Share

العودة إلى النار

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-18 19:43:25

ظل المطر يهطل بالخارج بينما بقي الصمت ثقيلًا داخل المنزل القديم.

وقفت لارا أمام جواد دون أن تبتعد، وعيناها معلقتان به بطريقة جعلته يشعر أن السنوات الماضية لم تكن كافية للهروب منها.

كان يعرف هذه النظرة.

نظرة لارا عندما تقرر شيئًا.

وهي نادرًا ما تتراجع بعد ذلك.

“لماذا تنظر إليّ هكذا؟”

همست بها وهي تراقب ارتباكه الخفي.

أبعد عينيه عنها أخيرًا.

“لأن كل مرة أقترب منكِ… تحدث كارثة بعدها.”

ابتسمت بخفة.

“ومع ذلك تعود دائمًا.”

لم يجد ردًا.

لأنها كانت محقة.

مهما حاول الابتعاد، كانت هناك قوة مظلمة تعيده إليها باستمرار.

ربما الذنب، ربما الرغبة، أو ربما لأنه أدمن الشعور الذي تمنحه له.

الشعور بأنه مفهوم بالكامل.

حتى بأبشع أجزائه.

اقتربت لارا من المدفأة وألقت قطعة خشب جديدة داخل النار، فتراقص الضوء البرتقالي فوق وجهها بهدوء ساحر.

راقبها جواد بصمت.

ثم قال أخيرًا:

“أين نور؟”

تنهدت بضيق واضح.

“دائمًا تفسد اللحظات الجميلة.”

“لارا.”

استدارت نحوه ببطء.

“إنها حيّة.”

راقب عينيها محاولًا التأكد من صدقها.

فابتسمت بخبث صغير.

“حتى الآن.”

قبض على فكه بعنف.

لكنها اقتربت منه مباشرة قبل أن يتحدث.

“اهدأ.”

ثم رفعت يدها ولمست عنقه بخفة.

“أنت تصبح أكثر جاذبية عندما تغضب.”

أمسك معصمها فورًا.

“لا تلعبي معي الليلة.”

نظرت إلى يده فوق معصمها، ثم رفعت عينيها إليه ببطء.

وكان هناك شيء جائع داخل نظرتها.

“لكنني أحب اللعب معك.”

ساد الصمت بينهما للحظات طويلة.

أنفاسه أصبحت أثقل، وقربها بدأ يوقظ أشياء حاول دفنها منذ سنوات.

أما لارا…

فكانت تعرف ذلك جيدًا.

ودائمًا عرفت كيف تستغل ضعفه تجاهها.

“أتذكر ماذا قلتَ لي أول مرة قبلتني فيها؟”

همست بها وهي تقترب أكثر.

أغمض عينيه للحظة وكأنه يحاول الهروب من الذكرى.

لكنها أكملت بابتسامة خافتة:

“قلتَ إنني أنظر إليكِ وكأنني أريد تدميرك.”

فتح عينيه ببطء.

“وكنتِ تريدين ذلك فعلًا.”

ضحكت بخفوت.

“ربما.”

ثم اقتربت حتى أصبحت أنفاسها تلامس وجهه.

“لكنني كنتُ أحبك أيضًا.”

ارتجف شيء داخله عند سماعها تقولها بهذه البساطة.

الحب عند لارا لم يكن دافئًا أبدًا.

كان شيئًا مظلمًا، خانقًا، ومؤذيًا.

ومع ذلك…

جزء منه ظل ينجذب إليه دائمًا.

مدت يدها ببطء نحو صدره، تمرر أصابعها فوق قميصه بينما بقيت عيناها مثبتتين عليه.

“أخبرني يا جواد…”

قالتها بصوت منخفض وناعم.

“هل فكرتَ بي خلال السنوات الماضية؟”

تنفس ببطء.

“أحيانًا.”

ابتسمت.

ابتسامة صغيرة لكنها مليئة بالانتصار.

“كنت أعرف.”

ثم همست قرب أذنه:

“لأنني لم أتوقف يومًا.”

شعر بأنفاسها فوق جلده، ومعها عادت كل الذكريات القديمة دفعة واحدة.

البيت المهجور، المطر، وصوتها وهي تضحك بصوت خافت بعد كل مرة ينهار فيها أمامها.

