Home / مافيا / الظل / ترانيم القرميد والنور

Share

ترانيم القرميد والنور

last update publish date: 2026-05-27 09:31:30

بدأ الليل يرخي سدوله الثقيلة فوق تلال "فيسولي"، ملتسقاً بقمم أشجار السرو العتيقة كعباءة مخملية سوداء مطرزة ببريق النجوم الشاحبة. كان الضباب الفلورنسي القديم قد انقشع تماماً، تاركاً هواء توسكانا بارداً، جافاً، ونقياً ينبض بنبرة من السكون الأرستقراطي الذي يلف قصر الكامورا المحصن. انبعث ضوء القمر الفضي الكامل، ليتدفق كسيول من النور الساحر عبر النوافذ المقوسة الشاهقة للجناح الشرقي، ويلقي بظلال هندسية طويلة ومعقدة فوق اللوحة الفحمية التي رسمت فيها إيلينا ملامح أليساندرو وهو يصارع الموت تحت المطر.

كانت إيلينا تقف في وسط مرسمها الجديد، وأصابعها لا تزال تحمل آثار الفحم الأسود الداكن كوشم مؤقت يذكرها بـانغماس وعيها الباطن في تفاصيل سجانها. شعرت بالاختناق داخل الجدران العاجية الفاخرة للجناح، وبأن أنفاس الفخامة الباردة تكتم نبضات قلبها المنهك. سارت بخطوات واهية متثاقلة نحو الشرفة الكبيرة للجناح، وفتحت الأبواب الخشبية المزدوجة والمصقولة، لتستقبل وجهها لفحة من الهواء الليلي البارد التي جعلت جسدها الرقيق يرتعش تحت قماش ثوبها الناعم.

خطت خطوتين فوق أرضية الشرفة الحجرية المصنوعة من القرميد التوسكاني العتيق، واستندت بيديها النحيلتين على السياج الحديدي المزخرف بنقوش تاج الأشواك والخنجر. أخذت نفساً عميقاً، وسمحت للهواء البارد بأن يطرد بقايا رائحة البارود والدم الكثيفة التي كانت تتوهم وجودها في الغرفة. نظرت إلى الأسفل؛ كانت أسوار القصر تبدو من هذا الارتفاع كجدران قلعة منيعة تحرسها ظلال الحراس الأشداء الذين يتحركون بآلية صامتة في الباحة الخارجية، ونظرت إلى الأفق البعيد حيث كانت أضواء فلورنسا تتلألأ كجواهر منثورة في وادٍ سحيق، وبدت لها مدينتها الساحرة والآمنة كحلم قديم طواه الرماد ولا يمكنها العودة إليه أبداً.

انحدرت دمعة وحيدة ودافئة فوق وجنتها الشاحبة، ومسحتها بأطراف أصابعها الملوثة بالفحم، وتمتمت بنبرة يملؤها الشجن والضياع الصرف: "أنا هنا.. حية بجسدي، وميتة بحريتي. أصلحتُ الجسد الذي يحتجزني، وجعلتُ من يدي الأداة التي تثبت وجود أليساندرو في عالم الأحياء، والآن يقف الظل خلف كل زاوية من زوايا روحي. هل سأظل معلقة بين سماء تاريخي وجحيم نفوذه إلى الأبد؟"

بينما كانت مستغرقة في حزنها وعزلتها، شعرت فجأة بـتلك القشعريرة المألوفة تسري في عمودها الفقري، وإحساس طاغٍ بالثقل يجتاح الهواء الليلي المحيط بها. كانت تلك حاسة الترقب التي صُقلت في ليلة النزيف الأولى؛ حاسة تخبرها بأن "الظل" قد امتد مجدداً ليتلمس النور الذي يجذبه.

التفتت برأسها حركة بطيئة ونحيلة نحو الجانب الأيمن، لتنظر نحو الشرفة الكبيرة والمقوسة للجناح الغربي المقابل، والتي لا يفصل بينها وبين شرفتها سوى ممر هوائي ضيق يطل على الباحة الداخلية الفسيحة للقصر.

توقفت الأنفاس في صدرها، وتجمدت عيناها العسليتان بذهول ممزوج بـجاذبية مظلمة لم تستطع كبحها.

كان هناك، واقفاً بكامل قامته الفارهة ومهابته الطاغية في عتمة الشرفة المقابلة، (أليساندرو). لم يكن يرتدي سترة بذلته الرسمية الفاخرة، بل كان يرتدي قميصاً قطنياً أسود فضفاضاً، ترك أزراره العلوية مفتوحة لتظهر بوضوح اللفائف الطبية البيضاء النظيفة التي أعادت إيلينا لفها حول خاصرته وصدره العريض في الصباح الباكر. وجهه الرجولي الحاد كان يسبح في ضوء القمر الفضي، ليظهر شحوبه الأرستقراطي والندبة الصغيرة على وجنته اليسرى بدقة بالغة زادت من غموضه ووسامته المظلمة. لم يكن يستند على عصاه الفضية؛ بل كان واقفاً بثبات صخري وعنفوان يرفض الاعتراف ببقايا الضعف الجسدي، واضعاً يده اليسرى في جيب بنطاله الداكن، بينما كانت عيناه الرماديتين الباردتين مثبتتين عليها مباشرة بنظرة تحمل تملكاً مطلقاً وهوساً أعمى لا يرحم.

كان يتأمل وجهها الشاحب، وشعرها الكستنائي الذي كانت تلاعبه الرياح الليلية، وآثار الفحم الأسود على أصابعها الرقيقة، بنظرات فاحصة تلتهم تفاصيل نقائها وعنادها المخفي خلف دموعها. ساد الصمت لبرهة طويلة بين الشرفتين، صمت لم يكن يقطعه سوى خرير مياه النافورة الرخامية في الأسفل وحفيف أوراق شجر السرو، صمت بدا لإيلينا وكأنه حوار سري وعميق يجري بين عالمين متناقضين يلتقيان تحت ضوء القمر.

تحرك أليساندرو حركة انسيابية بطيئة، وتقدم ليمسك بالسياج الحديدي لشرفته بيده اليمنى الموشومة بشعار الخنجر والتاج، ونبس بنبرة رخيمة، عميقة، وتحمل بحة حادة من الوجع المكتوم والتعلق السري: "أرى أنكِ غادرتِ قفصكِ الذهبي لتتأملي أضواء فلورنسا يا حارسة التاريخ. هل تبحثين في الأفق عن زقاقكِ القديم، أم أنكِ تحاولين الفرار من صدى الكلمات التي نقشتُها في وعيكِ البارحة؟"

نظرت إليه إيلينا، ورغم الرعب الذي كان يجتاح أوصالها من حضوره، إلا أن رؤيتها له وهو واقف بكامل قوته بعد أن كان قبل ساعات يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديها، أثارت في نفسها دهشة ممزوجة بـارتياح غامض رفض كبرياؤها الاعتراف به. رفعت رأسها بنقاء تحدى بروده، وقالت بصوت هادئ ومبحوح تردد صداه في الممر الهوائي بينهما: "الفرار ليس ممكناً عندما تكون الأبواب النحاسية مغلقة بأوامر من سيد الكامورا يا سيد أليساندرو. أنا لا أبحث عن زقاقي فحسب؛ بل أبحث عن نفسي التي سُلبت مني، وعن البراءة التي ذُبحت على أرضية مرسمي لمجرد أنني مارستُ إنسانيتي وأنقذتُ حياتك. انظر إلى يدي.. لقد تلوثتا بالفحم الأسود لأنني لم أعد أجد لوناً نقياً يعبر عن الكابوس الذي أعيشه داخل أسوارك."

تحركت ملامح أليساندرو الصخرية حركية طفيفة تحت ضوء القمر، واشتعل بريق عينيه الرماديتين بهوس أعمى وجاذبية مظلمة سرت في جسدها كتيار دافئ. أحكم قبضته الموشومة على السياج الحديدي، وقال بنبرة منخفضة للغاية وعميقة: "الفحم الأسود لا يلوث يديكِ يا إيلينا؛ بل يرسم خطوطاً تعبر عن القوة النفسية التي تملكينها. أنتِ تعتقدين أنكِ تعيشين كابوساً، ولا تعلمين أن وجودكِ في قصري هو الحلم الوحيد الذي يعيد التوازن لعالمي المليء بالخيانة والدمار. رجالي يطيعونني خوفاً من بطشي، وأعدائي يريدون رأسي لسرقة نفوذي، وأنتِ الوحيدة في هذا العالم التي أنقذتِ جسدي مرتين دون مقابل، وتهاجمين كبريائي بكل هذا الثبات، ومع ذلك تسهرين لتعيدي خياطة حياتي بأصابعكِ النظيفة."

"أنا لم أفعل ذلك لأجلك!" قاطعته بنبرة حادة وامتزجت فيها الرقة بالجرأة العنيفة. "أنا أنقذتُ جسدك لأنني امرأة لا تحتمل رؤية نفس تالفة وميتة تتفتت أمام عينيها، فعلتُ ذلك لأبرئ ذمتي أمام مبادئي وطبيعتي النظيفة التي ترفض القتل بالترك. كبرياؤك يمنعك من فهم الإنسانية يا أليساندرو؛ أنت ترى في كل شيء ملكاً وتملكاً، وتظن أن هذه الجدران الفاخرة وهذا الرخام العاجي قادران على تعويض حريتي المسلوبة. ارحل من شرفتك.. ارحل ودعني أتنفس هذا الهواء البارد بسلام بعيداً عن ظلك المخيف."

ارتسمت على شفتي أليساندرو ابتسامة ساخرة خفيفة ومظلمة، ابتسامة لم تصل إلى عينيه الرماديتين الباردتين. ونبس بنبرة أكثر انخفاضاً تغلغلت في مسام روحها: "الظل لا يرحل يا إيلينا، الظل يمتد مع حركة النور ويطوقه بالكامل. الحرية التي تتباكين عليها في الخارج كانت ستحول جثتكِ الرقيقة إلى رسالة دموية يرسلها الدون ليون إلى عتبة بيتي لكسر عنقي. بقاؤكِ هنا هو قانون البقاء الذي فرضته عليكِ طبيعة الليلة العاصفة، وأنا لا أستعبد جسدكِ؛ بل أنتظر اللحظة التي تدركين فيها أن عالمكِ القديم قد مات وتحول إلى رماد، وأن أنفاسكِ ونبضات قلبكِ قد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من قدري بجانبكِ."

تراجعت إيلينا خطوة إلى الوراء فوق أرضية الشرفة القرميدية، وشعرت بأن كلمات أليساندرو تطوقها كالسلاسل الحديدية غير المرئية التي لا يمكن لدموعها أو غضبكِ أن يكسرها. التفتت بنظراتها المنهكة نحو أضواء فلورنسا البعيدة، وشعرت بـغصة حارقة في صدرها تؤكد لها أن غريزتها الإنسانية قد جعلتها تابعة وجزءاً لا يتجزأ من هذا العالم المظلم، وأن هوس أليساندرو العنيف يزحف ببطء ليكسر بقايا حصونها النفسية العتيدة.

وفي وسط هذا الاحتقان السيكولوجي الهادئ والعميق الذي دار بين الشرفتين تحت ضوء القمر، انقطع حبل حوارهم السري فجأة بحركة مرعبة قلبت موازين القصر بأكمله.

دَوَى صوت صفارات الإنذار الأمنية الحديثة والعالية في أرجاء القصر الشاسع بالكامل، صوت حاد، ومتقطع، ورنان مزق سكون الليلة التوسكانية وحول الأجواء إلى ساحة استنفار شامل في ثوانٍ معدودة. تلت ذلك ومضات حمراء من أضواء الطوارئ بدأت تتراقص بعنف فوق الجدران الحجرية والرخامية للقصر، لتصبغ عتبات الجحيم العاجي بلون الدم والنار مجدداً.

تحول أليساندرو في أجزاء من الثانية من الرجل العاشق المغمور بهوسه إلى وحش الشمال الكاسر والمدمر. انقبض فكه العريض بصرامة وحشية، واشتعل بريق عينيه الرماديتين بنار أحرقت كل بقايا الهدوء. التفت نحو الداخل بسرعة صاعقة، متناسياً تماماً آلام جرحه، وسحب مسدسه الفضي من عيار 9 ملم الذي كان مستقراً فوق خزانة مكتبه القريبة، وصرخ بأمر رعدي هز أركان المبنى بالكامل عبر جهاز اللاسلكي المربوط بمعصمه: "ماركو! ما الذي يحدث؟ من أين يأتي هذا الخرق الأمني؟"

جاء صوت ماركو عبر الجهاز متحشرجاً، عاجلاً، ومملوءاً بـالذعر والصدمة: "دون أليساندرو! لدينا خرق أمني صامت من الداخل! الخائن.. أحد الطباخين الجدد الذين تم شراؤهم من طرف عائلة ليون، قام بـتعطيل أنظمة الكاميرات والبوابات الخلفية للجناح الشرقي بالكامل وسهّل دخول فرقة اغتيال انتحارية تابعة لـدون ليون! إنهم الآن داخل الممرات المؤدية إلى جناح الفتاة مباشرة! إيلينا هي الهدف.. إنهم يريدون تصفيتها في قلب حصنك!"

