقف بكاء الطفل للحظة.ثم جاء الرد من خلف الباب:«عاصم؟»تجمدت فرح.أما ليان، فوضعت يدها على فمها، وكأنها سمعت صوتًا عاد من قبر بعيد.قال عصام بصوت مضطرب:«إنت قلت إيه؟»لم يجبه عاصم.كان واقفًا أمام الباب السري، وعيناه معلقتان بالظلام خلفه.عاد صوت الطفل.«إنت وعدتني إنك هترجع.»أغمض عاصم عينيه.«أنا رجعت يا آدم.»ثم ساد الصمت.لم تتحمل فرح أكثر من ذلك.أمسكت بذراع عاصم وأدارته نحوها.«مين آدم؟»لم يجب.هزته بعنف.«بص لي وأنا بكلمك! مين الطفل اللي جوه؟»فتح عينيه أخيرًا.وكان في نظرته شيء لم تره من قبل.لم يكن خوفًا على نفسه.بل خ
الفصل السادس والأربعون: الاسم الذي سُرقلم تنم فرح تلك الليلة.ظلت جالسة أمام النافذة، والسوار الصغير بين أصابعها، بينما تتردد كلمات ليان داخل رأسها."إنتِ ليه خرجتي باسمي؟"لم تكن تعرف كم مرة أعادت السؤال على نفسها.هل عاشت تسعة عشر عامًا باسم ليس اسمها؟هل كانت ذكرياتها حقيقية؟وهل الرجل الذي أحبته، ووثقت به، كان يعرف منذ البداية أن حياتها مبنية على كذبة؟أغمضت عينيها.لكنها لم تستطع الهرب من صورة الطفلتين.طفلة ترتدي الأبيض.وأخرى ترتدي الأزرق.كلتاهما أمام المستشفى في الرابع من فبراير عام 2005.وكلتاهما تحمل سرًا لم يعد أحد قادرًا على دفنه.---في الثامنة صباحًا، رن هاتف فرح.كانت رسالة من رقم مجهول.فتحتها ببطء."لو عايزة تعرفي اسمك الحقيقي، تعالي لوحدك للمكان اللي اتولدتي فيه للمرة التانية."وتحت الرسالة عنوان قديم.عنوان المستشفى الذي اختفت فيه ليان.تجمدت أصابعها حول الهاتف.لم تمر سوى ثوانٍ حتى وصلت رسالة أخرى."ماتثقيش في عاصم. المرة دي مش هيقدر ينقذك."أغلقت فرح الشاشة.ثم نهضت من مكانها، وبدأت ترتدي ملابسها.لم تكن تنوي الذهاب وحدها.لكنها أيضًا لم تكن تنوي إخبار عاصم.ليس
الفصل الخامس والأربعون: الطفلة التي عادتساد الظلام.لم تتحرك فرح.كان السوار الصغير لا يزال بين أصابعها، واسم ليان المحفور عليه يبدو وكأنه يطاردها حتى في العتمة.أما الهمسة التي سمعتها منذ لحظات...فلم تكن مجرد تهديد.كانت بداية شيء لم تفهمه بعد.قالت فرح بصوت مرتجف:"عاصم... إنت فين؟"جاءها صوته من الجهة المقابلة:"أنا هنا. ماتتحركيش."لكنها لم تستمع إليه.مدت يدها أمامها، تتحسس الطريق، حتى اصطدمت أصابعها بشيء بارد.ثم شعرت بيد تمسك بمعصمها.انتفضت بعنف."ابعد عني!"قال الصوت بالقرب منها:"فرح، أنا عاصم."سحبت يدها بسرعة."ماتلمسنيش!"صمت عاصم.ثم قال بهدوء حاول أن يتمسك به:"حاضر. مش هقرب منك."في اللحظة التالية، أضاء مصباح عصام.عاد الضوء إلى الممر، لكنه لم يكشف عن الرجل الذي ظهر قبل قليل.اختفى مرة أخرى.وكأنه لم يكن موجودًا من الأساس.التفتت فرح نحو عاصم.كان واقفًا أمامها، لكن عينيه لم تكونا عليها.كان ينظر إلى السوار.قالت بحدة:"عايزة إجابات."لم يرد."ومش هسمح لك إنك تتهرب مني المرة دي."اقترب عصام منهما، ثم نظر إلى السوار.تغيرت ملامحه فورًا."إنتِ لقيتيه فين؟"رفعت فرح يده
الفصل الرابع والأربعون: ليلة الاختفاءظلت فرح واقفة مكانها.الورقة بين أصابعها.وعيناها معلقتان بعاصم.أما الجملة التي كُتبت أمامها...فلم تكن تترك لها مجالًا للهرب:"اسألي عاصم عن ليلة اختفائك."رفعت رأسها ببطء.قالت:"أنا اختفيت؟"لم يجب أحد.نظرت إلى عصام.ثم إلى سامح.لكن الاثنين تجنبا النظر في عينيها.عادت بعينيها إلى عاصم."أنا كنت طفلة."صمت."يعني إيه اختفائي؟"قال عاصم:"فرح..."قاطعته:"ماتقوليش فرح."اقتربت منه خطوة."جاوبني."ظل ينظر إليها.قالت بصوت أكثر حدة:"أنا اختفيت فين؟"قال سامح بسرعة:"كفاية."التفتت إليه."إنت كمان عارف؟"لم يرد.اتسعت عيناها."كلكم عارفين."ثم نظرت إلى عاصم."إلا أنا."ظل الصمت يملأ الممر.قال عصام:"عاصم، لازم تقولها."رفع عاصم عينيه إليه."مش هنا."رد عصام:"مفيش وقت تاني."ثم نظر إلى فرح."إنتِ لازم تعرفي."قال عاصم:"لو عرفتِ كل حاجة دلوقتي..."قاطعته:"هعمل إيه؟"صمت."هخاف؟"ثم اقتربت أكثر."أنا أصلًا من ساعة ما دخلت المكان ده وأنا بخاف."خفض عاصم عينيه.قالت:"قول."ظل ساكتًا لثوانٍ.ثم قال:"ليلة الرابع من فبراير سنة 2005..."توقّف."أبو
الفصل الثالث والأربعون: الرجل الذي وقف بينهمساد الظلام.لم تتحرك فرح.كانت لا تزال تسمع صدى الهمسة داخل أذنها:"ما تبصيش وراكي."حبست أنفاسها.كان هناك شخص خلفها.قريب جدًا.لكنها لم تلتفت.قال عاصم بسرعة:"فرح... متتحركيش."جاء صوت عصام من الجهة الأخرى:"المفتاح وقع فين؟"لم يجب أحد.ثم...صدر صوت معدني خافت.تك.تحرك شيء على الأرض.قال سامح:"أنا مش شايف حاجة."رد عاصم:"محدش يتحرك."ثوانٍ مرت.ثم...شعرت فرح بأنفاس قريبة من كتفها.تجمدت.سمعت الصوت مرة أخرى.لكن هذه المرة كان أكثر انخفاضًا:"لو بصيتي وراكي... هتخسري الحقيقة."قالت فرح بصوت مرتجف:"إنت مين؟"لم يجب.مدت يدها أمامها في الظلام.كانت تبحث عن أي شيء تستطيع الإمساك به.فجأة...شعرت بيد تمسك معصمها.تراجعت فرح بسرعة.لكن الشخص تركها فورًا.صرخت:"ابعد عني!"اشتعل المصباح فجأة.رفعت فرح عينيها.الغرفة كانت مضيئة.لكن...لم يكن هناك أحد خلفها.تراجعت خطوة.نظرت إلى عاصم.ثم عصام.ثم سامح.الجميع كانوا في أماكنهم.قال عصام:"مين كان واقف وراكي؟"ردت فرح:"كان فيه حد."قال عاصم:"أكيد."اقترب منها."إنتِ كويسة؟"أومأت.لكن ع
الفصل الثاني والأربعون: الغرفة التي لم يدخلوهاظلّت فرح تحدق في الورقة.لم تتحرك.لم تتكلم.فقط كانت تقرأ السطر الأخير مرة أخرى:M-6... الغرفة التي لم يدخلوها من قبل.رفعت عينيها إلى عاصم.قالت بصوت منخفض:"يعني أمي كانت هنا؟"لم يجب.اقترب عصام من الورقة."إحنا دخلنا كل غرف M-6."رد عاصم:"مش كلها."نظر إليه عصام."إيه؟"أشار عاصم إلى نهاية الممر."في جزء تحت الأرض."تجمدت فرح."تحت الأرض؟"أومأ."بابه اتقفل من سنين."قال سامح بسرعة:"محدش هينزل هناك."التفتت إليه فرح."ليه؟"لم يرد.اقتربت منه."ليه يا سامح؟"قال:"لأن المكان ده مش آمن."ضحكت فرح ضحكة قصيرة بلا فرح."كل مرة تقولولي نفس الكلام."ثم رفعت الورقة."بس المرة دي أمي هي اللي بعتتني هناك."ساد الصمت.قال عاصم:"فرح، استني."التفتت إليه."إنت قلت إنك عايز الحقيقة."توقف."وأنا كمان."ثم مشت نحو باب الغرفة.قال عصام:"رايحة فين؟"ردت دون أن تلتفت:"للمكان اللي فيه أمي."أمسك عاصم بذراعها ليوقفها.توقفت.نظرت إلى يده.فتركها فورًا.قال بهدوء:"مش لوحدك."نظرت إليه للحظة.ثم قالت:"تمام."أخذ عصام المصباح.وأمسك سامح بالملف.أم







