تسجيل الدخولالفصل العاشر
ما لا يصلحه الندم ظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا. جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة. اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة. — يمكنك تنظيف يديك. نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها. قالت الممرضة بلطف: — لن يساعده بقاؤك هكذا. أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا. مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف. تركت القماش إلى جوارها. وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم. كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها. — هل فحصك الطبيب؟ — أنا بخير. — هذا ليس جوابًا. — لم تصبني الرصاصة. — والدخان؟ — قلت إنني بخير. جلست ريانا إلى جانبها. — حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا. لميس لم تبتسم. سألت المفتش: — هل وجدتم سارة ويزن؟ تبادل نظرة سريعة مع آدم، ثم قال: — حددنا المكان الذي خرج منه البث. مستودع مهجور في المنطقة الصناعية. نهضت لميس فجأة. — هل هما هناك؟ — وصلت القوة قبل دقائق. وجدوهما مقيدين، لكنهما على قيد الحياة. أغمضت لميس عينيها، وخرج الهواء من صدرها كأنه كان محبوسًا منذ رأت الطفل يبكي داخل الهاتف. — ويزن؟ — خائف، لكنه لم يُصب. أما سارة فلديها بعض الكدمات، وسيحضرهما الإسعاف إلى هذا المستشفى. أعادت لميس الجلوس. كان ينبغي أن تشعر بالراحة فقط، لكنها شعرت بشيء آخر لم تستطع تسميته. سارة زوجة كريم، ويزن ابنه. وهما الشخصان اللذان أخفاهما عنها بينما كان يدخل منزلها ويعدها بحياة لم تكن موجودة إلا في كلامه. ومع ذلك، حين علمت أنهما بخير، كادت تبكي. قالت ريانا كأنها قرأت ارتباكها: — نجاتهما لا تجعل ما فعله بك أقل سوءًا. أجابت لميس: — أعرف. — ولا تضطرك إلى مسامحته. — أعرف. — أقول ذلك لأنك حين تكررين «أعرف»، أفهم أنك تستعدين لفعل العكس. التفتت لميس إليها. — تلقى رصاصة بدلًا مني. — وأنقذ حياته كلها رجلًا كذب عليك. الأمران صحيحان في الوقت نفسه. خفضت لميس عينيها إلى يديها. كانت هذه هي المشكلة. أرادت أن يكون كريم شريرًا كاملًا كي تكرهه براحة، أو رجلًا صالحًا أخطأ كي تسامحه من دون أن تحتقر نفسها. لكنه تركها معلقة بين حقيقتين؛ جرحها بيد، وأنقذها بالأخرى. اقترب آدم ووضع الحاسوب فوق المقعد المقابل. — لدينا مشكلة أخرى. قالت ريانا: — قل لي إنك أوقفت التفويض. — حاولت. لكنه لم يُرسل إلى النظام الداخلي فقط. سُجل لدى المصرف، وشركة التأمين، ومكتب المحاسبة الخارجي قبل أن نحصل على نسخة منه. سألت لميس: — هل يستطيع نادر التصرف في أموال الشركة؟ — الحسابات التشغيلية فقط في الوقت الحالي. نقل الأصول الكبيرة يحتاج إلى موافقة ثانية من مجلس الإدارة. قالت ريانا: — سأطلب أمرًا قضائيًا عاجلًا بتجميد التفويض. أجاب آدم: — افعلي ذلك بسرعة. نادر دعا إلى اجتماع طارئ للمجلس في الثامنة صباحًا. نظرت لميس إلى ساعة المستشفى. كانت الثالثة وعشرين دقيقة بعد الثانية فجرًا. — بأي صفة يدعو إلى اجتماع؟ أدار آدم الشاشة نحوها. ظهر بريد رسمي أُرسل إلى جميع أعضاء المجلس، تعلوه جملة قصيرة: «نظرًا إلى العجز المؤقت الذي تعانيه السيدة لميس السالمي، والتحقيق الجنائي المتعلق بحريق مقر الشركة، أتولى بموجب التفويض المرفق الإدارة التنفيذية المؤقتة لشركة أفق.» تابعت لميس القراءة، ثم توقفت عند العبارة التالية: «وتُعلَّق جميع صلاحيات السيدة السالمي إلى حين التأكد من سلامة قراراتها وقدرتها على حماية مصالح المساهمين.» رفعت رأسها ببطء. — العجز المؤقت؟ قال آدم: — نشروا مقطعًا لك وأنت تدخلين المبنى مع كريم. فتح تسجيلًا مصورًا من كاميرا المرأب. ظهرت لميس إلى جانب كريم قبل دخولهما بدقائق. لم يظهر السلاح، ولا الشرطة، ولا أي شيء مما حدث في الداخل. بدت في المقطع كأنها جاءت برغبتها وفتحت له الباب. أضاف: — نادر يقول إنك ساعدت متهمًا هاربًا على دخول الشركة، ثم اندلع الحريق. قال المفتش سليم: — التسجيل كامل موجود لدينا، وكذلك إفادات رجال الشرطة. لن يستطيع إثبات اتهامه جنائيًا. قالت ريانا: — لكنه لا يحتاج إلى إثباته الليلة. يكفيه أن يجعل المجلس يخاف منها حتى يصوت معه صباحًا. وقفت لميس. — سأحضر الاجتماع. أمسكت ريانا بذراعها. — لن تذهبي إلى أي مكان قبل أن يفحصك الطبيب. — يريد أخذ شركتي خلال ساعات. — وكريم ما زال في العملية. توقفت لميس. نظر آدم إلى باب غرفة العمليات، ثم إليها. — أستطيع الذهاب إلى مقر الشركة ومحاولة إيقاف حسابات الإدارة. وريانا ستبدأ إجراءات التجميد. ابقي هنا حتى نعرف إن كان سيخرج حيًا. قالت لميس: — وإذا لم نلحق بالاجتماع؟ — سنلحق. — وكيف تعرف؟ أجاب آدم بهدوء: — لا أعرف. لكنني لن أخبرك أن تتركي رجلًا يحتضر وحده كي تنقذي شركة، ثم أدّعي أن ذلك هو القرار الصحيح. حدقت فيه. لم يكن يحاول إرضاءها، ولم يطلب منها أن تثق به. كان يخبرها بما يراه ثم يترك لها حرية الاختيار؛ شيء لم يفعله كريم معها منذ عرفته. جلست من جديد. غادر آدم مع المفتش، بينما ابتعدت ريانا لإجراء اتصالاتها. بقيت لميس وحدها قبالة الضوء الأحمر. بعد نصف ساعة، وصلت هناء. دخلت الممر مسرعة، وما إن رأت لميس حتى ضمتها بقوة. ظلت لميس جامدة لحظة، ثم انهار شيء داخلها. دفنت وجهها في كتف هناء وبكت. لم تبكِ حين صوب كريم السلاح إليها، ولا حين اشتعلت الشركة، ولا حين أخبرها آدم أن نادر استولى على صلاحياتها. لكنها الآن بكت كأن جسدها انتظر وصول شخص لا يطلب منها قرارًا ولا تفسيرًا. مررت هناء يدها فوق شعرها. — أنا هنا. قالت لميس بين شهقاتها: — لا أعرف ماذا أريد. — لا يجب أن تعرفي الآن. — إذا مات، سأبقى أذكر أنه مات من أجلي. — وإذا عاش، فسيبقى ما فعله قبل الرصاصة موجودًا أيضًا. ابتعدت لميس عنها. — لماذا يقول الجميع الشيء نفسه؟ — لأنك تبحثين عن جواب يسمح لك إما بحبه تمامًا أو كرهه تمامًا، ولا يوجد جواب كهذا. مسحت لميس دموعها. — أليس إنقاذه لي دليلًا على أنه أحبني؟ جلست هناء إلى جانبها. — ربما أحبك. لكن الحب لا يمحو الخداع، كما أن الخداع لا يعني بالضرورة أن كل لحظة حب كانت كاذبة. — إذن ما الذي أفعله بكل هذا؟ — لا شيء الليلة. انتظري أن يعيش أولًا، وبعدها دعيه يتحمل نتيجة كل شيء فعله وهو حي. انطفأ الضوء الأحمر فوق باب العمليات. نهضت لميس قبل أن يخرج الطبيب. ظهر رجل بملابس الجراحة، ونزع قناعه ببطء. — من عائلة السيد كريم؟ لم تجب لميس. وصلت ريانا في اللحظة نفسها، ووقفت إلى جوارها. كرر الطبيب: — من عائلته؟ جاء صوت من خلفهن: — أنا زوجته. التفتت لميس. كانت سارة واقفة عند نهاية الممر، وقد غطت كدمة داكنة جانب وجهها. أمسكت بيد يزن، الذي التصق بساقها وهو يحدق في الغرباء بعينين متورمتين من البكاء. اقتربت سارة، لكن خطواتها تباطأت حين رأت الدم على ثياب لميس. نظر الطبيب إليها. — استخرجنا الرصاصة. أصابت الرئة وسببت نزيفًا حادًا، لكننا استطعنا إيقافه. حالته حرجة، والساعات القادمة ستحدد الكثير. وضعت سارة يدها فوق فمها. سألته: — هل يمكنني رؤيته؟ — لدقائق، حين يُنقل إلى العناية المركزة. غادر الطبيب. بقيت المرأتان واقفتين قبالة بعضهما. لم تعرف لميس ماذا تقول لزوجة الرجل الذي وعدها بالزواج، ولا كيف تنظر إلى الطفل الذي لم يخبرها بوجوده. كانت سارة أول من تكلم: — قالوا إنه تلقى الرصاصة بدلًا منك. أجابت لميس بصوت خافت: — نعم. نظرت سارة إلى باب العمليات. — ينقذ الجميع في اللحظة الأخيرة، بعد أن يكون قد دمّرهم في كل اللحظات التي سبقتها. لم تجد لميس ردًا. سألتها: — هل كنت تعرفين عني حين اقترب منك؟ — لا. — ومتى عرفتِ؟ — منذ أيام فقط. ضحكت سارة ضحكة قصيرة بلا فرح. — أيام؟ وأنا عرفت عنك منذ عام. اتسعت عينا لميس. — ماذا؟ أخرجت سارة هاتفًا مكسور الشاشة من جيب معطفها. — رأيت صورك ورسائلك. واجهته، فقال إن علاقته بك جزء من عمل طلبه منه نادر، وإنه سينهيها حين يحصل على ما يريد. شعرت لميس كأن الممر مال تحت قدميها. تابعت سارة: — ثم توقف عن قول إنها مجرد مهمة. بدأ يحذف رسائلك، ويخفي هاتفه، وينظر إليّ كأن وجودي هو الخطأ الذي يمنعه من الوصول إليك. قالت لميس: — لم أكن أعلم أنه متزوج. — أعرف. — كيف تعرفين؟ نظرت سارة إليها طويلًا. — لأنني رأيت كيف كان يكذب عليك. كان يكذب عليك بالطريقة نفسها التي كذب بها عليّ، لكن وجهك في الصور كان وجه امرأة تصدقه، لا امرأة تشاركه الخيانة. اقترب يزن من أمه أكثر. خفضت لميس عينيها إليه، ثم قالت: — أنا آسفة. أجابت سارة: — لا تعتذري لي عن ذنبه. مدت الهاتف إليها. — خذي هذا. — ما هو؟ — الهاتف الذي كان يستعمله للتواصل مع نادر. أخفاه في بيتنا، واحتفظت به بعدما اختفى. لم أذهب إلى الشرطة لأن شريف هدد ابني. أخذته لميس. — لماذا تعطينه لي الآن؟ — لأن نادر لم يخطفنا ليجبر كريم على فتح الخادم فقط. كان يريد استعادة هذا الهاتف. دخلت ريانا إلى الحديث: — ماذا يوجد فيه؟ قالت سارة: — تسجيلات ومحادثات وأسماء. كريم كان يجمعها منذ أشهر ليحمي نفسه إذا قرر نادر التخلص منه. سألت لميس: — لماذا لم يخبرني؟ — ربما لأنه كان ينوي استعمالها للمساومة، لا لإنقاذك. كانت الإجابة مؤلمة لأنها بدت أقرب إلى الحقيقة من كل ما قاله كريم. ضغطت لميس زر التشغيل، لكن الهاتف طلب رمزًا سريًا. قالت سارة: — لا أعرف الرمز. حمل يزن رأسه نحو الهاتف، ثم قال لأول مرة: — أعرفه أنا. نظرت النساء الثلاث إليه. قالت سارة: — من أين تعرفه؟ — رأيت أبي يفتحه. أخذ الهاتف، وكتب ستة أرقام صغيرة. انفتح الجهاز. ظهرت قائمة الملفات. اختارت ريانا أحدث تسجيل صوتي. خرج صوت نادر واضحًا: «بعد توقيع لميس، لن نحتاج إلى كريم. تخلّص منه، ومن سارة والطفل أيضًا.» ارتجفت يد سارة. لكن التسجيل لم ينتهِ. جاء صوت رجل آخر: «وماذا عن لميس؟» أجاب نادر: «دعوها حية. حين تخسر الشركة، ستوقع بنفسها على ما تبقى.» تجمدت لميس. لم يكن الصوت الثاني صوت شريف، ولا كريم، ولا أي رجل غريب عليها. سمعته طوال سنوات في اجتماعات مجلس الإدارة، وكان صاحبه يقف دائمًا حين تدخل احترامًا لها، ويصفها أمام الجميع بأنها ابنته التي لم ينجبها. رفعت عينيها إلى ريانا. قالت بصوت خرج بالكاد: — هذا صوت رئيس مجلس الإدارة. نظرت ريانا إلى الساعة. كانت الثالثة وخمسًا وأربعين دقيقة. وبعد أربع ساعات، سيجلس الرجل نفسه على رأس الاجتماع الذي سيقرر إن كانت لميس ما تزال تملك حق الدخول إلى الشركة التي أسستها. عندها فقط فهمت أن نادر لم يكن يحاول اقتحام «أفق» من الخارج. لقد كان الباب مفتوحًا له منذ البداية.الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا
الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—
الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد
الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق
الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري
الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع







