Se connecterاورورا بروكس
"إن نشبت النار لا تستائي من دخانها الذي سيخنقك."
دفعتُ كتفيه بعيدا عني صارخة.
"لا تحاول الاستقواء علي ولا يخوِّل لك ذلك الدماغ فكرة تهديدي."
اندلعت أعيني بالدموع كما لو أنني أصارع الموت.
"لا يمكنك هزم فتاة ربَّتها الحياة بقسوة."
ارتخت معالم وجهه المتشنجة مع قبضته حول عنقي، أبعد يده ثم التفت إلى مكتبه متحدثا باكفهرار جامد.
"أنتِ لا تتوانين عن امتصاص أعظم ما بي! أورورا أنا آخذ بالاعتبار أنك فتاة."
فور ما أنهى صياحه، سقطتُ على الأرض مجهشة بالبكاء حينها استدار ببطء إلي، مررتُ يدي على عنقي وانزويت في ركن المكتب.
سمعتُ صوت تنهيداته المتسارعة تعج بالمكان، نهجاتي الهستيرية تختلط بها بعنف.
"أورورا."
مكستُ رأسي بانجراف عاطفي مهول، بكائي المرتفع لم يتوقف بعد عن التوجع.
"هل أنتِ بخير؟"
قرفص أمامي مسرعا، لم أهتم بوجوده أمامي لأني بنوبة هلع قد تصيبني بالهلاك.
غمغمت ممزقة الحبال الصوتية.
"سأموت."
رفع يدي من الأرض وطوقها بكفه الباردة، مسح عليها بحرارة وهو يخاطبني.
"أنتِ بنوبة هلع تنفسي جيدا."
فغرتُ فاهي والعديد من الأفكار تخبرني بأنني على شفا جرف مهترئ من الموت، أنفاسي المتشاحنة تؤكد ذلك.
"سأموت! سأموت بسببكما، كلاكما تريدان قتلي."
رفع ذقني من الأسفل إلى وجهه المرتعب، لم أره هكذا من قبل وكأنه ارتدى قناعا غير وجهه المعادي.
"خذي نفسا عميقا وعدي معي إلى العشرة، لا أحد سيتجرأ على إيذائك."
صدري ينتفض بعنف مهلك وأرجلي تتحرك بطريقة لا تنتهي، هززت رأسي إيجابا وقلت بصوت مبحوح.
"حسنا."
مسح على خصلاتي برفق جعلني أتساءل هل هذا هو ذلك الرجل الذي كاد يزهق روحي للتو، طبعا لا، لن أصدق لطفه المبتذل هذا.
شرع في العد إلى الرقم عشرة بتأن، أنا أتبعه ببحة مغصوصة ورأسي مائل على الحائط في طريقه إلى غيبوبة محدقة.
أنامله تثني أصابعي بعد كل رقم يمر عليه إلى أن انتهينا، سألني بوقار استعاده ليغلف به خطابه.
"كيف تشعرين الآن؟."
لاحظتُ كيف لا يزال يعانق كفي بكفه فانتشلتها منه مستجمعة قواي الخائرة.
"بخير."
عندما مسحتُ تحت أعيني دحرجتها إلى الأعلى فور ما أنزلتها مرر إبهامه على ذقني بلين.
اعتلى ساقيه ونهض بثبات.
"دمعة طائشة."
أخذتُ نفسا عميقا ثم استقمتُ أيضا خلفه.
"لم يكن عليك حذفها، يمكنني فعل ذلك بنفسي."
في هذه الأثناء توغل ضجيج من خلف الباب لطرقات منتظمة، نبس القبطان بحصافة.
"ما الأمر؟"
كان مارتن الذي دلف من الباب لكنه لم يرني لأنني بالخلف، نطق بتؤدة مشابهة لصديقه.
"مشكلة ما حدثت بالباخرة رقم سبعة، نحتاجك هناك سيدي القبطان."
جلس فوق كرسي مكتبه ببرود.
"سآتي بعد قليل، استدعِ المهندس البحري، أريده هناك قبل أن أصل."
هز مارتن رأسه ثم غادر المكتب، تنهدت بارتياح عازمة على الخروج، خاطبته باستعلاء.
"انتهى كلامي معك سأذهب."
لم يتركني لأخطو أخرى أوقفني بتسلط.
"لم ننتهِ بعد."
وقف يحمل بين أنامله قبعته البيضاء، وضعها فوق رأسه بمهارة واحترافية ثم حمل علبة كانت بدرج خلفه.
"ما الذي تنوي قوله لي مرة ثانية؟ هل ستتسبب لي بنوبة جديدة أم ستقتلني؟"
مرر لي تلك العلبة الفولاذية بضجر.
"قلتُ لم ننتهِ بعد، مفهوم!"
لم آخذ منه العلبة، رأى تمنعي فاحتفظ بها عنده آمِرني بغطرسة أن أتحرك.
"أمامي."
غرستُ أظافري بحقيبتي الجلدية ثم تمشيت أمامه مع شعور دقيق بأنه يتأمل خلفيتي براحته.
التفتُّ إليه بخفة في محاولة لكشف قذارته لكنه كان يناظر حقيبته باستياء، ارتاح قلبي نسبيا لأنه ليس نوع الرجال المهووسين بمؤخرات النساء مهما كانت الظروف.
أورورا بروكس خرجنا معا من السفينة في صمت مهيب حل بيننا، ابتلع لسانه ولُجم فاهي حتى عيوننا لا تناظر سوى الطريق أمامها.نبستُ بفضول خلفه، أنعمتُ النظر إلى منكبيه الواسعين باستحقار.كم أكرهه."إلى أين؟"لم يجبني لأنه توقف بجانب حشد لا بأس به من الرجال بنفس الزي الأبيض الناصع، رجال الملاحة والبحرية.تكلم القبطان بجدية خضع لها الجميع."هل تم تزويدها بالبضائع قبل أن يتم تشغيلها؟" رد رجل ذو غمازات ثنائية وأعين ضيقة، كان وسيما وذا هيبة ساحرة."أجل سيدي."اقتربتُ منهم قليلا فمنحني الجميع أبصارهم، أحسست بإحراج مبالغ فيه.أجاب قبل أن يزيد خطوات إلى باب السفينة رقم سبعة كما هو محفور على جانبها الضخم.تبعه رجل ذو شعر طويل مربوط لا شك بأنه المهندس البحري ثم مارتن الذي توعدني بنظرة لو كانت رصاصة لمت.لف عنقه إلي بعد أن دلف الرجلان أمامه ثم ناداني بكل أصابعه.سألتُ بقلة صبر، أكره الأوامر الفارغة وأمقت كثرة التحرك كآلة عمل."ماذا ثانية؟"اختفى جسده عن أنظاري فاضطررتُ لإتباع طيفه نحو غرفة الهندسة، هذا ما التقطته أذناي من الرجلين أمامي اللذين يتحدثان بصوت مرتفع.فتح الباب على غرفة ضيقة بالكاد تستطيع ت
اورورا بروكس "إن نشبت النار لا تستائي من دخانها الذي سيخنقك."دفعتُ كتفيه بعيدا عني صارخة."لا تحاول الاستقواء علي ولا يخوِّل لك ذلك الدماغ فكرة تهديدي."اندلعت أعيني بالدموع كما لو أنني أصارع الموت."لا يمكنك هزم فتاة ربَّتها الحياة بقسوة."ارتخت معالم وجهه المتشنجة مع قبضته حول عنقي، أبعد يده ثم التفت إلى مكتبه متحدثا باكفهرار جامد."أنتِ لا تتوانين عن امتصاص أعظم ما بي! أورورا أنا آخذ بالاعتبار أنك فتاة."فور ما أنهى صياحه، سقطتُ على الأرض مجهشة بالبكاء حينها استدار ببطء إلي، مررتُ يدي على عنقي وانزويت في ركن المكتب.سمعتُ صوت تنهيداته المتسارعة تعج بالمكان، نهجاتي الهستيرية تختلط بها بعنف."أورورا."مكستُ رأسي بانجراف عاطفي مهول، بكائي المرتفع لم يتوقف بعد عن التوجع."هل أنتِ بخير؟" قرفص أمامي مسرعا، لم أهتم بوجوده أمامي لأني بنوبة هلع قد تصيبني بالهلاك.غمغمت ممزقة الحبال الصوتية."سأموت."رفع يدي من الأرض وطوقها بكفه الباردة، مسح عليها بحرارة وهو يخاطبني."أنتِ بنوبة هلع تنفسي جيدا."فغرتُ فاهي والعديد من الأفكار تخبرني بأنني على شفا جرف مهترئ من الموت، أنفاسي المتشاحنة تؤكد ذ
أورورا بروكس تفحَّصتُ هيئة القبطان ألكسندر الفاحشة كما فعل هو بتعمق؛ جسده وهو يرتدي تلك البذلة الموحدَّة خطف أنفاسي ولجم لساني عند آخر حرف نطقتُ به.قبل أن يتحدث مارتن بغضب يحاول توبيخي، نطق القبطان ببرود غلَّف بُحَّته:"يمكنك الذهاب أيها المهندس."ارتخت ملامحه الناسفة ثم توجَّه إلى الباب بدون أن ينظر إليّ؛ راقني كيف منعه من إصدار بنت كلمة أخرى عليّ.ارتخى السيد ألكسندر فوق كرسيه الجلدي يعبث بقلم حِبري بين أنامله، شعيراته الغرابية تنسدل فوق نصف جبهته الأيمن."كان إحضاركِ إليَّ سهلاً يا أورورا."كمَّشتُ قبضتي حول حقيبتي وقلت بصبر:"ما الذي تريده مني تحديداً؟"أغمضت عيناي لبرهة حتى أمسك أعصابي من التلف؛ حبالي الصوتية كانت ترتعش مع كل حرف أخرجه."أعلم بأن رفضك لخطوبة ابنِك وشقيقتي من أجل إخضاعي لك، ما الذي تريده مني إذاً؟"رمى القلم فوق مكتبه المزيَّن بمجسَّمات لسفن خشبية صغيرة مع مقود من الطراز القديم."ما الذي أريده منكِ! هل أنتِ جادة في كلامكِ يا صغيرة؟"هتفتُ بأوصال وشيكة على الانفجار:"اسمي أورورا بروكس وليس صغيرة، حسناً!"قصف جفنيه كردة فعل منزعجة من حدة صوتي الذي ارتفع فجأة، وقف
أورورا بروكس لم أكن يوماً فتاة تنحني لأحد، ولم يلوِ ذراعي شخص آخر غير والدي؛ لأنه يعلم بأنني ضعيفة عند ضعفهما، حتى إنني أستطيع منح عنقي للمشنقة في سبيل حياة أختي آيفي وأميليا.بريئتان بشكل عجيب، وذنبهما أنهما أنجِبتَا داخل عائلة مريضة من جميع الجوانب؛ مشاكل عائلية لا تنتهي، وقسوة أبوية، وعقد استعمرت معنا منذ أن فتحنا أعيننا بين جدرانها.صباح آخر أستيقظ فيه على هدف لا أودُّ تحقيقه، ووجه لا أرغب بمقابلته مجدداً بعد ما جرى بيننا بالأمس.قبل أن أفتح الباب سمعت صوت آيفي تنادي باسمي، بصوت منخفض يتجنب إيقاظ النائمين:"أورورا."التفتُّ إليها فالتفتت خصلاتي معي أيضاً:"أجل آيفي."اقتربت مني وعيونها الدامعة تحاسب نفسها:"هل سأضعكِ في وضع محرج يا أختي؟""سنتكلم بعقلانية؛ يجب أن يعلم بأنكما تحبان بعضكما البعض، ورفضه لن يزيد أو ينقص شيئاً."حركت رأسها بإحراج بدا على ملامحها الشاحبة؛ لم تغمض جفناً لليلة كاملة إلى الآن. طوقت أكتافها برفق:"عيونكِ الجميلة حمراء بسبب السهر؛ نامي قليلاً صغيرتي."عانقتني بقوة، فلويت ذراعيّ على خصرها وبادلتها بحرارة:"أحبكِ أختي."استنشقت الهواء من بين شعيراتي المتشاحنة
اورورا بروكس دخلت غرفة أخرى بجانب السابقة، كانت هادئة ما دامت أنفاس ذلك الرجل بعيدة عني.استلقيت فوق أريكة واسعة ثم حاولت النوم جاهدًا، لم يزرني إلا بعد ساعتين من التخمين فيما حصل بيننا.ضعفت له لأنني كنت هشة، بعد هذه اللحظة لن يلمسني ولو على جثتي.شق الصباح سمائه بأنوار ذهبية، ففتحت أعيني بتثاقل فوق سرير واسع داخل غرفة واسعة.نظرت إلى هيئتي البديئة، شعري مخبل وملابسي غير منظمة وكأنني كنت بحرب هالكة."لقد كنت فوق أريكة في الغرفة المجاورة، من أتى بي إلى هنا؟"بدوار متفاقم قمت من فوق السرير أترنح يمينا وشمالا فتحت الباب ثم سرت في الرواق أبحث عن وجه القبطان بتركيز مشوش.وصلت إلى الأسفل بعد تفتيش مخفق، فسمعت صوت ضوضاء من غرفة غارقة في الطابق تحت الأرضي، نزلت عبر السلم إليه.وجدته بدون لباس يغطي صدره، يرتدي سروالا رياضيا فقط، جسده العضلي أخذ كل نظراتي وصرف الباقي إلى لكماته القوية على كيس الملاكمة.توقف عن اللكم عندما شعر بعيوني الواسعة تراقبه عن كثب."صباح الخير يا صغيرة."دحرجت عدستاي إلى السقف بقلّة حيلة."صباح الويلات لأنني هنا."قطرات العرق تتسرب من خصلاته الأمامية أهدته مشهدا إباحيا
أورورا بروكس سقط بصري على صورة بين إطار خشبي و لوحة زجاجية، كانت لإمرأة ذات عيون سوداء وشعر قصير داكن اللون، سواده كان حالكا لكنَّها جميلة بعض الشيء.على عنقِها عقد ألماسي بحجر أبيض براق، تمتمت بأوصال مرتخية أتأمل وجهها جيدا."من هذه؟"استقام قاعدا بالكاد يفتح عينيه الناعسة، نبس بصوتٍ مختنق."من؟"التفتُ إليه ببرود ثم حملتُ الصورة في وجهه وعلى وجهي ابتسامة مستفزة.تكلّم من بين أسنانه بغيظ."سحقا."همَّ إلي بخطوات هوجاء اعتقدت بخطر محدق بي، كان كثور هائج عندما رأى من بالصورة كما لو أنني علّيت ثوبا أحمر بوجهه."ما بك؟ ستقتلني."اندفعت إلى الخلف غريزيًا، حالما وقف أمامي انتشل الصورة بجهالة.انتصب عنقه بشدة جاهلا منه يظهر كوحش آدمي."لا زلت تُخرجين أسوأ ما بي."لاحظت ارتعاشة يده وهي تطوق الإطار، صاح في وجهي بأسنان متراصة."ما الذي تظنين نفسكِ فيه وأنتِ تفتشين في أغراضي الخاصة؟"ضرب بالصورة عرض الحائط فانكسر الزجاج، عيوني الهلعة تتمحور حول مقلتيه الجمَّرية."لم أنوي التطفل على أغراضك."لم أره يوما بهذا الاشتعال المدمر، لم أره غير تلك الليلة واليوم في الأصل، شد على ذراعي باستفحال لشدّة ارت







