LOGINالفصل الحادي والعشرون
لم يكن الليل مختلفًا عن غيره داخل السجن. الممرات الطويلة غارقة في الصمت، والحراس يتنقلون بين الزنازين بوجوه جامدة، بينما كان السجناء يستسلمون لليل بعد يوم آخر خلف القضبان. لكن ذلك الهدوء لم يكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة. في نهاية أحد الممرات، كانت الزنزانة الانفرادية تقف معزولة عن بقية السجن. جلس الرجل في الداخل على الأرض، مستندًا إلى الجدار، وعيناه معلقتان بالسقف. لم يكن يبدو عليه القلق. بل كان هادئًا بشكل يثير الريبة. اقترب أحد الحراس من الباب الحديدي، ثم توقف أمامه. قال ببرود: — وقت الدواء. رفع الرجل عينيه إليه. ابتسم ابتسامة خفيفة. — الليلة؟ قطب الحارس حاجبيه. — وما الغريب في ذلك؟ لم يجب الرجل. اكتفى بالابتسام. ثم عاد وأسند رأسه إلى الجدار. لم يفهم الحارس سبب تلك الابتسامة، لكنه لم يهتم طويلًا. استدار وغادر. وبمجرد أن ابتعد خطوات، فتح الرجل عينيه من جديد. هذه المرة لم تكن فيهما أي ملامح للهدوء. همس لنفسه: — بدأنا. ⸻ في الجهة الأخرى من السجن، كان نمر جالسًا داخل زنزانته، وقد اعتاد منذ أيام على الصمت الطويل. رفع رأسه فجأة عندما سمع صوتًا مكتومًا في الخارج. ثم تبعه صوت آخر. ضربة قوية. فتح نمر عينيه. نهض ببطء واقترب من باب الزنزانة. — ما الذي يحدث؟ لم يجبه أحد. ثم انطلقت صرخة من نهاية الممر. تبعها صوت ارتطام عنيف. بدأ السجناء يضربون أبواب زنازينهم، بعضهم يصرخ طالبًا معرفة ما يحدث، وآخرون حاولوا استغلال الفوضى بالصراخ والاستفزاز. نظر نمر حوله. لم يكن الأمر شجارًا عاديًا. هناك شيء أكبر يحدث. وفجأة… انطفأت الأنوار. ساد الظلام. توقفت أصوات السجناء لثوانٍ، وكأن الجميع حبس أنفاسه في اللحظة نفسها. ثم انفجرت الفوضى. أصوات أقدام تركض. أبواب تُفتح. صرخات حراس. وصوت إنذار بدأ يعلو في أرجاء السجن. ابتسم نمر دون أن يشعر. لقد فهم. هذا ليس شجارًا. إنه انقلاب. ⸻ في الممر الرئيسي، كان عدد من السجناء قد تمكنوا من الخروج من زنازينهم، بينما حاول الحراس السيطرة على الوضع. لكنهم لم يكونوا مستعدين لما حدث. أحد الحراس رفع جهاز الاتصال إلى فمه: — غرفة المراقبة، نحتاج دعمًا فورًا! لم يصله رد. حاول مرة أخرى. — غرفة المراقبة! صمت. ثم جاءه صوت متقطع: — غرفة… المراقبة… تحت السيطرة. تجمد الحارس في مكانه. — ماذا؟ لم يسمع سوى ضجيج في الطرف الآخر، ثم انقطع الاتصال. في تلك اللحظة، أدرك أن المشكلة لم تعد في الممرات. لقد وصلت إلى غرفة المراقبة أيضًا. ⸻ كان الرجل في الزنزانة الانفرادية يقف أمام الباب المفتوح. لم يكن هناك حارس واحد أمامه. خرج بهدوء، ونظر إلى الممر الذي بدأ يمتلئ بالسجناء. ثم سار بينهم دون استعجال. أحد السجناء صاح: — من فتح الزنازين؟ لم يرد. واصل طريقه. ثم توقف عندما رأى نمر خلف باب زنزانته. تبادلا النظرات. ثوانٍ قليلة فقط كانت كافية. عرف نمر الرجل فورًا. ذلك الوجه لم يكن غريبًا عليه. كان هو نفسه الرجل الذي التقى به من قبل. الرجل الذي لم يكن وجوده في السجن صدفة. اقترب الرجل من زنزانة نمر، ثم قال: — كنت أعرف أنك ستفهم ما يحدث. ظل نمر ينظر إليه دون أن يجيب. ثم قال: — أنت. ابتسم الرجل. — يبدو أنك لم تنسني. — ماذا تريد؟ اقترب الرجل أكثر. — ليس أنا من يجب أن تسأله هذا السؤال. نظر نمر إلى الممر خلفه. — إذًا من؟ قبل أن يجيب، دوى صوت إطلاق نار في مكان قريب. توقّف الجميع للحظة. ثم عاد الصراخ من جديد. قال الرجل: — الشخص الذي أرسلني. ضيق نمر عينيه. — دهام؟ لم يجب الرجل. لكن صمته كان كافيًا. ⸻ في الخارج، كانت قوات الأمن قد بدأت تتحرك باتجاه السجن، بعدما وصلت البلاغات عن فقدان السيطرة على أحد الأجنحة. أما في الداخل، فقد أصبح الوضع أكثر خطورة. بعض السجناء توجهوا إلى بوابات الخروج. آخرون استولوا على الأسلحة التي تركها الحراس أثناء هروبهم من الممرات. وفي وسط تلك الفوضى، كان هناك شخص واحد يتحرك وكأنه يعرف السجن شبرًا شبرًا. الرجل الذي خرج من الزنزانة الانفرادية. توقف أمام أحد الأبواب، وأخرج مفتاحًا كان مخبأً داخل ملابسه. نظر إليه أحد السجناء بدهشة. — من أين حصلت عليه؟ أجابه دون أن ينظر إليه: — منذ وقت طويل. ثم فتح الباب. كان خلفه ممر ضيق لا يستخدمه السجناء عادة. ابتسم الرجل. — من هنا. ⸻ في زنزانته، كان نمر لا يزال واقفًا. لم يكن يريد الهروب. ليس بعد. كان يعرف أن الفوضى الحالية ليست صدفة، وأن خروج ذلك الرجل من زنزانته الانفرادية يعني أن هناك خطة أكبر بكثير. اقترب الرجل من الباب وقال: — إذا أردت الخروج، فهذا وقتك. نظر إليه نمر طويلًا. — ولماذا تساعدني؟ ابتسم الرجل. — لأن خروجك جزء من الخطة. — أي خطة؟ اقترب الرجل حتى أصبح وجهه مقابلًا لوجه نمر. ثم قال بصوت منخفض: — ستعرف عندما نخرج من هنا. تردد نمر للحظة. ثم نظر إلى الممر المليء بالفوضى. كان يعرف أن رفضه لن يغير شيئًا. فتح الرجل الباب. خرج نمر. وبينما بدأ الاثنان بالسير داخل الممر السري، سمعا صوت إنذار جديد أعلى من السابق. ثم جاء صوت عبر مكبرات السجن: — على جميع الوحدات الأمنية التوجه فورًا إلى الجناح الشرقي… هناك محاولة هروب جماعية. توقف نمر. نظر إلى الرجل. — لماذا الجناح الشرقي؟ ابتسم الرجل ابتسامة غامضة. — لأنهم يريدون أن يظن الجميع أن الهروب من هناك. صمت نمر. بدأ يفهم. الهروب الحقيقي ليس الهدف. كان هناك شيء آخر. شيء أكبر. وفي اللحظة التي اختفيا فيها داخل الممر السري، دوى انفجار هائل في الجناح الشرقي. اهتز السجن بأكمله. وتصاعد الدخان في الممرات. أما الرجل، فلم يلتفت حتى إلى الخلف. قال لنمر: — الآن… بدأت اللعبة الحقيقية. نظر نمر أمامه، ثم قال ببرود: — وأنا متأكد أنني سأندم على خروجي معك. ضحك الرجل للمرة الأولى. — ربما. ثم أضاف: — لكنك ستندم أكثر لو بقيت هنا. واختفيا داخل الظلام…الفصل الخامس والعشروناقتربت جلنار حتى وقفت أمام كارمن مباشرة، بينما ظل أركان يراقبها بقلق، خشية أن تكون قد أساءت فهم مارأته .قالت جلنار بهدوء:— عندما رأيتكِ للمرة الأولى، لم أشعر بالارتياح تجاهكِ… كنت أعلم أن هناك شيئًا تدبرينه أنتِ وجنى.ثم التفتت إلى جنى وقالت:— هل تعلمين أن شقيق كارمن سافر إلى روسيا برفقة حبيبته السابقة؟اتسعت عينا جنى بدهشة، ونظرت إلى كارمن.— ماذا؟! كيف ذلك؟! قلتِ لي إنه ذهب في رحلة عمل!ابتسمت كارمن بسخرية وقالت:— وما شأني أنا بكِ؟ أنتِ من سلمتِ نفسكِ له بهذه السرعة.ساد الصمت للحظات.كانت كلمات كارمن كافية لإشعال غضب أركان.تقدم نحو جنى بغضب، وكاد أن يرفع يده عليها، لكن جلنار أسرعت بالوقوف أمامه وأمسكت بذراعه.— أركان، اهدأ أرجوك.حاول التقدم، لكنها استوقفته بحزم.— الأمور لا تُحل هكذا… دعني أنا أتولى الأمر.نظر إليها أركان للحظات، ثم تراجع.أما جنى فاختبأت خلف جلنار وهي ترتجف.التفتت جلنار إلى كارمن وقالت ببرود:— وأنتِ ارتدي شيئًا محتشمًا وغادري من هنا، لا مكان لكِ بيننا.»رمقتها كارمن بنظرة غاضبة، ثم استدارت وغادرت المكان دون أن تنطق بكلمة أخرى.ساد الص
الفصل الرابع والعشرونبعد كل ما حدث، عادت جلنار إلى منزل والدها.كانت تعرف أن بقاءها في منزل أركان لم يعد أمرًا مناسبًا، خصوصًا بعد أن أصبحت مشاعرها تجاهه أكثر تعقيدًا مما كانت تتوقع.لم يحدث بينهما شيء يتجاوز حدود الاحترام، لكنها كانت تدرك أن قربهما المستمر قد يدفعهما إلى مشاعر لم تكن مستعدة لمواجهتها بعد.وفوق ذلك كله…كانت جلنار نفسها لا تعرف ماذا تشعر تجاه أركان.فبعد كل ما مرت به، لم تكن مستعدة للدخول في علاقة جديدة، ولا تريد أن تتخذ قرارًا عاطفيًا وهي لا تزال تحاول لملمة نفسها من آثار الماضي.لذلك اختارت أن تبتعد قليلًا.على الأقل حتى تفهم نفسها.وفي صباح اليوم التالي، تحدثت مع والدها بشأن عودتها إلى منصبها في الشركة.رحب هاشم بالفكرة فورًا، بل بدا وكأنه كان ينتظر منها أن تتخذ هذه الخطوة.وبعد أن أنهت حديثها معه، صعدت إلى غرفتها لتستعد للذهاب إلى العمل.لكن قبل أن تغادر، وصلتها رسالة من أركان.فتحتها بسرعة.كان يخبرها فيها بحالة نمر، وأن حالته لا تزال حرجة، ويسألها إن كانت ترغب في زيارته.توقفت جلنار للحظات وهي تحدق في الشاشة.ثم تنفست الصعداء وأرسلت إليه:«أسأل الله له الشفاء ا
الفصل الثالث والعشرونفي البيت الخشبي…كان نمر مقيدًا إلى كرسي في منتصف الغرفة، بينما وقف الرجل أمامه يراقبه بنظرات باردة.قال الرجل بصوت هادئ:— هل كنت تظن حقًا أن أحدًا سينقذك بعد كل ما اقترفته من خطايا؟رفع نمر عينيه إليه، ثم بصق في وجهه.ساد الصمت للحظات.مسح الرجل وجهه بيده، متجاهلًا ما فعله نمر، ثم تابع بنبرة أكثر غموضًا:— انظر إلى هذا الوجه جيدًا…اقترب منه قليلًا.— ألا يذكّرك بأحدهم؟حدّق نمر في وجهه، ثم قال ببرود:— لا يهمني أن أتذكر… لكن اعلم جيدًا أنني لو خرجت من هنا، فسيكون حسابك عسيرًا… أنت وذاك الحقير الذي يقف خلفك ( يقصد السجين )ظهرت ابتسامة غامضة على وجه الرجل، بينما ازدادت نظراته قسوة.— هذا… لو خرجت حيًا من هنا.تغيرت ملامح نمر، لكنه حاول إخفاء خوفه.قال الرجل:— نمر… هل تعلم لماذا وضعك الضابط أركان مع هذا السجين تحديدًا؟أشار بعينيه إلى الرجل الآخر الموجود في الغرفة.ثم تابع بصوت خافت:— لأنه قاتل متسلسل خطير.نظر إلى السجين للحظات، ثم عاد ببصره إلى نمر.— كان يحرق ضحاياه وهم أحياء…توقف قليلًا قبل أن يكمل:— وحتى بعد زجّه في السجن، لم يرتح السجناء يومًا من أسالي
الفصل الثاني والعشرونلم يكن ما يحدث داخل السجن فوضى عشوائية كما ظن الجميع.كانت أصوات الإنذارات تملأ المكان، وأقدام الحراس تتسابق في الممرات، بينما تعالت صرخات السجناء في الجناح الشرقي.لكن وسط تلك الفوضى…كانت هناك أبواب فُتحت في الوقت المناسب، وأخرى بقيت مغلقة.وكأن أحدًا ما يعرف تمامًا أين يجب أن تحدث الفوضى… وأين يجب أن تتوقف.كان نمر يركض خلف الرجل الذي أخرجه من زنزانته المنفردة.التفت إليه وهو يواصل سيره بسرعة:— إلى أين تأخذني؟لم يتوقف الرجل.— إذا أردت الخروج من هنا، فلا تضيع وقتك بالأسئلة.ضيّق نمر عينيه وهو يراقبه.كان يعرف هذا الرجل.السجين الذي ظل في العزلة لفترة طويلة، والذي لم يكن من السهل أن يتحرك داخل السجن بهذه الطريقة.ومع ذلك…كان يسير الآن بثقة، وكأنه يعرف الطريق جيدًا.وصلا إلى ممر جانبي بعيد عن الضوضاء.توقف الرجل أمام باب حديدي، ثم أخرج مفتاحًا من جيبه.توقف نمر خلفه مباشرة.— من أين حصلت على هذا؟فتح الرجل الباب دون أن يجيبه.ثم قال بهدوء:— الشخص الذي أرسلني لم يترك شيئًا للصدفة.دخل نمر خلفه.كان الممر ضيقًا ومظلمًا، لا يصل إليه سوى ضوء خافت من مصباح صغير ف
الفصل الحادي والعشرونلم يكن الليل مختلفًا عن غيره داخل السجن.الممرات الطويلة غارقة في الصمت، والحراس يتنقلون بين الزنازين بوجوه جامدة، بينما كان السجناء يستسلمون لليل بعد يوم آخر خلف القضبان.لكن ذلك الهدوء لم يكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة.في نهاية أحد الممرات، كانت الزنزانة الانفرادية تقف معزولة عن بقية السجن.جلس الرجل في الداخل على الأرض، مستندًا إلى الجدار، وعيناه معلقتان بالسقف.لم يكن يبدو عليه القلق.بل كان هادئًا بشكل يثير الريبة.اقترب أحد الحراس من الباب الحديدي، ثم توقف أمامه.قال ببرود:— وقت الدواء.رفع الرجل عينيه إليه.ابتسم ابتسامة خفيفة.— الليلة؟قطب الحارس حاجبيه.— وما الغريب في ذلك؟لم يجب الرجل.اكتفى بالابتسام.ثم عاد وأسند رأسه إلى الجدار.لم يفهم الحارس سبب تلك الابتسامة، لكنه لم يهتم طويلًا.استدار وغادر.وبمجرد أن ابتعد خطوات، فتح الرجل عينيه من جديد.هذه المرة لم تكن فيهما أي ملامح للهدوء.همس لنفسه:— بدأنا.⸻في الجهة الأخرى من السجن، كان نمر جالسًا داخل زنزانته، وقد اعتاد منذ أيام على الصمت الطويل.رفع رأسه فجأة عندما سمع صوتًا مكتومًا في الخارج.ث
الفصل 20شقة مازنوقفت راما أمام مازن بصمت، بينما كان هو يحدق بها بنظرات امتزج فيها الغضب بالخذلان.قال أخيرًا، بصوت بدا هادئًا أكثر مما ينبغي:— إذا كنتِ تريدين مني أن أصدق أنك تزوجتِ هاشم، وأنجبتِ منه توأمًا، ثم لم تقعي في حبه… حتى انك أنقذتِ ابنته، فعليكِ أن تعطيني سببًا واحدًا يجعلني أصدق كل ذلك.تنهدت راما، وأخفضت عينيها للحظة قبل أن تقول:— مازن، أنا طبيبة. لا يمكنني أن أقف أمام شخص يحتضر وأتركه للموت، مهما كانت علاقتي به.ابتسم بسخرية خفيفة.— ما زلتِ تجيدين المراوغة.رفعت عينيها إليه.تابع:— سافرتِ إلى الخارج من أجل مستقبلك، وتركتِ كل شيء خلفك… ثم عدتِ فجأة متزوجة من هاشم. كنت أعتقد أنكِ مخلصة لما بيننا، وأنك مهما حدث ستبقين إلى جانبي.تغيرت ملامح راما، وامتلأت عيناها بالدموع.— مازن… أرجوك، لا تقسُ عليّ أكثر من ذلك.ساد الصمت للحظات.ثم قالت بصوت خافت:— أنا أعرف أنني وعدتك بأنني سأدعمك وأقف إلى جانبك مهما حدث. ولم أنسَ وعدي… لكن دخول هاشم إلى حياتي جعلني أرى الأمور بطريقة مختلفة.ضحك مازن بمرارة.— هاشم.نطق اسمه وكأنه يحمل داخله سنوات من الغضب.— لا أفهم كيف استطاع أن يغي







