เข้าสู่ระบบكانت الساعة قد تجاوزت الخامسة مساءً عندما أنهى نوح آخر اجتماعاته وأعماله في الشركة. أغلق الحاسوب أمامه، ثم أسند ظهره إلى مقعده وأخذ نفسًا عميقًا. كان يعلم أن عليه الآن التوجه مباشرة إلى منزل ليان، لكن قبل أن يغادر، أمسك هاتفه واتصل بشيري ليخبرها بما حدث معه. ما إن أخبرها بأنه اضطر إلى تجهيز احتفال بعيد ميلاد ليان، وأنه سيتوجه الآن إلى منزلها لإنهاء الأمر، حتى شعرت شيري بغضب شديد. كانت في ذلك الوقت تجلس مع والديها، وكان الثلاثة يفكرون في الخطوة التالية من خطتهم. قالت شيري وهي تنظر إلى والدها: — سيكون عليك أنت أن تذهب إلى صديقك جون، الطبيب، وتقنعه بتنفيذ ما نريده. نحتاج إلى أن يزوّر نتائج تحاليل نوح ويجعله يعتقد أنه غير قادر على الإنجاب. نظرت والدتها إليها وقالت: — أعتقد أن أمر جون سيكون سهلًا. المال قادر على حل كل شيء. إذا عرضنا عليه مبلغًا كبيرًا، فسوف يوافق. نحن نعرف جون جيدًا، وأعتقد أنه لن يرفض. ثم سكتت لحظة، قبل أن تنظر إلى ابنتها بقلق وتتابع: — لكن المشكلة هي أنتِ. كيف ستقنعين نوح بإجراء هذا التحليل تحديدًا؟ إنه تحليل خاص، وقد يكون محرجًا بعض الشيء بالنسبة إلى الرجال.
أما عند نوح، فما إن أنهى المكالمة مع والده ووالدته حتى أمسك هاتفه وحاول الاتصال بليان. لكن هاتفها كان لا يزال مغلقًا. حاول مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. وفي كل مرة كانت النتيجة نفسها. ظل نوح يحدق في شاشة هاتفه بضيق، بينما كان القلق والتوتر يتصاعدان داخله مع مرور الوقت. انتهى نصف اليوم تقريبًا، وليان لم تفتح هاتفها بعد. بدأ الأمر يثير جنونه. كان يريد الوصول إليها بأي طريقة، فهو بحاجة إلى التحدث معها والاتفاق معها على ما سيفعلانه للخروج من الورطة التي وجد نفسه فيها بسبب عيد ميلادها. لكن المشكلة أن لديه عددًا كبيرًا من الاجتماعات والأعمال المهمة في الشركة، ولم يكن قادرًا على ترك كل شيء والذهاب إلى منزلها أو البحث عنها في الجامعة. ظل يفكر للحظات، ثم خطرت له فكرة مفاجئة. أمسك هاتفه واتصل بحازم. لم يمضِ وقت طويل حتى وصل حازم إلى مكتبه. وما إن دخل حتى أخرج نوح مفتاح المنزل ووضعه أمامه، ثم قال: — حازم، أريد منك أن تذهب إلى منزل ليان. نظر إليه حازم باستغراب: — منزل ليان؟ ولماذا؟ أجابه نوح بسرعة: — اذهب أولًا اضغط على جرس المنزل. إذا لم تفتح لك، استخدم المفتاح وادخل. ازداد استغراب
لن تسمح لنفسها بإهمال دراستها. فهي لا تريد أن تخسر مستقبلها الدراسي أيضًا بسبب نوح. دخلت المطبخ، وأعدت شطيرة سريعة، ثم تناولتها وهي واقفة من شدة استعجالها. بعدها غادرت المنزل متجهة إلى الجامعة. وبعد أكثر من ساعتين، انتهت محاضرتها أخيرًا. خرجت ليان من المدرج، وما إن ابتعدت عنه قليلًا حتى قابلت سارة. فقالت سارة فور رؤيتها: — ليان! أين كنتِ؟ لقد انتظرتكِ طويلًا، واعتقدت أنكِ لن تأتي اليوم. أجابتها ليان: — لقد جئت متأخرة قليلًا، ولم أركِ، لذلك جلست في أقرب مكان. سألتها سارة: — وما الذي أخركِ؟ ترددت ليان لحظة، ثم أخبرتها بما حدث هذا الصباح، وحكت لها عن مكالمة والدتها وما دار بينها وبينها وبين مازن. وما إن انتهت حتى شهقت سارة وقالت: — لحظة! اليوم عيد ميلادكِ، ولم تخبريني؟! ابتسمت ليان بحرج وقالت: — لقد نسيت... ثم إنني لن أحتفل هذا العام. اعترضت سارة فورًا: — ومن قال لكِ إنكِ لن تحتفلي؟ نظرت إليها ليان باستغراب: — وكيف سأحتفل وحدي؟ ابتسمت سارة بثقة وقالت: — ومن قال إنكِ ستحتفلين وحدكِ؟ سنحتفل أنا وأنتِ. ثم أمسكت بذراع ليان بحماس وتابعت: — سأجعلكِ تقضين يومًا لن تنسيه.
أما عند ليان، فقد استيقظت في الصباح وجلست على طرف سريرها، وكان الحزن واضحًا على ملامحها. كانت تعلم أن اليوم هو عيد ميلادها، وربما كان ذلك هو السبب الحقيقي وراء ذلك الحزن الذي تسلل إلى قلبها منذ اللحظة الأولى التي فتحت فيها عينيها. نظرت أمامها بشرود، ثم راحت تتذكر أعياد ميلادها السابقة. كانت في كل عام تستيقظ لتجد والدتها منال أمامها، وإلى جوارها شقيقها مازن، تحمل في يدها كعكة صغيرة تتوسطها شمعة. كانا يغنيان لها أغنية عيد الميلاد، ثم يهنئانها ويتمنيان لها عامًا سعيدًا. لكن ذلك لم يكن كل شيء. ففي المساء، كانت والدتها تقيم لها احتفالًا أكبر. كانت تحضر لها الكعكة التي تحبها ليان، وتزين المنزل بالكثير من البالونات، ثم يأتي أصدقاؤها والجيران لتهنئتها. وكانت الجدة زينب تحرص على الحضور، وكذلك العمة نبيلة، وأحيانًا العم سالم أيضًا. ومنذ أن تعرفت العائلتان إلى بعضهما، لم يكن أحد منهم يفوّت عيد ميلاد ليان. لكن هذا العام كان مختلفًا. نظرت ليان حولها بحزن، وشعرت بوحدة ثقيلة تخنقها. همست لنفسها: — أين أمي؟ أين أخي؟ ثم أغمضت عينيها للحظة، وقالت بحزن: — أنا وحيدة... لقد س
بعد مرور عدة أيام، كانت الأجواء هادئة داخل شركة سالم الحسيني، وفي مكتب نوح تحديدًا، حيث كان يجلس خلف مكتبه منشغلًا بإنهاء بعض الأوراق والملفات المتراكمة أمامه. كان تركيزه منصبًا على العمل، ولم يكن في ذهنه في تلك اللحظة سوى إنهاء مهامه في أسرع وقت ممكن. وفجأة، رن هاتفه المحمول. رفع نوح عينيه عن الأوراق، ثم مد يده إلى الهاتف ونظر إلى الشاشة. كان المتصل والدته، نبيلة. فتح المكالمة وأجاب: — مرحبًا يا أمي. جاءه صوت والدته وهي تحييه، فرد عليها التحية، ثم سألها عن حالها وحال جدته. طمأنته نبيلة عليهما، ثم ساد صمت قصير قبل أن تتنهد وتقول: — نوح، اتصلت بك اليوم لأعتذر منك. عقد نوح حاجبيه باستغراب، ثم سأل: — تعتذرين مني؟ لماذا؟ أجابته نبيلة: — حاولت الاتصال بليان أيضًا لأعتذر منها، لكن هاتفها مغلق، ولذلك اتصلت بك حتى أخبرك. أريد منك أن تقول لها أن تفتح هاتفها حتى أستطيع الوصول إليها. ازداد استغراب نوح. لم يفهم سبب كل هذه الاعتذارات، فقال: — أمي، أنا في العمل الآن، وليان في المنزل، واظن أنها ذهبت لجامعتها الآن.لذلك لن أستطيع الوصول إليها في الوقت الحالي حتى أخبرها بأن تفتح هاتفها.
ماذا كانت ستفعل لو مرت بكل ما مرت به ليان؟ ربما كانت ستنهار منذ البداية. وربما لم تكن لتستطيع الاستمرار في حياتها، أو الذهاب إلى الجامعة، أو الجلوس الآن أمام صديقتها والتحدث بهذه الثبات. بل إن ليان لم تكتفِ بالصمود... كانت تخطط للانتقام. ظلت سارة تستمع حتى انتهت ليان من سرد كل شيء. ولم تكن تعرف ماذا تقول. كانت تشعر أن الدموع تتجمع في عينيها من شدة الحزن عليها. مدت يدها وأمسكت بيد ليان، ثم قالت بصوت مرتجف: — يا إلهي يا ليان... هل يعقل أن كل هذا حدث معكِ بالفعل؟ صمتت للحظة، ثم تابعت: — كيف؟ كيف استطعتِ أن تعيشي بعد كل ذلك؟ كيف استطعتِ أن تدرسي، وتتحدثي، بل وتضحكي أيضًا وكأن شيئًا لم يحدث؟ ثم ضغطت على يدها وقالت: — ولماذا لم تخبريني منذ البداية؟ لماذا صمتِ طوال هذه الفترة؟ كيف استطعتِ أن تخبئي كل هذا بداخلكِ؟ ابتسمت ليان ابتسامة مريرة، وقالت: — ماذا كان يمكنني أن أفعل يا سارة؟ لم يكن أمامي حل آخر سوى الصمت. قالت سارة بحزن: — كان بإمكانكِ أن تخبريني على الأقل، حتى تخرجي كل هذا الغضب الذي بداخلكِ. هزت ليان رأسها وقالت: — لم يعد يهم الآن إن كنت أخبرتكِ من البداية أو بعد ذ