Se connecterقالت وهي تحدّق في وجهه بملامح عابسة، وقد انعكس برودها المعتاد على نبرة صوتها:
— هل طلبتُ منك أن تحضر لي شيئًا؟ لم يجبها ألكسندر. اكتفى بأن دفع الباب قليلًا من أمامه، ثم دخل إلى المنزل وكأنه لم يسمع اعتراضها. اتسعت عيناها للحظة من شدة الاستغراب، ثم دفعت الباب وأسرعت خلفه، وهي تقول بصوت مرتفع، وملامحها تزداد جمودًا: — توقّف! هذا منزلي، وأنا لم أسمح لك بالدخول! توقّف ألكسندر في منتصف الصالون، وأخذ يتلفّت حوله ببطء. كانت عيناه تجولان في أرجاء المكان بصمت؛ الأثاث غير مرتب، وبعض الأشياء موضوعة في أماكن عشوائية، والغبار يكسو بعض الزوايا، وكأن المنزل لم يحظَ باهتمام منذ وقت طويل. لم يعلّق على شيء. اكتفى بالتوجه إلى الأريكة والجلوس عليها، ثم وضع علبة البيتزا وزجاجة الببسي على الطاولة الصغيرة أمامه. أما هي، فبقيت واقفة أمامه، تحدّق فيه بعدم تصديق. — هل قلتُ لك أن تدخل؟ لا! لماذا دخلت أصلًا؟ ثم أشارت بيدها نحو الباب، وقالت بحزم: — هيا، اخرج من منزلي حالًا. قهقه ألكسندر بخفة، ثم رفع رأسه إليها بابتسامة مشرقة لم تتأثر بحدّة كلامها. — لن أذهب إلى أي مكان. هل هكذا تعاملين زميلك في المدرسة؟ رمقته بنظرة طويلة، وكأنها تحاول أن تفهم كيف يمكن لشخص أن يكون مزعجًا إلى هذا الحد. وفي النهاية، استسلمت. جلست على الأريكة المقابلة له، وأسندت ظهرها إليها، ثم تمتمت بضيق: — أنت حقًا بلاء على رأسي... متى سينتهي هذا البلاء؟ لا أعرف، لكنه سينتهي قريبًا، حتمًا. ابتسم ألكسندر وكأنه وجد كلامها مسليًا، ثم أجابها بهدوء: — لن ينتهي. هذا سيطول. التفتت إليه ببطء، وقالت بوجه خالٍ من التعبير: — أنت حقًا ساذج. لم ينزعج من وصفها له، بل لفّ ذراعيه فوق ظهر الأريكة، وأسند رأسه إليهما براحة، ثم قال برفق: — ألا تحضرين لي بعض الماء، إذا لم أتعبك؟ نظرت إليه بدهشة ممزوجة بالانزعاج. — حسستني أنك أتيت من مكان بعيد! ثم نهضت واتجهت إلى المطبخ وهي تتمتم بكلمات غير مسموعة. فتحت باب الثلاجة، فلم تجد سوى زجاجة ماء واحدة. أخذتها وعادت بها إلى الصالون، ثم مدّتها إليه بطريقة جافة، وقالت: — خذ، اشرب. بالهناء على قلبك. عدل ألكسندر جلسته، وأخذ الزجاجة منها. — شكرًا. فتحها وشرب منها بهدوء، ثم أعادها إلى الطاولة. بعدها فتح علبة البيتزا، فانتشرت رائحتها في المكان، وجعلت عيني الفتاة تتجهان إليها دون إرادة منها. كانت البيتزا من وجباتها المفضلة. ومع ذلك، أسرعت بإخفاء اهتمامها، وأعادت ملامحها الباردة إلى وجهها. قال ألكسندر وهو يدفع العلبة قليلًا نحوها: — لقد أحضرت لكِ البيتزا. كلي. نظرت إليها للحظات، ثم أشاحت بعينيها وقالت ببرود: — لا أريدها. خذها وارحل من هنا. رفع ألكسندر حاجبه، وكأنه لم يصدقها. ثم التقط قطعة من البيتزا وقرّبها من فمه، وقال بنبرة ماكرة: — حسنًا، إذا كنتِ لا تريدينها... فسآكلها أنا. وقبل أن يأكلها، مدّت يدها بسرعة وانتزعت القطعة من أمام فمه. — إذا أحضرتها لي، فلماذا ستأكلها أنت؟ ثم بدأت تأكلها بشهية واضحة، وكأنها نسيت للحظة أنها كانت قبل ثوانٍ تطلب منه الرحيل. ظل ألكسندر يحدّق بها باستغراب. كانت تأكل بسرعة، وقد امتلأ فمها بالطعام، وبدت وجنتاها منتفختين قليلًا من كثرة ما وضعت في فمها. رفع ألكسندر حاجبه، ثم نهض عن الأريكة وقال: — حسنًا، كلي. لن أزعجك، ولن أنظر إليكِ. سأتمشى قليلًا في منزلك. لم تجبه. كانت منشغلة بالطعام، وكأنها تخشى أن تتوقف للحظة فينتبه إلى مدى استمتاعها به. اتجه ألكسندر نحو المطبخ، لكنه توقف للحظة والتفت إليها. كانت لا تزال تأكل بسرعة. فابتسم ابتسامة صغيرة، وقال بصوت خافت يحمل شيئًا من الاهتمام: — لا تتعجلي في أكل البيتزا... لن تهرب. إنها لكِ. ثم تابع سيره نحو المطبخ. دخل إليه، وأخذ يتجول بعينيه في المكان. كان المطبخ أكثر فوضى من الصالون؛ الصحون متراكمة في الحوض، وبعض الأواني موضوعة فوق بعضها، والأشياء مبعثرة على الأسطح. مدّ يده وفتح باب الثلاجة مرة أخرى. توقّف. كانت الثلاجة شبه فارغة. لم يكن فيها سوى القليل جدًا من الأشياء، حتى إنها بدت كأنها لم تُستخدم منذ أيام. ظل ألكسندر واقفًا أمامها لثوانٍ، وقد اختفت الابتسامة عن وجهه تدريجيًا. هذه المرة، لم ينظر إلى المكان بفضول. بل بدأ يفهم شيئًا لم تقله له هي بنفسها. لم تكن ترفض طعامه لأنها لا تريده... ربما كانت فقط معتادة على ألا يقدّم لها أحد شيئًا.حلّ المساء، وعادت الفتاة المنبوذة من المدرسة بخطوات هادئة، بينما كان اليكسندر يسير خلفها على مسافة قصيرة، واضعًا يديه في جيوب معطفه، يراقب الطريق بصمت. كان الهواء باردًا قليلًا، والشارع أكثر هدوءًا من المعتاد. لم يكن يُسمع سوى وقع خطواتهما المتتابعة وأصوات السيارات البعيدة. وفجأة، توقفت الفتاة المنبوذة. رفع اليكسندر رأسه باستغراب، فرأى أمامها جروًا صغيرًا أبيض اللون، يقف بالقرب من أحد المنازل، وكان ينبح بصوت ضعيف ومتقطع. ما إن رأته حتى تغيرت ملامحها. لأول مرة منذ بداية الطريق، بدت على وجهها علامات فرح واضحة. أسرعت نحوه، ثم جلست على ركبتيها أمامه ومدت يدها لتداعب فروه الناعم. — هل تبحث عن أهلك؟ توقف الجرو عن النباح، وأخذ ينظر إليها بعينين بريئتين. ابتسمت له الفتاة المنبوذة ابتسامة صغيرة، ثم مررت أصابعها فوق رأسه. — لا تخف... أنا هنا. حرك الجرو ذيله، واقترب منها أكثر. ضحكت بخفة. — وأنت؟ لماذا أنت هنا وحدك؟ أنت ما زلت صغيرًا... أين صاحبك؟ حملته بين ذراعيها ونهضت، ثم أخذت تدور به ببطء، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة لم يعتد اليكسندر رؤيتها منها. — أنت ناع
قلب إيفان مشغّل الـMP3 بين أصابعه ببطء، وأخذ يتأمله للحظات، وكأن ملمسه أعاد إليه ذكرى ظلّت عالقة في مكان بعيد من ذاكرته.ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لم تكن ابتسامة سخرية هذه المرة، بل كانت تحمل شيئًا من الحنين.رفع عينيه نحو الفتاة المنبوذة وقال بهدوء:— لقد أهديتكِ هذا عندما كنا طفلين... أتتذكرين؟ما إن سمعت كلماته حتى توترت.تشنجت أصابعها دون وعي، وقبضت على طرف تنورتها، بينما بقيت عيناها معلقتين به.أما إيفان، فظل ينظر إليها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:— أتتذكرين عندما أحضركِ أبي إلى منزلنا؟صمت قليلًا، وكأن الصورة بدأت تتشكل أمام عينيه من جديد.— كان ذلك أجمل يوم بالنسبة إليّ...ثم ابتسم.وانسحب الحاضر من حوله شيئًا فشيئًا، لتعود ذاكرته إلى ما قبل عشر سنوات.قبل عشر سنوات...كان منزل عائلة إيفان هادئًا في ذلك الصباح، وأشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الكبيرة لتنعكس على أرضية الصالون اللامعة.كان إيفان الصغير في غرفته عندما سمع صوت والده يناديه من الأسفل.— إيفان! انزل يا بني، لقد أحضرت لكِ صديقة لطيفة.اتسعت عينا إيفان بحماس.ترك ما كان يفعله واندفع خارج غرفته، ثم بدأ يركض على الد
كانت الفتاة المنبوذة جالسةً في مقعدها بصمت، تحدّق أمامها بشرود، بينما كان اليكسندر قد خرج، على الأرجح، إلى الحمّام.مرّت الدقائق بطيئةً وثقيلة، ولم يدخل الأستاذ إلى الفصل بعد. أخذ الضجر يتسلل إليها شيئًا فشيئًا، فتنفست بضيق، ثم ألقت نظرة سريعة حولها.لم يكن إيفان في مكانه أيضًا.لقد جاء معهم في وقت سابق، لكنها لم تره منذ ذلك الحين، ولم يظهر حتى الآن في الفصل.تنهدت بهدوء، ثم وقفت عن مقعدها.أخرجت سماعاتها، ووضعتها فوق أذنيها، بينما وضعت مشغّل الـMP3 الصغير في جيبها، ثم غادرت الفصل دون أن تلفت انتباه أحد.سارت في الممر الهادئ بخطوات متثاقلة، وكانت أصوات الطلاب المتناثرة تصلها مكتومةً عبر السماعات. وبينما كانت ترفع عينيها تبحث عن إيفان، ظهرت أمامها ميلينا وصوفيا.كانت كل واحدة منهما تشبك ذراعها بذراع الأخرى، وتسيران معًا وهما تتحدثان وتضحكان.ما إن لمحَتا الفتاة المنبوذة حتى خفتت ضحكاتهما، وتبادلت الاثنتان نظرةً ذات مغزى.لم تهتم الفتاة المنبوذة، وأرادت تجاوزهما دون كلمة.لكن، وقبل أن تخطو خطوة أخرى، مدت ميلينا ساقها فجأة أمامها.لم تنتبه الفتاة المنبوذة إلى ما فعلته إلا بعد فوات الأو
وضع اليكسندر يديه في جيبي معطفه، ثم حرّك إحدى ساقيه بملل، وأطلق صفيرًا قصيرًا وهو يرفع ذقنه بغرور، وكأنه يتحدث عن أمر محسوم لا يقبل النقاش. — لماذا سنُعجب بشكلك أصلًا؟ رغم أنني أوسم منك. التفت إليه إيفان ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة توحي بأنه لم يأخذ كلامه على محمل الجد. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رقبته، ثم قال بنبرة ساخرة: — لأنني رأيتكم تنظرون إليّ بدهشة، لذلك قلت هذا. لم يرد اليكسندر، واكتفى بنظرة جانبية متعالية. في تلك اللحظة، تقدمت الفتاة المنبوذة نحو الدراجة النارية بخطوات هادئة، ثم وقفت أمام إيفان ونظرت إليه ببرود تام. — ما الذي أتى بك إلى هنا؟ اذهب في طريقك. رفع إيفان حاجبه، ثم أجابها بنبرة هادئة تحمل شيئًا من المزاح: — إنها صدفة، ألم يعجبك الأمر؟ لكن حسنًا كما تريدين... إلا أن قلبي لن يفرط بكما. وقبل أن ترد، جاء صوت اليكسندر من بعيد، مرتفعًا وواضحًا: — فرّط بنا! نحن لا نريد مساعدتك! كان إيفان على وشك وضع الخوذة على رأسه، إلا أن الفتاة المنبوذة نظرت إلى الساعة في معصمها، واتسعت عيناها قليلًا حين أدركت الوقت. — لا، لا، توقف! سنذهب معك. توقفت يد إيفان في الهواء، ثم
---نظرت الفتاة المنبوذة إلى الورقة الموضوعة بجانب الثلاجة، ثم مدت يدها وأخذتها بتردد. فتحتها وبدأت تقرأ ما كُتب فيها سطرًا بعد آخر.ومع استمرارها في القراءة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة دون أن تشعر.لكنها سرعان ما انتبهت إلى نفسها، فعادت ملامحها الباردة إلى وجهها وكأن شيئًا لم يحدث.وضعت الورقة جانبًا، ثم وضعت يديها على خصرها، وأخذت تحرك قدمها بضيق وهي تحدق في الثلاجة الممتلئة أمامها.تنفست بعمق، وقالت لنفسها بنبرة ساخطة:— ماذا أفعل الآن بهذه البلوى التي سقطت فوق رأسي؟!ثم حدقت في الرفوف لحظة أخرى، وتذكرت ما فعله اليكسندر في منزلها.قطبت حاجبيها وقالت بانزعاج:— ولم يكتفِ بذلك... بل عبث بدفتري أيضًا، وأخذ قلمي واستخدمه!هزت رأسها بضيق، ثم استدارت وغادرت المطبخ.دخلت غرفتها، واتجهت مباشرة إلى الحمام. فتحت الصنبور، وغسلت وجهها بالماء البارد، ثم أمسكت فرشاة أسنانها وبدأت بتنظيف أسنانها بحركات قوية، وكأنها تفرغ فيها كل انزعاجها.وبعد دقائق، غسلت فمها، ثم خرجت وهي تجفف وجهها بمنشفة صغيرة.لكنها توقفت عند عتبة غرفتها.أخذت تتفحص المكان بنظرة طويلة.كانت الملابس مبعثرة هنا وهناك، والكت
---ثم ألقى أليكسندر نظرة أخيرة نحو الفتاة المنبوذة، ليتأكد من أنها ما تزال غارقة في نومها. كانت ملامحها هادئة على غير عادتها، وشعرها مبعثر قليلًا حول وجهها.التفت بعدها نحو حقيبتها الموضوعة على الأريكة، فتردد للحظة، ثم اقترب منها وفتحها بحذر. أخرج قلمًا وورقة صغيرة، واتجه بهما إلى المطبخ.وقف أمام الثلاجة، وأسند الورقة إلى الطاولة، ثم طواها إلى نصفين وبدأ يكتب بخط واضح:> «أرجوكِ، لا تغضبي مني بسبب ما فعلته. أعلم أنكِ قد تظنين أنني أشفق عليكِ، لكن الأمر ليس كذلك. أنا فقط أردت مساعدتك، لا أكثر.ولكي لا تنزعجي مني، اعتبري كل ما اشتريته لكِ دينًا عليكِ، ويمكنكِ إعادته إليّ عندما تستطيعين. ولا تنسي أنني أحضرت لكِ البيتزا التي تحبينها، لقد وضعتها في الثلاجة، فسخنيها عندما تستيقظين وتناوليها. لا أريدكِ أن تبقي جائعة.»توقف عن الكتابة قليلًا، وحدّق في الكلمات أمامه، ثم أضاف بابتسامة صغيرة:> «وأرجوكِ، لا تفكري كثيرًا في الأمر. لم أفعل شيئًا يستحق الشكر.»طوى الورقة بعناية، ووضعها في مكان واضح بجوار الثلاجة، حتى تكون أول ما تقع عليه عيناها عندما تستيقظ.ثم اتجه نحو المكتبة الصغيرة الموجودة ف







