تسجيل الدخولالفصل الحادي عشر
من يجلس على رأس الطاولة عند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى. لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف. وقفت أمام المرآة. كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها. لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة. بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها. طرقت ريانا الباب. — بقيت ساعة ونصف. خرجت لميس. كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير. قالت ريانا: — حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف. — الاجتماع في الثامنة. — أعرف. — إذن سيحصلون على ساعة ونصف. — إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل التصويت إلى حين صدور القرار. قال آدم: — بشرط ألا يكون نادر قد نقل الأصول بالفعل. نظرت إليه لميس. — هل فعل؟ — لا أستطيع الدخول إلى النظام. غيروا صلاحيات جميع الحسابات الإدارية قبل ساعة. — حتى حسابك؟ — حتى حسابك أنت. واصل الثلاثة السير نحو المصعد. قالت ريانا: — هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه قبل أن نصل. توقفت لميس. — ماذا؟ — الصحافة تنتظر أمام المبنى. — من أخبرهم؟ — نادر، على الأرجح. القنوات تتحدث عن حريق متعمد، واختراق أمني، ومديرة تنفيذية ساعدت زوجها الهارب على دخول الشركة. قالت لميس: — لم يكن زوجي. نظرت إليها ريانا. — هذه هي الجملة التي وجدتها مهمة؟ — لا أريده أن يحمل اسمًا لم أمنحه له. فُتح باب المصعد. دخلت لميس ووقفت بينهما. قال آدم: — نستطيع الدخول من المرأب لتجنب الصحافة. رفعت رأسها نحو انعكاسها في الباب المعدني. — دخلت من الأبواب الخلفية بما يكفي. --- توقفت السيارة أمام المبنى الإداري لشركة «أفق». كان الصحفيون ينتظرون عند الدرج، تحيط بهم الكاميرات والميكروفونات. وما إن فُتح باب السيارة حتى اندفعوا نحوها. — سيدة لميس، هل صحيح أنك ساعدت كريم على اقتحام الشركة؟ — هل تربطك علاقة شخصية بالمتهم؟ — هل وقعتِ التفويض لنادر بكامل إرادتك؟ — هل كنتِ داخل المبنى حين بدأ الحريق؟ — هل ستستقيلين اليوم؟ بقيت لميس لحظة إلى جوار السيارة. همست ريانا: — لا تجيبي. أي كلمة ستُستعمل ضدك. تقدمت لميس نحو المدخل، لكن سؤالًا أوقفها: — هل تسبب خلاف عاطفي في حريق «أفق»؟ استدارت. رفعت ريانا يدها محاولة منعها، إلا أن لميس اقتربت من الميكروفونات. قالت: — لم يحترق مقر «أفق» بسبب خلاف عاطفي. أُحرق لإخفاء جرائم مالية ومحاولة الاستيلاء على الشركة. تعالت الأسئلة. تابعت: — والتفويض الذي يحمل توقيعي مزور. سأدخل الآن إلى اجتماع مجلس الإدارة، وسأخرج منه بصفتي التي دخلت بها: مؤسسة «أفق» ومديرتها. قال صحفي: — وإذا صوّت المجلس ضدك؟ نظرت مباشرة إلى الكاميرا. — عندها سيضطر بعض أعضائه إلى شرح سبب تصويتهم من داخل المحكمة. دخلت المبنى. قالت ريانا وهي تلحق بها: — طلبت منك ألا تتكلمي. — لم أجب عن أسئلتهم. أعطيتهم سؤالًا أكبر. نظر آدم إلى هاتفه. — وقد نجح. المقطع ينتشر الآن. لم تستطع ريانا إخفاء ابتسامة صغيرة. — ما زلت غاضبة منك. — يمكنك إضافته إلى القائمة. --- كانت قاعة الاجتماعات في الطابق الأخير ممتلئة قبل موعدها. جلس أعضاء المجلس حول الطاولة الطويلة، وأمام كل واحد منهم نسخة من التفويض وملف يحمل عنوان «خطة حماية الشركة». وفي رأس الطاولة جلس فؤاد الراوي، رئيس مجلس الإدارة. كان في أواخر الستينيات، يرتدي بدلته الرمادية المعتادة وربطة عنق زرقاء اختارها يوم توقيع أول استثمار في «أفق». كان الرجل الذي وقف إلى جوار لميس في افتتاح الفروع، والذي قال لها يومًا إن الشركة ابنة كليهما. حين دخلت، رفع عينيه إليها بهدوء. — لميس. كان ينبغي أن تكوني في المستشفى. أغلقت الباب خلفها. — وكان ينبغي أن تكون أنت في مركز الشرطة. ساد الصمت. جلس آدم وريانا إلى جانبها، بينما بقي مقعد نادر فارغًا. أمامه شاشة كبيرة ظهر فوقها اسمه فقط، من دون صورة. قال فؤاد: — لن أسمح بتحويل الاجتماع إلى مسرح. وضعت ريانا ملفها فوق الطاولة. — وأنا لن أسمح بتحويل جريمة إلى تصويت إداري. التفويض مزور، ولدينا طلب قضائي عاجل لإبطاله. قال أحد الأعضاء: — لكنه يحمل توقيع لميس الرقمي وبطاقة دخولها. أجاب آدم: — استُعملت البطاقة بعد سرقتها منها أثناء الحريق. قال فؤاد: — وكيف نعرف أنها سُرقت؟ دخلت لميس المبنى بنفسها مع متهم هارب، واستعملت بطاقتها الحقيقية لفتح الأبواب. قالت لميس: — كنت تحت تهديد السلاح. — هذا ما تقولينه الآن. حدقت فيه. كان يتحدث بلهجة باردة لم تسمعها منه من قبل. لم يكن الرجل الذي طمأنها بعد أول خسارة، ولا الذي قال لها إن الأخطاء جزء من القيادة. ربما لم يتغير الليلة؛ ربما كانت هي التي لم تره قط كما هو. قالت: — لدينا تسجيل بصوتك. توقفت أصابع فؤاد فوق الملف. لم يتغير وجهه، لكن لميس رأت الحركة. فتح آدم الحاسوب وشغّل المقطع. خرج صوت نادر أولًا: «بعد توقيع لميس، لن نحتاج إلى كريم. تخلّص منه، ومن سارة والطفل أيضًا.» ثم جاء صوت فؤاد: «وماذا عن لميس؟» رفع أعضاء المجلس رؤوسهم نحوه. أوقف فؤاد التسجيل قبل أن يكتمل. — تسجيل مجهول المصدر يمكن تركيبه خلال دقائق. قال آدم: — سنسلم الهاتف إلى الشرطة للفحص، وسيحدد الخبراء إن كان معدلًا. أجاب فؤاد: — افعلوا. إلى أن يثبت ذلك، سنناقش مصلحة الشركة. ضغط زرًا أمامه. اشتغلت الشاشة الكبيرة، وظهر نادر داخل غرفة غير معروفة. ارتدى قميصًا أبيض وسترة داكنة، وكأن الليلة الماضية لم تمر به. قال: — صباح الخير، لميس. نهضت ريانا. — نادر مطلوب للاستجواب في قضية إطلاق نار وحريق واختطاف. ابتسم. — لذلك لم آتِ شخصيًا. لكنني المدير التنفيذي المفوض، ولي الحق في حضور الاجتماع عن بُعد. قالت لميس: — لن تبقى مفوضًا طويلًا. — يكفيني هذا الصباح. فتح عرضًا أمام المجلس. ظهرت رسوم بيانية وتقارير خسائر وصور للحريق. قال نادر: — خلال الأسابيع الأخيرة، تعرضت الشركة لتسريب معلومات، وتعطلت صفقات، ثم سمحت مؤسستها لرجل متهم بالاحتيال بدخول خوادمنا ليلًا. النتيجة: حريق، موظفان مصابان، بيانات مفقودة، وسمعة تنهار أمام الأسواق. قالت لميس: — كل ذلك صنعته أنت. — ربما. لكن المستثمرين لا يسألون من صنع الفوضى أولًا. يسألون من يستطيع إيقافها. ظهرت وثيقة جديدة. — أقترح دمجًا مؤقتًا مع مجموعة «مدار القابضة». ستضمن السيولة، وتحمي الوظائف، وتعيد تشغيل الخوادم. سأل أحد الأعضاء: — وما المقابل؟ — خمسة وأربعون في المئة من أسهم «أفق»، مع منح المجموعة حق الإدارة لسنتين. ضربت لميس كفها فوق الطاولة. — هذا ليس إنقاذًا. إنه بيع. قال فؤاد: — من دون السيولة قد لا تستطيع الشركة دفع رواتب الشهر القادم. التفتت إليه لميس. — أنت تعرف أن هذا غير صحيح. — كان غير صحيح قبل تجميد حساباتنا وخسارة الخادم الرئيسي. قال آدم: — لدينا نسخ احتياطية خارجية. نظر نادر إليه عبر الشاشة. — لم تعد لديك صلاحية الوصول إليها. أجاب آدم: — الصلاحيات يمكن استعادتها. — بعد أن يستعيد مجلس الإدارة ثقته فيك. نظر بعض الأعضاء إلى بعضهم. كان الخوف قد بدأ يفعل ما لم تستطع أكاذيب نادر فعله وحدها. قالت لميس: — يريدكم أن تصوتوا وأنتم خائفون. وبعد حصول «مدار» على الإدارة، لن يبقى من «أفق» سوى اسمها. قال عضو يجلس قربها: — وما البديل؟ أن ننتظر حتى تنتهي قضيتك الشخصية؟ استدارت نحوه. — هذه ليست قضية شخصية. — جميع الأخبار تتحدث عن زوج خدعك، وامرأة أخرى، واعتداءات مرتبطة بعلاقتك به. اشتد فك لميس. قالت ريانا: — ما حدث في حياتها الخاصة لا يلغي حقوقها القانونية ولا ملكيتها. قال نادر: — لكنه يثبت أن قراراتها لم تعد مستقرة. نظر إلى لميس عبر الشاشة. — أخبريني: لو لم يكن كريم بين الحياة والموت الآن، هل كنت ستأتين إلى هذا الاجتماع أم ستبقين إلى جواره؟ لم تجبه. ابتسم كأنه حصل على الإجابة. — هذه هي المشكلة. لميس لا تعرف الفرق بين القرار الذي يحميها والقرار الذي يجعلها تشعر بأنها محبوبة. شعرت بحرارة الغضب تصعد إلى وجهها. كان يستعمل أعمق شكوكها أمام الرجال الذين بنت معهم الشركة. قالت: — وأنت لا تعرف الفرق بين إنقاذ شركة وسرقتها. — الفرق يكتبه من يبقى في مقعد الإدارة. قال فؤاد: — يكفي. سننتقل إلى التصويت على تعليق صلاحيات لميس مؤقتًا، والموافقة على خطة الدمج. وقفت ريانا. — أي تصويت قبل البت في صحة التفويض سيُطعن فيه. قال فؤاد: — يمكنك الطعن لاحقًا. بدأ الأعضاء يرفعون أيديهم. يد أولى. ثم ثانية. ثم ثالثة. تابعت لميس الوجوه. بعضهم تجنب النظر إليها، وبعضهم بدا مقتنعًا بأنه ينقذ الشركة، وآخرون لم يخفوا أنهم كانوا ينتظرون سقوطها. ارتفعت يد خامسة. كانوا يحتاجون إلى ستة أصوات. بقي صوت واحد. نظرت لميس إلى سليم عزام، أقدم أعضاء المجلس، والرجل الذي موّل أول مكتب صغير استأجرته قبل سنوات. ظل ينظر إلى الملف أمامه. قال فؤاد: — سليم؟ رفع الرجل رأسه نحو لميس. — هل تستطيعين إنقاذ الشركة من دون الدمج؟ أجابت: — نعم. — كيف؟ لم تكن تملك حساباتها، ولا خوادمها، ولا دليلًا اعتمده القضاء بعد. ومع ذلك قالت: — أعطني ثمانيًا وأربعين ساعة. ضحك نادر عبر الشاشة. — ثماني وأربعون ساعة؟ هل ستعيدين خلالها بناء الطابق المحترق أيضًا؟ لم تنظر إليه. قالت لسليم: — حين طلبت منك تمويل «أفق»، لم يكن لدي سوى ثلاثة موظفين وفكرة قال الجميع إنها أكبر مني. سألتني يومها عن ضماني، فقلت لك إنني أنا الضمان. لم أكذب عليك حينها، ولن أفعل الآن. طالت لحظة الصمت. خفض سليم يده. — أصوت ضد التعليق والدمج. أمنحها ثمانيًا وأربعين ساعة. انقسمت الأصوات بالتساوي. اختفت الابتسامة من وجه نادر. قال فؤاد: — عند تعادل الأصوات، يرجح صوت رئيس المجلس. أمسك القلم أمامه. نظر إلى لميس، ثم وضع علامته إلى جانب «موافق». — تم القرار. لم تتحرك لميس. صدر صوت إشعار من حاسوب آدم. نظر إلى الشاشة بسرعة، ثم نهض. — لا. لم يتم. قال فؤاد: — ماذا تقصد؟ أدار آدم الحاسوب نحو المجلس. — صدر الأمر القضائي بتجميد التفويض وجميع القرارات المبنية عليه إلى حين انتهاء التحقيق في التوقيع. تبدلت الوجوه حول الطاولة. قالت ريانا: — أي قرار اتخذتموه اعتمادًا على تفويض نادر أصبح معلقًا من هذه اللحظة. ضرب نادر الطاولة في المكان الذي كان يجلس فيه. — القرار وصل متأخرًا. فتح ملفًا آخر، ثم ضغط زرًا. ظهرت على الشاشة عبارة: «اكتملت المعاملة.» سأل آدم: — ماذا فعلت؟ قال نادر: — لم أحتج إلى موافقة المجلس لبيع الشركة. نظر فؤاد نحوه لأول مرة بقلق. — اتفقنا على الدمج بعد التصويت. ابتسم نادر. — أنت اتفقت. أما أنا فخططت. ظهرت أمامهم وثيقة بيع مؤرخة قبل يومين، تحمل توقيع لميس وتوقيع فؤاد وموافقة نادر بوصفه المدير المفوض. قالت ريانا: — التفويض لم يكن موجودًا قبل يومين. — لكن العقد كان موجودًا، أجاب نادر. ولميس وقّعته بنفسها منذ ثلاثة أشهر. نظرت لميس إلى الصفحة الأخيرة. كان التوقيع توقيعها الحقيقي، لا نسخة رقمية مسروقة. وفوقه اسم مستند تعرفه جيدًا: «اتفاقية حماية الاستثمار». تذكرت الملف. أحضره كريم إلى منزلها بعد عشاء طويل، وقال إنه مجرد إجراء يحمي أسهمها إذا وقع خلاف داخل المجلس. قرأت الصفحة الأولى، ثم وقعت في المواضع التي أشار إليها. لم تقرأ بقية الصفحات. شعرت بأن الهواء انقطع من القاعة. قال نادر: — لم أسرق توقيعك هذه المرة يا لميس. اقترب وجهه من الكاميرا. — أنت من وضعه بيدك. نظرت إلى التوقيع الذي منح رجلًا آخر حق بيع شركتها، وفهمت أن نادر لم يهزمها لأنها كانت ضعيفة في العمل. هزمها لأنه عرف المكان الوحيد الذي كانت تخلع عنده عقلها قبل أن تدخل. الحب لم يكن الجريمة التي ارتكبها كريم في حقها. كان الباب الذي تركته هي مفتوحًا للغباء.الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا
الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—
الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد
الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق
الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري
الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع







