تسجيل الدخولالفصل السابع
المرأة التي سبقتها استيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة. كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها. جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة: «إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.» أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة. لم تجب. وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم. قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به. فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة. تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.» نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت. لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط. --- في الثامنة، دخلت مكتب ريانا. كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا. لم تقل صباح الخير. وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب. — أريد من آدم أن يفحصها. نظرت ريانا إلى القطعة، ثم إليها. — هل أخبرته بأنك ستفعلين؟ — لا. — هل يعرف أنها لم تعد معك؟ — لا. اقتربت ريانا، لكنها لم تلمس الذاكرة. — لماذا غيرت رأيك؟ أخرجت لميس هاتفها وأرتها صورة كريم مع المرأة المجهولة. قرأت ريانا الرسالة، ثم سألت: — من مريم؟ — سأعرف اليوم. — ستقابلينها؟ — في مكان عام. — سأذهب معك. — لا. رفعت ريانا عينيها ببطء. — لميس، انتهينا من مرحلة ذهابك وحدك لمقابلة كل شخص يظهر من ماضي كريم. — هي طلبت الحديث معي أنا. — والذاكرة طلب كريم أن تفتحيها وحدك. هل سنواصل اتباع تعليماتهم جميعًا؟ دخلت هناء وهي تحمل ثلاثة أكواب من القهوة، فتوقفت عند الباب. — هل بدأتما من دوني؟ أشارت ريانا إلى الهاتف. — ظهرت امرأة أخرى. وضعت هناء الأكواب وسحبت الهاتف نحوها. قرأت الرسالة ثم نظرت إلى لميس. — هل أخبرتِ الشرطة؟ — ماذا سأقول لهم؟ امرأة أرسلت إليّ صورة قديمة وتريد شرب القهوة؟ — ستخبرينهم لأنها مرتبطة برجل يبحثون عنه. قالت لميس: — لا أريد أن تخاف مريم وتتراجع. تنهدت ريانا. — جيد. سنجلس في مكان قريب. لن نتدخل إلا إذا طلبتِ ذلك. — قلت إنني سأذهب وحدي. — وأنت قلت للشرطة إن كريم لم يتصل بك. لم تعد وعودك في هذه القضية تطمئنني. أصابت العبارة موضعها. قالت هناء بلطف: — لسنا نحاول السيطرة عليك. نحن خائفتان. أشاحت لميس بعينيها. كان خوفهما يجعل عنادها يبدو أقل قوة وأكثر طفولية. قالت أخيرًا: — يمكنكما الجلوس بعيدًا. لن تقتربا منها، ولن تقاطعا الحديث. أومأت هناء. أما ريانا، فأخذت الذاكرة بواسطة منديل ووضعتها داخل كيس صغير. — سأرسلها إلى آدم كما هي. لا أحد سيفتحها على جهاز عادي. سألت لميس: — كم يحتاج من الوقت؟ — بقدر ما يحتاج. الأدلة لا تصبح أكثر صدقًا لأنك مستعجلة. --- كان المقهى هادئًا، يقع في شارع جانبي بعيد عن صخب وسط المدينة. وصلت لميس قبل الموعد بعشر دقائق. اختارت طاولة ترى منها الباب، وجلست ريانا وهناء في الجهة الأخرى من القاعة، بعيدتين بما يكفي لعدم سماع الحوار. عند العاشرة تمامًا، دخلت امرأة في أواخر الثلاثينيات. لم تكن تشبه الصورة القديمة كثيرًا. قصت شعرها، واختفى الامتلاء من وجهها، لكن عينيها بقيتا كما هما؛ واسعتين، وفيهما حذر شخص دفع ثمن ثقته ولم يعد يمنحها كاملة لأحد. تقدمت نحو لميس. — أنا مريم. وقفت لميس وصافحتها. كانت يدها باردة. جلستا. قالت مريم: — لم أتوقع أن تأتي. — وأنا لم أتوقع أن تظهر امرأة أخرى تعرف كريم. ابتسمت مريم من دون فرح. — هذه إحدى مواهبه. يجعل كل امرأة تظن أنها الوحيدة التي عرفته حقًا. دخل النادل. طلبت مريم قهوة سوداء، بينما رفضت لميس أي شيء. انتظرت حتى ابتعد، ثم قالت: — كيف عرفت رقمي؟ — من إعلان شركتك. اتصلت بالمكتب، وحين رفضوا إعطائي رقمك، بحثت أكثر. — ولماذا الآن؟ — لأنني رأيت الحفل. أخرجت هاتفها، وفتحت صورة لميس وكريم فوق المنصة. — حين رأيته يمسك يدك بالطريقة نفسها، عرفت أنه بدأ من جديد. نظرت لميس إلى الصورة. — بالطريقة نفسها؟ فتحت مريم صورة قديمة. كانت تقف إلى جانب كريم أمام مكتب صغير يحمل اسم شركة «جسر للإبداع». كان أصغر سنًا، وشعره أطول، لكنه يمسك يدها أمام الكاميرات بالطريقة ذاتها: أصابعه ملتفة حول أصابعها، وجسده يميل قليلًا نحوها، وابتسامته تقول للحاضرين إن المرأة الواقفة معه اختارته. قالت مريم: — كنت أملك وكالة صغيرة للتصميم والإعلانات. لم تكن كبيرة مثل شركتك، لكنها كانت ناجحة. جاء كريم طالبًا تدريب. كان ذكيًا ومجتهدًا، أو هكذا بدا. — ووقعتِ في حبه؟ — ليس بسرعة. أمضى عامًا كاملًا يجعل نفسه الشخص الذي أحتاج إليه قبل أن يصبح الرجل الذي أحبه. سألتها لميس: — ماذا فعل؟ — في البداية لم يطلب شيئًا. وهذه كانت أذكى خطوة قام بها. كان يبقى بعد انتهاء العمل، يصلح ما يفسده الآخرون، ويتذكر التفاصيل التي أنساها. حين مرضت أمي، تولى الشركة أسبوعًا كاملًا من دون أن أطلب منه. شعرت لميس بانقباض في صدرها. الأسلوب نفسه. الدخول عبر الحاجة، ثم البقاء حتى يصبح غيابه مخيفًا. قالت مريم: — بعد وفاة أمي، كنت ضعيفة. أخبرني أنه يحبني، وأنه لا يرى فرق العمر ولا فرق المنصب. قال إنني أول إنسانة جعلته يشعر بأنه رجل قادر على النجاح. توقفت لميس عند العبارة. قالها كريم لها أيضًا، بعد أول صفقة ساعدته في الوصول إليها. سألت: — ثم ماذا؟ — أراد إنشاء مشروع لدعم المصممين الشباب. احتاج إلى قاعة صغيرة وبعض المعدات. لم يطلب مالي مباشرة؛ طلب أن أظهر معه في حفل الافتتاح. رفعت لميس عينيها إليها. — وهل استعمل اسمك لجمع المال؟ أومأت مريم. — قال للناس إن وكالتي ستشرف على مشاريعهم، ثم أخذ رسومًا من عشرات الشباب. حين بدأت الشكاوى، أقنعني أن شريكه خانه وأنه يحتاج إلى وقت لإعادة الأموال. — هل كان شريكه نادر السالمي؟ تغير وجه مريم. — لم أكن أعرف اسمه وقتها. كريم كان يسميه «الأستاذ» فقط. أخرجت لميس هاتفها وفتحت صورة نادر. نظرت مريم إليها طويلًا. — رأيته مرة واحدة داخل سيارة أمام مكتبنا. قد يكون هو، لكنني لا أستطيع الجزم بعد كل هذه السنوات. — ماذا حدث للمشروع؟ — دفعت ديونه. لم تجب لميس. قالت مريم: — ظننت أنني أنقذه. بعت حصتي في شقة ورثتها عن أمي، وسددت أموال بعض المشاركين. لم أفعل ذلك لأنني كنت غبية تمامًا. كانت لدي أدلة تبدو منطقية، وعقود، وتقارير. وكان كلما ظهر تناقض، أعطاني حقيقة صغيرة تجعلني أبتلع كذبة أكبر. — لماذا لم تشتكي به؟ ابتسمت مريم بمرارة. — لأنني كنت سأضطر إلى الاعتراف بأنني كذبت لحمايته. شعرت لميس بيدها تبرد فوق الطاولة. تابعت مريم: — أخفيت رسائل، وغيرت تواريخ بعض العقود، وقلت للمشاركين إن التأخير إداري. في البداية كنت ضحيته. ثم بدأت أساعده على صنع ضحايا آخرين، فقط لأن الاعتراف بالحقيقة كان سيجعل كل ما فعلته من أجله يبدو غباءً. قالت لميس بسرعة: — أنا لم أغير عقودًا. — ليس بعد. كانت الكلمتان هادئتين، لكنهما أصابتاها بقوة. قالت مريم: — كل تنازل تقومين به يجعل التالي أسهل. كذبتِ على صديقتك، أليس كذلك؟ لم تجب لميس. — وعلى الشرطة؟ رفعت لميس رأسها. — كيف عرفت؟ — لأن كريم لا يطلب من المرأة أن تهرب معه أولًا. يطلب كذبة صغيرة، ثم يجعلها تخاف من انكشافها أكثر مما تخاف منه. وصلت القهوة. انتظرت مريم حتى ابتعد النادل. سألت لميس: — كيف انتهت علاقتكما؟ حركت مريم الملعقة ببطء. — اختفى. — فقط؟ — أخذ ما بقي في حساب المشروع، وترك رسالة يقول فيها إنه مضطر إلى السفر حتى يثبت براءته. انتظرته ستة أشهر. كنت أدافع عنه أمام كل من يلومني، إلى أن رأيت صورة زفافه. — من سارة؟ — نعم. اتسعت عينا لميس. — هل كانت تعرف بوجودك؟ — لا أعرف. لم أتواصل معها. كنت أخجل من أن تعرف امرأة أخرى أن زوجها كان الرجل الذي دمرت حياتي من أجله. صمتت لحظة، ثم أضافت: — والآن أخجل أكثر لأن صمتي سمح له بأن يفعل بها ما فعله بي، وبك ما فعله بنا معًا. قالت لميس: — تواصلتِ معي، لكنك لم تتواصلي مع سارة. — تواصلت معها صباح اليوم. — وماذا قالت؟ — لم تجب. ربما أخذ كريم هاتفها، وربما لا تزال تصدقه. كنت مثلها يومًا. اهتز هاتف مريم فوق الطاولة. قرأت الرسالة، فتغير وجهها. — ماذا هناك؟ سألت لميس. أدارت مريم الشاشة نحوها. كانت رسالة من كريم: «ابتعدي عن لميس. هذه المرة لن أسمح لك بتدمير حياتي كما فعلت من قبل.» قالت لميس: — يعرف أننا التقينا. نظرت نحو ريانا وهناء. كانتا ما تزالان في مكانهما، ولم تقتربا. فتشت بعينيها واجهة المقهى والشارع خلفها. قالت مريم: — هل أخبرتِه؟ — لا. — هل أحضرتِ معك شيئًا أعطاك إياه؟ تذكرت الذاكرة. — أعطيتها لريانا قبل أن آتي. — ماذا كانت؟ — قال إن فيها أدلة ضد نادر. أغلقت مريم عينيها لحظة. — أعطاني واحدة مثلها. شعرت لميس بقلبها يهبط. — ماذا حدث؟ — طلب أن أفتحها من حاسوب الشركة لأن الملفات لا تعمل على غيره. بعد يومين اختفت عقود العملاء وبيانات الحسابات، ثم ظهرت نسخ معدلة تجعلني المسؤولة الوحيدة عن المشروع. وقفت لميس بسرعة. التفتت ريانا وهناء نحوها. رن هاتفها في اللحظة نفسها. كان آدم. أجابت فورًا. — هل فتحتم الذاكرة؟ قال آدم: — داخل بيئة معزولة، نعم. — ماذا وجدت؟ — لا توجد أدلة ضد نادر. شعرت بأن المقهى كله ابتعد عنها. تابع: — توجد ملفات وهمية، وبرنامج مصمم لمنح صاحبه وصولًا عن بُعد إلى الجهاز الذي تُفتح عليه الذاكرة. لو أدخلتها في حاسوبك داخل «أفق»، لتمكن شخص من الدخول إلى شبكة الشركة. أمسكت لميس حافة الطاولة. — هل يمكن معرفة من صنعه؟ — ليس بعد. لكن هناك شيء آخر. — ماذا؟ — البرنامج لا يبدأ بمجرد إدخال الذاكرة. يحتاج إلى كلمة مرور يرسلها كريم. كلمة المرور ليست للحماية؛ إنها أمر تشغيل. نظرت لميس إلى مريم. كانت المرأة تراقب وجهها، وكأنها ترى نفسها قبل سبع سنوات. قال آدم: — لم يعطك دليلًا يا لميس. حاول أن يجعلك أنت من يفتح له باب الشركة. أنهت المكالمة بيد مرتجفة. اقتربت ريانا وهناء. سألت هناء: — ماذا حدث؟ قالت لميس بصوت بالكاد خرج: — الذاكرة كانت فخًا. لم تقل ريانا «أخبرتك». لم تنظر إليها بانتصار. اكتفت بالوقوف إلى جانبها، وذلك جعل الخجل أشد. قالت مريم: — الآن تعرفين. رفعت لميس عينيها إليها. — أعرف ماذا؟ — أنه لم يقترب منك لأنك الوحيدة التي فهمته. اقترب لأن لديك الشيء الذي يحتاج إليه. — أنت لا تعرفين ما كان بيننا. خرج الدفاع من فمها قبل أن تفكر فيه. تجمدت ريانا، وأشاحت هناء بعينيها. أما مريم فلم تغضب. قالت بهدوء: — قلت الجملة نفسها لكل امرأة حاولت إنقاذي منه. — ربما استغلك، لكن هذا لا يعني أن كل ما شعر به نحوي كذب. — ربما. لم تتوقع لميس موافقتها. تابعت مريم: — قد يكون أحبك فعلًا. لكن بعض الناس يحبوننا كما يحبون المفتاح: يحتفظون بنا ما دمنا نفتح لهم الأبواب. ساد الصمت. رن هاتف لميس برسالة جديدة من كريم: «مريم كاذبة. طُردت من شركتها لأنها سرقت أموال العملاء، وحاولت إلصاق الأمر بي. لا تسمحي لها بأن تفعل بك ما فعلته بي.» أرتهم الرسالة. قالت ريانا: — سيخبرك الآن أن كل امرأة فضحته مجنونة أو كاذبة أو متعلقة به. نظرت لميس إلى مريم. — هل طُردتِ من شركتك؟ لم تتغير ملامحها. — نعم. — وهل اتُّهمتِ بأخذ أموال العملاء؟ — نعم. أخذت ريانا نفسًا غاضبًا، لكن مريم رفعت يدها. — دعيها تسأل. من حقها. قالت لميس: — وهل كنت مذنبة؟ نظرت مريم مباشرة في عينيها. — كنت مذنبة في إخفاء ما فعله، وفي تغيير أوراق لحمايته. أما المال، فأخذه هو. لكن حين حان وقت التحقيق، كانت كل المستندات تحمل اسمي، وكل الأكاذيب خرجت من فمي. ثم مالت نحوها وأضافت: — لهذا اتصلت بك. ليس كي أثبت لك أنه لم يحبك، بل كي أخبرك أن القانون لن يسألك عمّن أحببت. سيسألك عمّا فعلت من أجله. بقيت لميس تنظر إلى رسالة كريم. كانت تعرف أنه حاول اختراق شركتها. تعرف أن مريم وصفت طريقته قبل أن تسمع برسالته. وتعرف أن دفاعها عنه بدأ يكلفها أكثر من قلبها. ومع ذلك، وجدت نفسها تكتب: «أين أنت؟ أريد أن أسمع تفسيرك الأخير.» رأت ريانا الكلمات قبل أن ترسلها، فأمسكت معصمها. — لا. رفعت لميس عينيها إليها. — أريد أن أجعله يتكلم. — مع الشرطة. — إذا شعر أنهم معي سيختفي. قالت مريم: — هذا ما يريدك أن تظنيه. نظرت لميس إلى زر الإرسال. كانت المرة الأولى التي لا تستطيع فيها الادعاء بأنها لا تعرف الحقيقة. ضغطت الزر. وصل الرد بعد ثوانٍ: «كنت أعرف أنك الوحيدة التي ستفهمني. تعالي وحدك، وسأنهي كل شيء.» وضعت ريانا يدها فوق الهاتف. — إذا ذهبتِ إليه الآن، فلن يكون ذلك لأنك تحبينه. سألت لميس: — لماذا إذن؟ أجابتها: — لأنك لا تزالين تريدين سماع كذبة أقل ألمًا من الحقيقة. رفعت لميس الهاتف من تحت يدها. وفي اللحظة نفسها، ظهرت رسالة ثانية من كريم: «وأحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.» قرأت لميس الطلب. ثم فهمت. لم يكن يعرف بعد أن الذاكرة كُشفت. وكان لا يزال ينتظر منها أن تفتح له الباب.الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا
الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—
الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد
الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق
الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري
الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع







