مشاركة

الفصل التامن

مؤلف: Jamaleddine
last update تاريخ النشر: 2026-10-06 21:27:12

الفصل الثامن

الباب الأخير

قرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:

«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»

كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.

ومع ذلك، كتبت:

«متى وأين؟»

أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.

— ماذا تفعلين؟

— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.

— أنت لا تجيدين التمثيل معه.

— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.

قالت مريم:

— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.

أجابت لميس:

— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.

قالت ريانا:

— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.

تدخل آدم:

— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.

التفتوا إليه.

كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.

قالت ريانا:

— ماذا تقترح؟

— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق، ونستطيع تسجيل كل ما يفعله داخل الشبكة.

قالت لميس:

— والشرطة؟

— تتولى ريانا إبلاغ المفتش. لن تتحرك القوة حتى يظهر كريم، كي لا يهرب مجددًا.

سألت مريم:

— وهل ستذهب لميس إليه وحدها؟

أجاب آدم:

— ظاهريًا فقط.

نظرت لميس إليه.

— وهل تظن أنني سأرتدي جهاز تنصت وأقرأ نصًا كتبتموه لي؟

— لا أظن أنك ستلتزمين بنص حتى لو كتبته بنفسك.

كادت تغضب، لكنها رأت في عينيه أنه لا يسخر منها.

تابع:

— لهذا لن نعطيك نصًا. نحتاج فقط إلى أمر واحد: مهما قال، لا تذهبي معه إلى مكان آخر، ولا تمنحيه شيئًا لم نتفق عليه.

قالت ريانا:

— ولا تحاولي إنقاذه إذا بدأ بالبكاء.

رمقتها لميس.

— لست بهذا الغباء.

جاء صوت مريم هادئًا:

— كنت أقول الجملة نفسها.

ساد الصمت.

سحبت لميس هاتفها من أمام ريانا، وكتبت إلى كريم:

«سأحضر البطاقة. لكنني لن أدخل الشركة قبل أن أرى الدليل.»

جاء رده سريعًا:

«منتصف الليل. المرأب الخلفي لأفق. تعالي وحدك.»

قال آدم:

— اختار شركتك لأنه لا يستطيع الدخول من دونك.

قالت لميس:

— أو لأن الدليل موجود هناك.

أغمضت ريانا عينيها.

لم تعرف لميس لماذا قالتها. لم تعد تصدق وجود الدليل، لكنها شعرت بحاجة غريبة إلى إبقاء احتمال صغير يستطيع كريم الاختباء داخله.

قال آدم:

— سأصنع البطاقة البديلة. أنت تعرفين شكل بطاقتك أكثر منا، لذلك سأحتاج الأصلية.

مدت لميس يدها إلى حقيبتها، ثم توقفت.

سألها:

— أين هي؟

— في منزلي.

كانت تكذب.

منذ تعليق صلاحياتها، احتفظت ببطاقة الدخول الحقيقية في الجيب الداخلي لحقيبتها. كان عليها إعادتها إلى إدارة الشركة، لكنها لم تستطع التخلي عن القطعة التي تفتح أبواب المكان الذي بنته.

لاحظت ريانا ترددها.

— لميس؟

أغلقت الحقيبة.

— قلت إنها في المنزل.

---

قبل منتصف الليل بربع ساعة، كان مبنى «أفق» مظلمًا إلا من ضوء الطوارئ عند المداخل.

أوقفت لميس سيارتها في المرأب الخلفي. ارتدت تحت سترتها جهاز تنصت صغيرًا ثبته آدم، وحملت في جيبها البطاقة المزيفة.

جلس آدم داخل سيارة على بعد شارعين، يراقب إشارات المبنى على حاسوبه. وكانت ريانا مع المفتش سليم في سيارة أخرى، بينما بقيت هناء إلى جانب مريم في منزل آمن بعد أن أصرت الشرطة على عدم اقترابهما.

جاء صوت ريانا في السماعة الصغيرة داخل أذن لميس:

— إذا لم يظهر خلال خمس دقائق، تعودين إلى السيارة.

لم تجب.

— هل تسمعينني؟

همست:

— أسمعك.

— قولي إنك موافقة.

— لست موظفة لديك.

تنهدت ريانا.

— حتى ونحن نحاول منعك من دخول السجن، لا تستطيعين التوقف عن العناد.

ظهرت حركة بين الأعمدة.

تقدّم كريم من الظلام.