كانت لارا تعرف كيف تلتف حول نقاط ضعفه ببطء حتى يفقد مقاومته بالكامل.

وهذا ما كانت تفعله الآن.

رفع يده أخيرًا وأمسك وجهها.

“أنتِ خطر.”

ابتسمت بخفة وهي تميل نحوه أكثر.

“لكنكَ تحب ذلك.”

ولثانية طويلة…

نسي كل شيء آخر.

نسي نور، والشرطة، والملفات، وحتى خوفه منها.

لم يبقَ سوى تلك الفوضى القديمة بينهما وانقباض الجزء السفلي منه.

اقترب منها أخيرًا، فأغمضت عينيها ببطء وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات.

ثم جذبها إليه بعنف مكبوت.

تشابكت أنفاسهما وسط ضوء النار المرتجف، بينما تمسكت به لارا بقوة وكأنها تخشى اختفاءه مجددًا.

كانت تقبّله بجوع قديم، باحتياج مؤلم، وكأنها تحاول إثبات شيء لنفسها أكثر مما تفعله له.

أما جواد، فشعر أنه يغرق داخلها مرة أخرى.

داخل ذلك الجزء المظلم الذي كان يعرف أنه سيدمره في النهاية.

لكنه لم يتوقف صار يفعلها معها مرة تلو الأخرى حتى انهكهما التعب

لاحقًا، جلست لارا فوق الأريكة قربه بينما بقيت النار تشتعل أمامهما بصمت.

أسندت رأسها فوق كتفه، وعيناها نصف مغمضتين.

بدت هادئة بصورة نادرة.

“أتعلم ما أكثر شيء أكرهه؟”

سألته فجأة.

ظل صامتًا.

فأكملت:

“أنك كنت تنظر إلى ليان وكأنها الشيء الذي يجب حمايته…”

رفعت عينيها نحوه ببطء.

“بينما كنتَ تنظر إليّ وكأنني الشيء الذي يجب إخفاؤه.”

شعر بثقل كلماتها داخل صدره.

“لارا…”

لكنها قاطعته بهدوء:

“لهذا كرهتها.”

ساد الصمت للحظات.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة ومررت أصابعها فوق عنقه ببطء.

“ومع ذلك…”

همست.

“في النهاية… عدتَ إليّ أنا.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   عندما دخل الظل

    الصمت داخل النفق أصبح خانقًا بعد كلمات مروان.حتى صوت المطر بالخارج بدا بعيدًا فجأة.“إنه كيان بنفسه.”ياسين أول من تكلم.“رائع.”قالها وهو يرفع سلاحه.“كنت أظن ليلتنا سيئة بالفعل.”لكن أحدًا لم يضحك.لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الاسم فقط…بل من رد فعل جواد.وجهه شحب بطريقة واضحة، وعيناه اتجهتا فورًا نحو مدخل النفق.كأن جسده كله دخل حالة تأهب غريزية.لارا لاحظت ذلك فورًا.“جواد.”قالتها بهدوء منخفض.“من هو بالضبط؟”لكنه لم يجب.بل وقف رغم ألمه، ثم أمسك سلاحه ببطء.“يجب أن نخرج من هنا الآن.”“إلى أين؟”سأل سليم بعصبية.“النفق له مخرج واحد!”“هناك ممر سفلي.”قال حسام بسرعة.“قديم… لكنه قد يوصلنا للحي الشرقي.”“وقد يكون مغلقًا أو منهارًا.”رد آدم.“هل لديك اقتراح أفضل؟”قبل أن يرد—توقفت أصوات المطر بالخارج فجأة.لا…ليس المطر.بل إطلاق النار.صوت السيارات. الرجال. كل شيء.اختفى دفعة واحدة.الصمت أصبح مرعبًا.كارما ضمت قبضتها فوق السلاح.“أنا أكره هذا.”همست.ثم…بدأت خطوات تُسمع من الخارج.هادئة. ثابتة. بطيئة جدًا.وكأن صاحبها لا يخشى شيئًا إطلاقًا.مروان تراجع للخلف بعنف.الخوف بعينيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الرجل الذي يتوقف الجميع لأجله

    المطر كان يهطل بغزارة فوق الأزقة الضيقة خلف المبنى المهجور.الجميع يركض، أصوات الرصاص تعود من بعيد، وأنفاسهم أصبحت أثقل مع كل خطوة.لكن لارا…كانت ما تزال تنظر خلفها.نحو الرجل الواقف فوق المبنى المقابل.لم يتحرك.لم يرفع سلاحًا.فقط وقف هناك، بهدوء مرعب، كأنه لا يحتاج لفعل أي شيء كي يخافه الجميع.حتى رجال المنظمة أنفسهم توقفوا للحظات.وكأن وجوده وحده أمر غير متوقع.“لارا!”جواد جذبها بعنف من ذراعها.“تحركي!”التفتت له أخيرًا.“من هذا؟”فكه تشنج للحظة.“ليس الآن.”قالها بسرعة وهو يدفعها للأمام.لكنها لم تخطئ تلك النظرة بعينيه.جواد يعرفه.بل ويخافه.وذلك وحده كان كافيًا ليزرع القلق داخلها.بعد دقائق طويلة من الركض…وصلوا أخيرًا إلى نفق قديم أسفل أحد الجسور المهجورة.الجميع كان يلهث بقوة.الملابس مبتلة، والإرهاق واضح على الوجوه.سليم انحنى واضعًا يديه فوق ركبتيه.“أقسم… أنني سأموت بسبب الجري وليس الرصاص.”“اصمت.”قالها حسام وهو يراقب مدخل النفق بحذر.أما كارما…فكانت تنظر نحو لارا بصمت.ثم أخيرًا اقتربت منها.“أنتِ شاحبة.”“أنا بخير.”ردت فورًا.كارما رفعت حاجبًا.“الكذبة واضحة جدًا لد

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الفتى الذي يعرف الطريق

    الصمت خيّم على المبنى المهجور للحظات طويلة بعد كلام الطفل الأمطار بالخارج كانت تضرب النوافذ المحطمة بعنف، والبرد بدأ يتسلل للمكان تدريجيًا.لكن أحدًا لم يتحرك.“ماذا قلت؟”سأل حسام أخيرًا بحدة.الطفل ارتجف أكثر، وعيناه تحركتا بين الأسلحة الموجهة نحوه.بدا في الثانية عشرة تقريبًا، نحيفًا جدًا، ووجهه شاحب من الخوف والإرهاق.كارما كانت أول من اقترب.خفضت سلاحها تمامًا، ثم ركعت أمامه بحذر.“اهدأ.”قالتها بصوت أخف من المعتاد.“لن يؤذيك أحد.”الطفل ظل يحدق بها للحظات، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.“هم يراقبون المكان.”همس.توتر الجميع فورًا.“من؟”سأل ياسين.“رجال المنظمة.”سليم شتم بصوت منخفض.“رائع. الليلة تتحسن فعلًا.”لكن لارا لم تهتم بكل ذلك.كانت ما تزال واقفة بعيدًا، تنظر نحو جواد بصمت بارد.وكلامه قبل قليل ما زال يدور داخل رأسها.“طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.”شيء داخلها كان غاضبًا.ليس فقط لأن جواد أخفى الأمر…بل لأن الجميع دائمًا يقرر عنها.أبوها. جواد. حتى ليلان أحيانًا.الجميع يتصرف وكأن لارا تحتاج من ينقذها، بينما هي طوال عمرها كانت تنقذ نفسها وحدها.“لارا.”صوت جواد قطع أفكارها.لكن

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الكلمات الأخيرة

    النار كانت تلتهم أطراف الميناء ببطء.الدخان الأسود صعد للسماء، وامتزج بالضباب الكثيف حتى أصبح المكان كله يبدو كجحيم مفتوح.الرصاص ما زال ينطلق من بعيد، لكن تركيز لارا لم يعد على أي شيء سوى جواد.“أخبرها ماذا قال لك والدها قبل أن يختفي.”صوت رائد اخترق الفوضى بوضوح مرعب.جواد ظل ينظر نحوه للحظات طويلة.ثم شد فكه بعنف.وكأن شيئًا داخله يقاوم الخروج.“جواد.”قالتها لارا هذه المرة بهدوء أخطر من الصراخ.“ماذا يقصد؟”رائد ابتسم.“أوه، يبدو أنه لم يخبركِ.”“اخرس.”خرجت من جواد بحدة مفاجئة.لكن رائد ضحك فقط.ثم بدأ يتراجع ببطء وسط رجاله.“الذاكرة شيء ممتع… خصوصًا عندما تعود متأخرة.”“لا تدعه يهرب!”صرخ سليم وهو يطلق النار.الفوضى انفجرت من جديد.رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب المنظم، يغلقون الطريق بالنيران حتى يمنعوا المجموعة من اللحاق برائد.ياسين شتم بعنف وهو ينحني خلف حاوية معدنية.“أقسم أنني سأقتله بيدي.”“خذ رقمًا وانتظر الدور.”ردت كارما وهي تعيد تعبئة سلاحها بسرعة.لكن عينيها تحركتا فورًا نحو لارا.ولأول مرة منذ بداية المواجهة…بدت لارا غير مستقرة فعلًا.جواد أمسك ذراعها برفق.“يجب أن نت