انقبض قلب أليساندرو بعنف، واجتاحته موجة مرعبة من الغضب الأعمى والهوس المجنون الذي كاد أن يفقد وعيه. التفت نحو الشرفة المقابلة، وصرخ بصوت رعدي افزع إيلينا وجمد الدماء في عروقها: "إيلينا! ادخلي إلى الداخل فوراً! أغلقي الأبواب الزجاجية وتراجعي نحو الزاوية المعتمة خلف الأريكة! لا تفتحي الباب لأي شخص مهما حدث! أنا قادم إليكِ!"

تملك الرعب الشامل إيلينا؛ فالكابوس الذي عاشته في شقتها القديمة كان يعيد إنتاج نفسه الآن داخل سجنها الذهبي الفاخر وبشكل أشد ضراوة وقسوة. اندفعت نحو الداخل بسرعة مجنونة، وأغلقت الأبواب الخشبية والزجاجية للشرفة بإحكام، وتراجعت خطوات متعثرة نحو الخلف وهي تضم كفيها الملوثة بالفحم إلى صدرها، وعيناها العسليتان تراقب برعب حاد الباب النحاسي العريض للجناح، الذي بدأ يسمع من خلفه دوي إطلاق نار كثيف ومتتابع ومتسارع.

كانت شباك العنكبوت التي حاكها الدون ليون في روما قد انقضت بالفعل، واخترقت الثغرة الصامتة حصن القصر المنيع لتصل إلى عنق حارسة التاريخ.

في الممر الطويل للجناح الشرقي، كان رجال عائلة ليون الانتحاريون، يرتدون سترات تكتيكية سوداء وأقنعة قماشية، يتقدمون بعنف وهم يطلقون النار من أسلحة أوتوماتيكية مخفية، مستغلين المفاجأة والتعطيل الإلكتروني للبوابات. سقط اثنان من حراس النخبة للكامورا جثثاً هامدة غارقة في دمائها فوق السجاد العجمي الفاخر، بينما كان (ماركو) يظهر من نهاية الممر ومعه فرقة الدعم، ويطلق النار بغضب أعمى وصرخات وحشية لتطهير الممر ومنعهم من عبور عتبة الباب النحاسي لإيلينا.

انقلب الجناح الشرقي في ثوانٍ معدودة إلى ساحة حرب حقيقية وشاملة. دوي الطلقات كان يخترق الجدران الخشبية والنحاسية، وتناثرت شظايا الرخام والزجاج في الهواء كالمطر الفضي تحت ومضات أضواء الطوارئ الحمراء المرعبة. كانت إيلينا راكعة في زاويتها خلف الأريكة المخملية الكبيرة، وتضع يديها الملوثة بالفحم على أذنيها، وتصرخ بصوت مكتوم يملؤه الانهيار النفسي، وجسدها يرتجف بعنف لا إرادي جراء تدمير أمان قفصها الذهبي ولطخ نقائها بالدم والنار مجدداً.

وفي وسط هذا الجحيم المشتعل، دَوَى صوت انفجار عنيف عند قفل الباب النحاسي للجناح. لقد استخدم المقتحمون عبوة ديناميت صغيرة لتفجير تروس الحديد المنيعة. انفتح الباب على مصراعيه بصوت حاد، وتناثرت شظايا الخشب والنحاس في الردهة، ليدخل من خلال الدخان الكثيف رجلان من رجال ليون، وعيونهما الصقرية تبحثان عن الفتاة في الظلام الدامس الذي لا يضيئه سوى الوميض الأحمر الشاحب لصفارات الإنذار.

"هناك! خلف الأريكة!" صرخ أحدهم بصوت جهير ومتحشرج، ووجه بندقيته الرشاشة نحو زاوية إيلينا، مستعداً لإطلاق رصاصة تنهي حياتها النظيفة وتكتب كفن أسطورة وحش الشمال.