كان يرتدي معطفًا أسود وقبعة تخفي جزءًا من وجهه. توقف على مسافة منها، ونظر حوله قبل أن يقترب.

قال:

— كنت أعرف أنك ستأتين.

لم تجبه.

نظر إلى حقيبتها.

— هل أحضرت البطاقة؟

— أين الدليل؟

— في الداخل.

— أرنيه هنا.

— لا أستطيع حمل الخادم إلى المرأب يا لميس.

كان صوته هادئًا، كأنهما يلتقيان لإنهاء خلاف عادي، لا بعد هروبه وكذبه ومحاولته اختراق شركتها.

قالت:

— أعطيتني ذاكرة حاولت الدخول إلى شبكة «أفق».

توقف.

شعرت بريانا تتحرك في السيارة الأخرى، وسمعت همس المفتش يطلب من رجاله الاستعداد.

سأل كريم:

— فتحتِها؟

— أجبتني.

نظر إليها طويلًا.

— آدم فتحها، أليس كذلك؟

لم تسأله كيف يعرف اسم آدم. لم تمنحه فرصة لصناعة كذبة جديدة.

— حاولت استعمالي للمرة الأخيرة.

اقترب خطوة.

— لو كنت أريد إيذاءك، لنجح البرنامج منذ اللحظة التي أدخلتِ فيها الذاكرة إلى حاسوبك.

— كنت تعرف أنني سأفعل.

— كنت أعرف أنك لن تثقي بي بما يكفي.

ضحكت بمرارة.

— وأعددت خطتك على أساس أنني أثق بك وعلى أساس أنني لا أثق بك في الوقت نفسه.

— أعددتها على أساس أنك ستفعلين ما تفعلينه دائمًا: ستترددين.

أصابها صدقه أكثر من أكاذيبه.

قالت ريانا في السماعة:

— اجعليه يعترف بمن أرسله.

سألت لميس:

— هل نادر هو من طلب منك الدخول إلى الشركة؟

لم يجب.

— هل أعطاك الأوامر منذ البداية؟

قال كريم:

— نادر ليس الرجل الذي تظنينه.

— وأنت؟ أي رجل كنت؟ الذي أحبني، أم الذي استعملني، أم الزوج الذي يعود ليلًا إلى سارة؟

تغير وجهه.

— لا تتحدثي عنها الآن.

— لماذا؟ لأنها كذبة لا تستطيع تحويلها إلى خطأ إداري؟

— سارة وابني في خطر.

— بسببك.

— بسبب نادر.

أخرج هاتفه وعرض عليها مقطعًا مباشرًا. ظهرت سارة جالسة فوق كرسي داخل غرفة مظلمة، ويداها مقيدتان خلفها. كان يزن يبكي في حضنها، بينما وقف شريف عند الباب يحمل سلاحًا.

توقفت أنفاس لميس.

جاء صوت ريانا في أذنها:

— قد يكون المقطع مسجلًا. لا تتحركي.

قال كريم:

— أخذوهما قبل ساعة. قال نادر إنه سيقتلهما إذا لم أفتح له خادم الشركة الليلة.

— لماذا يريد خادم «أفق»؟

— لأنه يحتوي على الملفات التي تثبت تحويلاته. كنت أخزن نسخًا هناك من دون علمك.

لميس تعرف خوادم شركتها. لا يستطيع كريم تخزين شيء داخلها من دون حساب أو صلاحية.

قالت:

— كاذب.

رفع صوت الهاتف. جاء بكاء الطفل واضحًا، ثم صوت سارة:

— كريم، لا تفعل ما يريد! اذهب إلى الشرطة!

صفعها شريف، فسقط الهاتف من يد الشخص الذي يصور للحظة قبل أن يعود إلى مكانه.

اندفعت لميس نحو الشاشة.

قال آدم في السماعة:

— لميس، ابقي مكانك. أحاول تحديد مصدر البث.

قال كريم:

— أعطني البطاقة.

— لن تنقذها بدخول الشركة.

— أحتاج إلى الملفات التي تثبت أن نادر هو المسؤول. إذا حصل عليها، سيتركهما.

— وإذا لم يفعل؟

صرخ:

— أعطني البطاقة!

تراجعت خطوة.

ظهر الذعر في عينيه. ربما كان يمثّل، وربما كان ابنه فعلًا في قبضة رجل مسلح. لم تعد لميس تعرف أي جزء منه حقيقي، لكن بكاء الطفل لم يحتج إلى ثقتها.

أخرجت البطاقة المزيفة من جيبها.

مد كريم يده، إلا أنها أبقتها بين أصابعها.

— سندخل معًا.

— لا.

— إما أن أدخل معك، وإما لن تحصل عليها.

نظر إلى الهاتف، ثم إليها.

— حسنًا.

قالت ريانا:

— لا تدخلي. انتهى الاتفاق. الشرطة ستتحرك الآن.

لكن لميس بدأت تمشي نحو الباب الخلفي.

قال المفتش في السماعة:

— سيدتي لميس، توقفي. رجالي قريبون.

رفعت يدها نحو أذنها كأنها تعدل شعرها، ثم نزعت السماعة وأسقطتها أرضًا.

سمعت صوت ريانا يناديها قبل أن تنقطع الإشارة:

— لميس!

نظر كريم إلى السماعة تحت قدميها.

— جئتِ بهم.

— كنت تتوقع أن آتي وحدي بعد كل ما فعلته؟

— سيقتلون ابني إذا رأوا الشرطة.

— إذن أسرع.

وصلا إلى الباب. مررت لميس البطاقة المزيفة فوق القارئ.

أضاء باللون الأخضر.

فتح الباب.

نظر كريم إلى البطاقة بدهشة خفيفة لم تفتها.

قال:

— ظننت أن المجلس أوقف صلاحياتك.

— لم يوقفها كما يجب، على ما يبدو.

كان آدم قد برمج البطاقة لفتح المدخل الخلفي فقط. أما بقية الأبواب، فستسجل محاولات كريم وتبقيه داخل الممر حتى تصل الشرطة.

دخلا.

أُغلق الباب خلفهما.

كانت الممرات مظلمة، لكن مصابيح الطوارئ رسمت خطًا أخضر فوق الأرض. مشت لميس أمام كريم حتى وصلا إلى باب المصعد.

قال:

— غرفة الخوادم في الطابق السادس عشر.

— أعرف مكانها. هذه شركتي.

ضغط الزر.

لم يأت المصعد.

ظهر على الشاشة: «خارج الخدمة».

قال كريم:

— نستعمل السلم.

كان عليهما المرور بباب أمني آخر للوصول إليه. مررت لميس البطاقة المزيفة.

أضاء القارئ بالأحمر.

حاولت ثانية.

الأحمر.

نظر كريم إليها.

— البطاقة لا تعمل.

— ربما لأن صلاحياتي معلقة.

— قلت إنها لم تتوقف.

— قلت ما احتجت إلى قوله كي تدخل.

تغير وجهه.

ابتعد عنها خطوة، ثم أخرج من جيبه سلاحًا صغيرًا.

تجمدت لميس.

لم ترفع صوتها.

— قلت إنك لا تريد إيذائي.

— لا تجبريني.

— لم أجبرك على شيء منذ عرفتك. كنت أفتح لك كل باب تطلبه، ثم تقنعني أنني اخترت ذلك وحدي.

مد يده.

— أعطني البطاقة الحقيقية.

— ليست معي.

اقترب ووضع السلاح قرب جانبها.

— أعرفك يا لميس. أعرف أنك لم تسلمي بطاقتك بعد تعليقك. لا تستطيعين التخلي عن أي شيء تعتقدين أنه يثبت قوتك.

شعرت بالبطاقة الحقيقية داخل الجيب السري لحقيبتها.

قرأ الحقيقة في عينيها.

مد يده إلى الحقيبة.

أمسكت بها.

— إذا فتحت لك الباب، ستترك سارة والطفل؟

— نعم.

— أقسم.

ارتعشت شفتاه.

— أقسم أنني سأخرجهم.

كان يمكنه أن يقسم بأي شيء. لم يعد لقسمه معنى.

لكن الطفل كان يبكي داخل ذلك الهاتف.

فتحت لميس الحقيبة وأخرجت البطاقة الحقيقية.

قالت ريانا مرة إن كل كذبة يطلبها كريم ستجعل التالية أسهل. لم تعرف أن كل باب تفتحه له سيجعل إغلاق الذي بعده أصعب أيضًا.

أمسك كريم البطاقة.

مررها فوق القارئ.

تحول الضوء إلى الأخضر.

فتح باب السلم.

في اللحظة نفسها، دوّى إنذار خافت في المبنى. كان آدم قد تلقى إشارة استعمال البطاقة الأصلية.

قال كريم:

— ماذا فعلتِ؟

— لا شيء.

أمسك بذراعها وسحبها نحو السلم.

صعدا بسرعة. عند الطابق الرابع، سمعت لميس صوت باب المبنى يُكسر في الأسفل، ثم وقع خطوات رجال يصعدون خلفهما.

قال كريم:

— الشرطة.

رفع هاتفه واتصل بشريف.

— نحن في الداخل. لا تؤذهما!

جاءه صوت شريف عبر المكبر:

— تأخرت.

انقطع البث.

توقف كريم فوق الدرجة، وحدق في الشاشة.

— شريف؟

لم يجبه أحد.

عاود الاتصال، لكن الهاتف أصبح مغلقًا.

قالت لميس:

— أعطني الهاتف.

دفعها بعيدًا.

— اصعدي.

— ربما نقلوهما.

— قلت اصعدي!

رفع السلاح نحوها.

واصلت الصعود.

حين وصلا إلى الطابق السادس عشر، كان باب الممر مفتوحًا.

توقف كريم.

قالت لميس:

— لا يُترك هذا الباب مفتوحًا.

دخلا بحذر.

كانت أضواء المكاتب مشتعلة، مع أن الطابق يجب أن يكون فارغًا. وفي آخر الممر وقف رجل قرب باب غرفة الخوادم.

نادر.

كان يصفق ببطء.

— كنت أعرف أنها ستأتي، قال وهو يبتسم. أخبرتك أن لميس قد تشك في العالم كله، لكنها ستمنحك دائمًا فرصة أخيرة.

نظر كريم إليه بذهول.

— أين ابني؟

— في مكان آمن، ما دمت تفعل ما اتفقنا عليه.

— قلت إنك ستتركهما بمجرد أن أدخل.

ضحك نادر.

— وأنت قلت إنك تستطيع السيطرة عليها. يبدو أن كلينا بالغ في تقديرك.

التفتت لميس إلى كريم.

— كنتما متفقين.

قال كريم بسرعة:

— لا. كان الاتفاق مختلفًا.

— هناك دائمًا اتفاق مختلف حين تنكشف الحقيقة، أليس كذلك؟

مد نادر يده.

— البطاقة.

قبض كريم عليها.

— أطلق سارة ويزن أولًا.

اختفت ابتسامة نادر.

— لا تنسَ من أخرجك من قضية مريم، ومن دفع ديونك، ومن منحك حياة لم تكن لتحلم بها.

قالت لميس:

— إذن مريم قالت الحقيقة.

نظر نادر إليها.

— قالت الجزء الذي يجعلها تبدو ضحية. لا أحد منكم يحب الحقيقة كاملة.

اقتربت أصوات الشرطة من الطابق.

أخرج نادر سلاحه.

— البطاقة يا كريم.

رفع كريم سلاحه نحوه.

للحظة، وقف الرجلان متقابلين، وكل واحد منهما يمسك بالسلاح الذي وعد الآخر ألا يحتاج إليه.

قال نادر:

— لا تكن غبيًا. هي لن تسامحك بعد الليلة.

انتقلت عينا كريم إلى لميس.

كان في نظرته سؤال قديم: هل بقي باب واحد يستطيع العودة منه؟

عرفت لميس ما ينتظره. كلمة منها، إشارة، كذبة أخيرة تقول له إنه إذا أنقذها الآن فقد تنسى كل ما سبق.

قالت:

— لا تنظر إليّ. افعل الصواب مرة واحدة لأنك اخترته، لا لأن امرأة ستكافئك عليه.

اشتد فكه.

ثم رمى بطاقة الدخول نحوها.

— اركضي!

انحنت لميس لالتقاطها.

دوّى صوت طلقة.

شعرت بجسد يصطدم بها، فسقطت فوق الأرض. تبعتها طلقة ثانية، وتحطم الزجاج خلفها.

امتلأ الممر بالصراخ ووقع الأقدام.

مدت لميس يدها تتحسس صدرها. لم تشعر بألم، لكن كفها امتلأت بدم دافئ.

رفعت رأسها.

كان كريم ممددًا فوقها، ووجهه قريبًا من وجهها، بينما يتسع اللون الأحمر فوق قميصه.

فتح عينيه بصعوبة.

قال بصوت مكسور:

— هذه المرة... صدقيني.

ثم أُطفئت أضواء الطابق كله.

وفي الظلام، جاء صوت نادر:

— خذوا البطاقة... واتركوهما يحترقان.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل الحادي عشر

    الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل العاشر

    الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التاسع

    الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التامن

    الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السابع

    الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السادس

    الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status