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الذكريات التي رفضت أن تموت

    الضباب فوق الميناء أصبح أكثر كثافة.الأضواء البيضاء تنعكس فوق المياه السوداء، والرصاص ما زال يتردد بعيدًا بين الحاويات المعدنية.لكن رغم الفوضى…كان تركيز الجميع منصبًا على جواد.“قل لهم ماذا رأيت تلك الليلة.”صوت رائد ظل يتردد بالمكان كسم بطيء.جواد وقف ثابتًا أمام لارا، لكن أنفاسه لم تعد منتظمة.شيء داخل رأسه بدأ يتشقق.صور متقطعة.ممرات بيضاء طويلة. صفارات إنذار. رجل يركض وسط الدخان.ثم…عينان مألوفتان تنظران له قبل انفجار ضخم.“جواد.”صوت لارا أعاده للحظة للحاضر.نظر لها.وعندما رأت عينيه…شعرت بانقباض داخل صدرها.لأنها لم تره هكذا من قبل.مرتبك. ضائع. وكأنه عاد فجأة لذلك الطفل الذي خرج من المختبر محطمًا.“انظر لي.”قالتها بهدوء منخفض.لكن رائد ضحك.“لا فائدة.”ثم اقترب خطوة بطيئة.“ذاكرته بدأت تعود بالفعل.”“اخرس.”خرجت من لارا بحدة.لكن رائد تجاهلها تمامًا.“كان والدكِ هناك تلك الليلة.”قالها وهو ينظر لها مباشرة.“دخل المختبر قبل الحريق بساعات.”تجمدت ليلان فورًا.أما لارا فبقيت ملامحها باردة، لكن عينيها أصبحت أكثر ظلمة.“لماذا؟”سألت أخيرًا.“لأنه كان يحاول إخراج شخص ما.”تبادل

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الليلة التي انفتح فيها الجرح القديم

    الهواء في الميناء أصبح أثقل فجأة.الضباب، أصوات الأمواج، الكشافات البيضاء الحادة…كل شيء صار يبدو كأنه جزء من كابوس قديم عاد للحياة.رائد وقف فوق الحاوية المعدنية العالية، ينظر إليهم بابتسامته الباردة المعتادة.لكن عيناه كانتا مثبتتين على جواد.“هل أخبرتهم أخيرًا… ماذا فعلت بالمختبر تلك الليلة؟”الصمت انفجر داخل المجموعة.ليلان نظرت لجواد بارتباك. كارما عقدت حاجبيها. حتى سليم توقف عن الحركة للحظة.أما لارا…فقط راقبته.راقبت ذلك التوتر الخاطف الذي مر بعينيه قبل أن يختفي.“لا تستمعوا له.”قالها جواد بهدوء.رائد ضحك بصوت منخفض.“ما زلت تفعلها.”“تفعل ماذا؟”سأل آدم بحدة.لكن رائد لم ينظر إلا لجواد.“يخفي الحقيقة.”لارا تقدمت خطوة للأمام، وسلاحها موجه مباشرة نحو رأس رائد.“تكلم بوضوح أو سأفجر جمجمتك.”ابتسم لها ببطء.“اشتقتُ لكِ أيضًا يا لارا.”“قل ما لديك.”خرج صوتها باردًا بشكل مرعب.رائد أسند ذراعيه فوق السور المعدني للحاوية، ثم قال بهدوء:“في الليلة التي احترق فيها المختبر…”نظر نحو جواد.“هو من أشعل النار.”شهقت كارما بخفوت.أما ليلان فنظرت لجواد بصدمة واضحة.لكن جواد بقي صامتًا.وذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status