أغمضت إيلينا عينيها واستسلمت للمصير المحتوم، منتظرة الضربة القاضية التي ستطوي تاريخها بأكمله.

ولكن، في تلك اللحظة الخاطفة التي سبقت خروج الرصاصة بمليمتر واحد، دَوَى في أرجاء الجناح صوت طلقة مسدس واحدة، لكنها كانت رعدية، قاطعة، وحاملة لحكم الموت النهائي. اخترقت الرصاصة الفضية جبهة المهاجم الأول بدقة متناهية وعنفوان لا يرحم، ليتطاير دمه القذر ويصبغ اللوحة الفحمية البيضاء التي رسمت فيها إيلينا ملامح أليساندرو، ويسقط جثة هامدة فوق الأرضية السجادية.

انقشع الدخان الكثيف ليظهر من خلاله (أليساندرو). لم يكن يبدو كإنسان؛ بل كان يبدو كإله الحرب والدمار الذي انشقت عنه جدران القصر لحماية ملكه الخاص. كان يقف عند عتبة الباب المحطم بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة، وقميصه الأسود كان مفتوحاً وجرح خاصرته ينزف بغزارة صابغاً الشاش الأبيض بلون قرمز دافئ، ومع ذلك كان يمسك بمسدسه الفضي بيده اليمنى بثبات مرعب، وعيناه الرماديتين تشتعلان بنار جهنم وببريق الهوس الأعمى الذي جعل المهاجم الثاني يتجمد رعباً وتراجع خطوات إلى الوراء.

"لقد أخبرتُ عائلات روما بأكملها.. أن من يلمس نقاء معشوقتي، سأجعل الأرض تبتلع روحه الليلة،" خرج صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة الوحشية المطلقة التي جمدت الدماء في العروق.

وقبل أن يتمكن المهاجم الثاني من رفع سلاحه، أطلق أليساندرو ثلاث رصاصات متتالية وقاسية استقرت في صدره العريض، ليرديه قتيلاً غارقاً في دمائه بجانب زميله، وينتهي الهجوم داخل الجناح بـمجزرة دموية جديدة كتبت سطورها الأولى برصاص وحش الشمال وسلطته المطلقة.

سقط المسدس الفضي من يد أليساندرو ليرتطم بالرخام بصوت معدني حاد، واندفع نحو الأمام بخطوات ثقيلة ومتعثرة جزئياً بفعل الوجع الفظيع والنزيف الحاد الذي عاد ليمزق أحشاءه بالكامل جراء مجهوده الانتحاري لحمايتها. ركع على ركبتيه فوق الأرضية الملوثة بالدم، ومد ذراعيه القويتين نحو إيلينا المستلقية في زاويتها، وسحب جسدها الرقيق المنهك بالكامل نحو صدره العريض الصخري، محتضناً إياها بقوة وعنفوان تملكه الهوس والتعلق السري، غير مبالٍ بدمائه التي بدأت تلوث ثيابها الناعمة مجدداً.

"أنتِ آمنة.. أنتِ معي يا إيلينا.. لن يأخذكِ الموت مني يوماً،" كان يهمس بصوت مبحوح ومتهدج يصارع الألم والضعف، وعيناه الرماديتين تذرفان دمعة حرارة خفيفة تداخلت مع دماء وجنتها الملتوعة.

لم تكن إيلينا قادرة على المقاومة، ولم تحاول ضربه بقبضتيها الصغيرتين؛ بل كانت ملوثة بالفحم والدم، وجسدها يرتجف بعنف جراء الصدمة النفسية الشاملة، فـاستسلمت بالكامل لحضنه الدافئ الثقيل ومعطفه الصوفي، واضعة رأسها الكستنائي المنهك على كتفه العريض مباشرة، والدموع تنهمر من عينيها العسليتين بحرية فوق قميصه الأسود. أدركت بغصة حارقة في صدرها أن قفصها الذهبي قد تحول إلى ساحة حرب شاملة، وبأن نقاءها قد أصبح الجائزة الكبرى التي يتقاتل عليها قياصرة الظلام، وبأنها أصبحت مقيدة ومغمورة بالكامل بـأمل وهوس "الظل" داخل قلعته التي انكسر أمانها الليلة، لتعلن صافرات الإنذار والدماء المنثورة حولهم عن بدء الفصل الثالث والأكثر خطورة من ترانيم الهوس والنار التي ستحرق فلورنسا وروما بأكملهما.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status