تسجيل الدخولالفصل التاسع
ثمن الحقيقة بقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها. كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها. أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد. جاء صوت نادر غاضبًا: — خذوها منها! تحرك ظلّان في الممر. حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها. همست قرب أذنه: — كريم... افتح عينيك. لم يجب. اقتربت الخطوات. ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف. انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض. حبست لميس أنفاسها. ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ: «تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.» ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معدنية. سكب سائلًا قرب باب غرفة الخوادم، ثم ألقى شيئًا صغيرًا فوقه. اشتعلت النار دفعة واحدة. ارتدّت لميس، ورفعت ذراعها لتحمي وجهها من الحرارة. لم يكن نادر يريد سرقة البيانات فقط. كان يريد محو المكان كله. سمعت إطلاق نار من جهة السلم، ثم أوامر الشرطة تتردد بين الجدران: — الشرطة! ألقوا أسلحتكم! تحرك الرجل المقنّع نحوها، لكن طلقة أصابت الحائط بجانبه، فتراجع واختفى خلف أحد المكاتب. صرخت لميس: — هنا! كريم مصاب! لم يجبها أحد. امتدت النار على السائل بسرعة، وأخذ الدخان يهبط من السقف مثل ستار أسود يبتلع الممر. أمسكت كريم من سترته وحاولت سحبه، لكنه كان أثقل مما توقعت. انزلقت يدها الملطخة بالدم، فسقط رأسه فوق الأرض. — لا تفعل هذا الآن، قالت وهي تلهث. ليس بعد أن جعلتني أكرهك إلى هذا الحد. لم يتحرك. صفعته بخفة. — كريم! خرجت من صدره شهقة ضعيفة. فتحت عينيها على اتساعهما، وانحنت نحوه. — هل تسمعني؟ تحركت شفتاه، لكن السعال قطع صوته. قالت: — لا تتكلم. سنخرج. فتح عينيه بصعوبة، وحدق فيها كأنه لا يعرف أين هو. ثم تمتم: — البطاقة... نظرت إلى قبضتها المغلقة. — معي. — لا... تعطيها... خرجت منه الكلمات متقطعة، قبل أن يغيب مجددًا. زحفت النار نحو المكاتب. انطلقت مرشات السقف، لكنها لم تخرج سوى قطرات قليلة ثم توقفت. رفع آدم صوته في سماعات سيارة المراقبة: — لقد عطّلوا نظام الإطفاء! كانت أصابعه تتحرك بسرعة فوق لوحة المفاتيح، محاولًا إعادة تشغيله من خارج الشبكة. ظهرت أمامه نافذة رفض، ثم ثانية، ثم شاشة سوداء. ضرب المقود بكفه. — نادر أغلق النظام من الداخل. قال المفتش سليم عبر جهاز الاتصال: — لدينا مصابان في الطابق السادس عشر. أرسلوا فريق الإطفاء الآن. كانت ريانا قد خرجت من السيارة قبل أن ينهي جملته. أمسك المفتش بذراعها. — إلى أين؟ — إلى الداخل. — رجالي هناك. — ولميس لا تستمع إلى رجالك. — المبنى يحترق. انتزعت ذراعها منه. — ولهذا لن أبقى هنا أنتظر مكالمة تخبرني أنها ماتت. ركضت نحو المدخل قبل أن يمنعها. في الأعلى، أخذت لميس تسعل حتى انحنى جسدها. نزعت سترتها ووضعتها فوق وجه كريم، ثم أمسكت بذراعه وحاولت رفعه. لم تستطع. صرخت طلبًا للمساعدة، لكن صفير الإنذار ابتلع صوتها. ظهر رجل من الدخان. رفعت لميس يدها لتقي وجهها، قبل أن تسمع صوته: — لميس! كان أحد أفراد الشرطة. أسرع نحوها، وانحنى ليرفع كريم. وفي اللحظة نفسها، دوى إطلاق نار من نهاية الممر. اهتز جسد الشرطي وسقط فوق ركبته. خرج الرجل المقنّع من خلف المكتب ووجه سلاحه إليهما. أمسكت لميس بطاقة الدخول ونهضت مترنحة. كان باب غرفة الخوادم خلف النار، والمخرج خلف الرجل المسلح، ولم يبق أمامها سوى الممر المؤدي إلى مكتبها. ركضت. انطلقت رصاصة حطمت المصباح فوق رأسها. تساقط الزجاج فوق شعرها وكتفيها، لكنها لم تتوقف. دخلت مكتبها وأغلقت الباب. أدارت المفتاح اليدوي، ثم دفعت خزانة صغيرة أمامه. نظرت حولها بحثًا عن أي مخرج. كانت النوافذ محكمة، والطابق أعلى من أن تفكر في كسرها. اهتز الباب تحت ضربة قوية. قال الرجل من الخارج: — أعطيني البطاقة، وسأتركك تخرجين. أسندت لميس ظهرها إلى الخزانة. — قل لنادر إنه سيضطر إلى القدوم وأخذها بنفسه. جاء صوته ساخرًا: — نادر غادر منذ دقائق. توقفت أنفاسها. كان قد ترك رجاله والحريق خلفه وهرب. ضرب الرجل الباب مرة أخرى. تحركت الخزانة بضعة سنتيمترات. نظرت لميس إلى مكتبها. إلى الجوائز المعلقة فوق الجدار، وصورة افتتاح الفرع الأول، والكرسي الذي جلست فوقه سنوات وهي تعتقد أن أسوأ ما قد يصيبها هو خسارة صفقة. لم يكن في الغرفة شيء تستطيع الدفاع به عن نفسها سوى تمثال زجاجي منحته لها إحدى المؤسسات. أمسكته بكلتا يديها. جاءت الضربة الثالثة، وانفتح الباب قليلًا. ظهر جزء من وجه الرجل. رفعت لميس التمثال، مستعدة لضربه حين يدخل. وفجأة، سُمع صوت ارتطام قوي في الخارج، ثم سقط الرجل بعيدًا عن الباب. جاء صوت ريانا: — لميس! افتحي! لم تصدقها في البداية. — ريانا؟ — لا، شبحك القانوني. افتحي الباب قبل أن نموت معًا! أزاحت لميس الخزانة وفتحت. كانت ريانا واقفة خلف الباب، تحمل مطفأة حريق بكلتا يديها، بينما الرجل المقنّع ممدد قرب قدميها. حدقت لميس فيها. — ماذا تفعلين هنا؟ — جئت لأناقشك في اختيارك الممتاز للرجال. أين كريم؟ تبدلت ملامح لميس. ركضتا نحو الممر. كان الشرطي المصاب قد تمكّن من سحب كريم بعيدًا عن النار. وصل رجال آخرون، فحمل اثنان منهم كريم، بينما ساعد ثالث زميله. أمسكت لميس بيد كريم وهي تسير إلى جوار النقالة. كانت أصابعه باردة. قال أحد المسعفين: — ابتعدي، دعي لنا مساحة. لم تترك يده. — هل هو حي؟ لم يجبها. — سألتك هل هو حي؟ قال المسعف وهو يضغط قطعة قماش فوق صدره: — لديه نبض، لكنه ضعيف. علينا إخراجه فورًا. عند باب السلم، انطلقت دفعة حرارة خلفهم. انفجر زجاج غرفة الخوادم، وتناثرت شظاياه داخل الممر. دفع رجل الإطفاء لميس وريانا نحو الدرج. هبطوا وسط الدخان والصراخ. كانت لميس تتعثر في كل طابق، لكنها لم تشعر بقدميها. بقيت عيناها معلقتين بالنقالة التي تختفي أسفلها ثم تظهر عند كل منعطف. حين وصلوا إلى الخارج، أحاط بهم الهواء البارد وأضواء سيارات الشرطة والإسعاف. نُقل كريم مباشرة إلى سيارة الإسعاف. حاولت لميس الصعود معه، فأوقفها المسعف. — فرد واحد فقط. قالت ريانا: — اذهبي. سألحق بك. نظرت لميس إلى المبنى. كانت النيران تلتهم الطابق السادس عشر؛ مكتبها، ملفاتها، والغرفة التي بنت حولها مستقبلها كله. بحثت بين الوجوه عن نادر، لكنها لم تجده. رأت آدم يركض نحوها. توقف أمامها، ونظر إلى الدم الذي يغطي يديها. — هل أنت مصابة؟ نظرت إلى كفيها، كأنها تراهما للمرة الأولى. — ليس دمي. رفع عينيه نحو سيارة الإسعاف، وفهم. قال بسرعة: — قبل أن تدخلي السيارة، أين البطاقة؟ فتحت قبضتها. كانت فارغة. تجمدت لميس. فتشت جيوبها، ثم حقيبتها، ثم نظرت إلى الأرض حولها. — كانت معي. قالت ريانا: — ربما سقطت في الداخل. هز آدم رأسه. — لم تسقط. رفع حاسوبه الصغير أمامهما. ظهرت فوق الشاشة خريطة مبنى «أفق»، وفي أسفلها سجل الدخول. أشار إلى السطر الأخير. «البطاقة: لميس السالمي. الدخول ناجح. الموقع: مكتب رئيس مجلس الإدارة. الوقت: 00:47.» حدقت لميس في الشاشة. قالت ريانا: — هذا مستحيل. كان المكتب يحترق في ذلك الوقت. — ليس مكتب لميس، أجاب آدم. مكتب نادر في المبنى الإداري الآخر. شعرت لميس ببرودة تزحف في جسدها رغم حرارة النار خلفها. قال آدم: — أخذ أحدهم البطاقة منك أثناء إخراجكم. ونادر يستعملها الآن. سألت لميس: — للوصول إلى ماذا؟ تحركت أصابع آدم فوق الشاشة. فتح سجلًا آخر، ثم تغير وجهه. — ليس للوصول إلى الخادم. — إذن لماذا؟ رفع عينيه إليها. — لاستعمال توقيعك الرقمي. توقفت أصوات المكان داخل رأسها. لم تعد تسمع صفارات الإسعاف ولا رجال الإطفاء ولا تحطم الزجاج في الأعلى. سألته: — ماذا وقّع؟ أدار آدم الشاشة نحوها. ظهر مستند واحد تحت اسمها، وفوقه ختم إلكتروني يثبت الموافقة. قرأته ريانا أولًا. ثم قبضت على ذراع لميس. كان المستند قرارًا طارئًا صادرًا عن المالكة التنفيذية للشركة، يفوض نادر بإدارة جميع حسابات «أفق» وأصولها إلى حين انتهاء التحقيق. وفي السطر الأخير، ظهر توقيع لميس. قال آدم: — لقد أخذ شركتك. انفتح باب سيارة الإسعاف، وناداها المسعف: — إن كنت ستأتين، فاركبي الآن! نظرت لميس إلى كريم الممدد في الداخل، ثم إلى المبنى الذي يحترق، ثم إلى التوقيع الذي يحمل اسمها ويمنح عدوها كل ما بنته. للمرة الأولى، لم يكن عليها أن تختار بين رجلين. كان عليها أن تختار بين إنقاذ رجل خانها، وإنقاذ الحياة التي كادت خيانته تلتهمها. صعدت إلى سيارة الإسعاف. أُغلق الباب، وانطلقت السيارة، بينما بقيت عيناها معلقتين بالشاشة حتى اختفت خلف الزجاج. فقد كانت تعرف أن الشركات يمكن استعادتها، والعقود يمكن الطعن فيها، والمال يمكن جمعه مرة أخرى. أما الموت، فلا يترك لصاحبه بابًا أخيرًا ليعود منه.الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا
الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—
الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد
الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق
الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري
الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع







